سعد الدين وهبة زعيم الكتَّاب والفنانين
منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
عرفت سعد الدين وهبة، قبل أن ألتقيه بسنوات طويلة..
فقيامى بترتيب مكتبة أبى - فى سن العاشرة - سهّل لى التعرّف عليه عندما كان يحرر مجلة «البوليس» التى جعل منها مجلة ثقافية رغم اسمها..
وعرفته بعد ذلك - دون أن أقابله، فقد كنت فى المدرسة الإعدادية - من خلال المجلة الثقافية التى تولى إصدارها بنفسه كل شهر وسماها مجلة «الشهر» وكان والدى من قرائها المنتظمين..
ومع أنى كنت من عشاق المسرح فى منتصف الستينيات من القرن العشرين، وجمعتنى صداقات مع عدد من كتاب المسرح ونقاده وبعض فنانيه وفناناته، إلا أنه لم يتيسر لى وقتها لقاء سعد الدين وهبة مع أنى شاهدت بعض مسرحياته التى كانت تحقق نجاحًا جماهيريًا واحتفالًا نقديًا كبيرًا، لصدق موضوعاتها وتعبيرها عن الحياة المصرية بصورة واقعية.

جاء التعارف متأخرًا قليلًا.. عندما أصبح وكيلًا لوزارة الثقافة رئيسًا لهيئة الثقافة الجماهيرية، فقد كان يجمعنا نحن الصحفيين المهتمين بالثقافة والفنون.. والمدركين لأهمية الحياة الثقافية والفنية خارج القاهرة.. فى رحلات أسبوعية إلى مختلف أقاليم مصر.. لنتابع معه أنشطة متنوعة فى الريف بين عروض مسرحية أو ندوات أدبية أو معارض تشكيلية.
رحلات للأرياف
كنا مجموعة صغيرة من الصحفيين والنقاد أذكر منها على شلش وزينب منتصر ومحمد بركات وصفاء الليثى وعبدالرحمن أبوعوف.. وآخرون لا تسعفنى الذاكرة بأسمائهم.
ففى كل أسبوع كنت أتلقى مكالمة تليفونية من الصديق عمر البرعى مدير العلاقات العامة فى الثقافة الجماهيرية أو مساعده صديقى إبراهيم عبدالمجيد، تخبرنى بالموعد الجديد لرحلتنا والبلد الذى سنتوجه إليه..
وفى الموعد المحدد نلتقى وتحملنا سيارة نصف أتوبيس (حمولة 10 أشخاص) يتقدمنا سعد الدين وهبة، وطوال الرحلة تتاح لنا أحاديث لا آخر لها مع هذا الكاتب المسرحى البارز حول اهتماماته وأفكاره وحكاية تحوّله من ضابط شرطة إلى كاتب صحفى لمدة عشر سنوات فى جريدة الجمهورية التى تركها عندما كان مديرًا للتحرير فى سنة 1964 وهى السنة التى شهدت نهضة مسرحية مصرية غير مسبوقة كان سعد الدين وهبة أبرز فرسانها.
فهو كاتب مسرحى رائد فى تجديد المسرح وتحويله إلى أكبر منبر يصوّر الحياة المصرية وتطلعات المصريين ومعاناتهم وأشجانهم وكان أول من قدّم حياة الريف المصرى على المسرح.
خلال لقاءاتنا الأسبوعية عرفت الكثير عن هذا الرجل الذى أعتبره زعيم الكتاب والفنانين المصريين، فهو بدأ حياته الأدبية بكتابة القصة القصيرة ونشرها فى مجلات «روزاليوسف» و«الاثنين والدنيا» و«الكواكب» وغيرها.
ثم كتب المسرحيات التى أحدثت ثورة فى عالم المسرح: «السبنية» و«المحروسة» و«سكة السلامة» و«كوبرى الناموس» و«بير السلم» و«كفر البطيخ» وغيرها.

وعلى مدى عدة سنوات تحقق لنا الغوص فى الحياة الثقافية والفنية لأبناء مصر فى قراهم ومدنهم الصغيرة ومحافظاتهم المتعددة، ثم إطلاع جمهور قراء الصحف والمجلات المصرية على المبدعين هناك وأعمالهم.. وفى الوقت نفسه تحقق لنا الاقتراب الشديد من هذا الرائد الكبير.
ومن الطبيعى أن تخلق هذه الرحلات، بمسافاتها الطويلة التى كانت تقتضى منا فى بعض الأوقات، المبيت فى هذه البلدة أو تلك، نوعًا مميزًا من التواصل مع سعد الدين وهبة وعالمه.. وفى هذه الرحلات التى كان الهدف منها التعريف بثقافة وفنون الأقاليم واكتشاف المواهب فى مختلف المجالات.
وأحاول الآن بعد مضى ما يزيد على نصف قرن أن أتذكر بعض ما رواه لنا عن نفسه فمثلا سأله أحدنا: لماذا اخترت دخول كلية البوليس إذا كان اهتمامك الأول كما قلت، هو الأدب والصحافة؟
ضحك قبل أن يستعيد ذكريات حصوله على «التوجيهية» سنة 1945.. ثم قال: كانت هذه رغبة أبي.. ولم يكن ممكنًا ألا أطاوعه فدخلت كلية البوليس.. لكن بعدما عملت لمدة سبع سنين ضابط بوليس غيرت حياتى ودخلت آداب إسكندرية قسم فلسفة.. واشتغلت بالصحافة لمَّا تخرجت.
سكت قليلا قبل أن يضيف: على فكرة عملى فى البوليس عرفت منه أشياء من حياتنا لم أكن لأعرفها.. نفعتنى خبرتى دى فى الكتابة..
الصحافة والكتابة
وسؤال آخر لا أتذكر الآن من طرحه، عن سرّ تعلّقه بالصحافة والكتابة عموما من سن صغيرة؟
وفى رده حكى لنا حكاية طويلة عن حياته كتلميذ صغير فى قريته دميرة مركز طلخا فى الدقهلية.. وكيف صار مكانه المفضل فى البيت هو حجرة الكرار التى تضم كراكيب البيت وخزين التموين وكان فيها بعض الأجولة التى تمتلئ بالأوراق..
وعندما كبر قليلا بدأ يفتحها ويقرأ ما فيها من مجلات قديمة كان والده مصرًا على الاحتفاظ بها.. «الرسالة» و«المصور» و«الصباح الجديد» و«العصور» و«الرواية الجديدة» وغيرها أكوام وأكوام.. فانبهر بها وكان يقرأ دون أن يفهم كل شيء.. لكنه واصل وبدأ يكتشف قيمة الصحافة والكتابة..
وقال لنا: أحسست وقتها أننى وقعت على كنز!
كانت تعجبنى فى شخصيته روح الأصالة والبساطة وقوة المعانى التى يعبّر عنها فى أحاديثه وكتاباته ومسرحياته وأسلوبه فى قيادة جهاز الثقافة الجماهيرية.
لا تشعر وأنت تتحدث معه أنك أمام موظف كبير، أو مسئول رفيع متعال أو متفاخر بمركزه.. أو بمكانته وريادته فى عالم المسرح.
يكلّمك كما لوكان زميلا لك فى عملك الصحفى.. يريد أن يوفر لك كل فرص النجاح فى عملك، ويتكلّم على سجيته ويضحك ويسخر أحيانًا من بعض نواقص بيروقراطية أو انتهازية سياسية.
وحكاية لا أنساها رواها لنا فى إحدى هذه الرحلات فى سنة 1972 تقريبًا.. هى أنه عندما علم بوفاة الرئيس عبدالناصر، أخذ سيارته واتجه نحو بيت عبدالناصر، لكن جموع الجماهير التى ملأت كل الشوارع حالت دون دخوله أول الطريق فبقى محاصرًا بالزحام فى باب الحديد والجماهير تهلل وتبكى «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين» فخرج من السيارة ووقف مذهولًا وسط الناس يذرف دموعًا ويهتف معهم «الوداع يا جمال.. ياحبيب الملايين»!

علامات مهمة
تمر هذه الأيام مئة سنة على ميلاده، فهو من مواليد 1925.
ويطيب لى أن أستعيد ملامح شخصية هذا الرجل.
وقد عايشته مع غيرى من الصحفيين لعدة سنوات خلال رحلاتنا التى شملت خريطة مصر، وبدأت فى عام 1969 وامتدت فى السبعينيات.
فى مجال السينما كان واحدًا من أشهر كتَّاب السيناريو وله أفلام تعتبر علامات مهمة منها «زقاق المدق» رواية نجيب محفوظ و«الحرام» رواية يوسف إدريس و«الزوجة الثانية» قصة أحمد رشدى صالح وغيرها.
وكان قد تولى إدارة عدد من شركات الإنتاج السينمائى ودار الكتاب العربى وهيئة الفنون قبل أن نلتقيه فى رحلاتنا الأسبوعية التى لا تنسى.
وافتقدناه وفقدنا الصلة الشخصية به عندما تولى منصب سكرتير عام المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ثم منصب نائب وزير الثقافة فى الفترة من 1975 إلى 1980.
وكان من الطبيعى أن يتولى وزارة الثقافة التى كان النائب الأول لوزيرها يوسف السباعى، بعد اغتيال الوزير فى قبرص.. لكنه لم يصبح وزيرًا للثقافة.
فقد رفض الرئيس السادات تعيينه لأنه ينتقد سياسات الانفتاح والتطبيع.
ومع أننى هاجرت إلى لندن فى نهاية عام 1980 إلا أننى كنت أتابع مسيرة هذا العلم الذى ترك الوظيفة الرفيعة وتحوّل إلى زعيم للكتاب والفنانين برئاسته لمجلس إدارة صندوق رعاية الأدباء والفنانين ثم نقيبا للسينمائيين ورئيسا لاتحاد النقابات الفنية ثم رئاسة اتحاد الكتاب ثم اتحاد الفنانين العرب..
وليس هناك فى تاريخ مصر أو العرب مثقف وطنى عمل بالسياسة والصحافة والأدب والمسرح والسينما والإدارة والتنظيمات النقابية سوى سعد الدين وهبة..
ولهذا أسميه زعيم الكتَّاب والفنانين!
وفى الأسبوع المقبل نواصل