الضياع فى دواوين غير مقروءة!
د.هانى حجاج
إذا سخر منك العصفور؛ فهل تقتله؟ بل إن السؤال الحقيقى هو: لماذا يسخر منك العصفور أصلاً؟!
الرواية أمريكية.. اسمها (أن تقتل العصفور الهازئ).. الأب المحامى فى رواية (هاربر لي) هذه يحذّر ولده من قتل العصفور.. العصفور صغير بريء.. لا يضر أحدًا.. ولا يريد منا سوى أن نتركه وشأنه يشدو ويزيد الكون جمالًا ومتعة.. إن قتل العصفور خطيئة فظيعة!.
(العصفور الهازئ).. هكذا تسميه المؤلفة فى روايتها التى تحولت فيما بعد إلى فيلم ظهر علينا فى أوائل الستينيات. والطائر الصغير هنا هو نوع من العصافير التى تعيش فى الولايات الجنوبية من (أمريكا).. هذا العصفور يحب التغريد.. ليس هذا ما يميزه.. بل إنه يحب أكثر أن يقوم بتقليد أساليب غناء الطيور الأخرى!! وبطريقة فيها الكثير من السخرية.

وكما أن الببغاء يقلد الكلمات التى نقولها أمامه.. فهذا العصفور هو ببغاء الطيور.. يقلد أصواتها ويحرّف شدوها فيظهر مضحكًا.. يحمل من أصل الغناء روحه وصوته وموسيقاه لكن يلقيه على آذاننا وأرواحنا هازئًا ساخرًا!!
وهكذا أصبح العصفور الهازئ رمزًا للبراءة والخير والسخرية اللاذعة!
وعندما عرض الفيلم وقتها فى مصر فإن الترجمة العربية التى ظهرت على الأفيش لم تكن دقيقة ولم توضح المعنى.. وكانت (مقتل الطائر الصغير).
إلا أن شاعرًا من أبناء جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية قد تناول هذا العنوان وأطلقه على أولى قصائد ديوانه (بعض هذا العقيق) وهو ثامن ديوان له، وأحد أربعة دواوين صدرت دفعة واحدة وكان السبب هو حركة النشر المتوترة فى هذا الوقت.
هذا الشاعر هو فتحى سعد الذى كان واحدًا من أولئك الذين لسعتهم نيران تغيير القوالب السياسية والثقافية ومشكلات البحث عن أساليب شعرية جديدة تناسب هذا التغيير.. (فتحى سعيد) هو عصفور.. هازئ!
يغلب على شعره الغناء وموسيقى الإيقاع وشيء من التهكم.. وهو يتخذ (العصفور الهازئ) لـ(هاربر لي) رمزًا للحب المسفوك الدم بيد المحبين:
.. فلم تدمع لنا عينان
ولم تسمع
لنا الذكرى ولا التذكار
وقبلناه قاب القبر لم ترعش لنا شفتان
ولم تخسف بنا الأرض ولم يعصف بنا إعصار
كأنا ما لثمناه.. وقبلناه
كأنا لم نكن.. أو كان !
جميلة هى كلمات القصيدة التى كانت مرثية للحب الموءود.. مثلما كانت رواية (هاربر لي) مرثية للبراءة المقتولة.. وبينما كانت (هاربر لي) عن نغمة الرثاء بعد ذلك.. فإن فتحى سعد لم يكف!!.

فالقصيدة الثانية فى الديوان.. (يوميات فى الخماسين).. تبكى الزمن والطموح الذى ضاع فى الهواء والهدف الذى صار وهمًا والحلم الذى أصبح سرابًا..
اقرأ القصيدة ولن تجد كلمة واحدة عن الخماسين.. فهل كتبها الشاعر فى وقت كانت تعصف هذه الريح الهائجة بأحلامه وأمانيه؟.
ربما.. إلا أن كل كلماتها تعبر عن آمال كبار تضيع فى الريح! وفى الديوان يرثى الشعر والحياة :
جمعت أوراقى / ورميت عن ساقى / قيدى / وأثقالى / ولثمت أطفالى / ونزلت فى صمت / فى صحبة الموت يرثى وفاء الأصدقاء فى قصيدة الحقراء.. خانوه ونسوا كل شيء عن معنى الصداقة الحقيقي..: عيونهم خضراء / بلقاء.. / رقطاء / رؤوسهم بقع جوفاء.. / قلوبهم ورد فى أغشية الأمعاء/ وجوههم لعنة / وقفازات سوداء.
يرثى الأرض نفسها .. يرثى قيود الحياة وهو يحلم بالتحرر منها.. .شهيدًا: من دمى .. /فأشربوا / بعض هذا العقيق / وأشهدوا / من دمى/ كان هذا العقيق!
فى (الريح والصمت) و(الوجه فى الأربعين) ينعى الوحدة ويأس الشيخوخة والصمت: حدقت فى المرآة /لست أنا الذى أراه /أوجهى القديم أنت؟/ صرخت/ لست أنا!/ حدقت فى كأسي/ وددت لو جرعت نفسي/ وددت لو أغفو/ يوماً فلا أصحو!
شعاع الأمل الوحيد ينبعث من حبه لولديه الذى يربطه بالحياة فى قصيدة (لولاكما): لولاك يا(عطاء)/ يا أجمل الأبناء/ أمرت حتفى/ يلقنى بلا إبطاء/ مكنت سهمه رمى / وأنت يا صغيرتى (وصال) يا أجمل الأطفال / يا طائران نما / لولاكما سلّمت جثتى حيَّا.
وهو ليس يائسًا تمامًا كما يبدو، نعرف ذلك فى قصيدته (الشعر مثواى الأخير): الشعر مثواى الأخير/ مظلتى من الهجير/ أتقى بها الهجير
من رحم الضياع والملل نشأت أضواء جديدة من انعكاس عقيق عتيق.
يقولون إن المتن الحكائى الفيبولا هو.. مجموعة المواقف والأحداث فى تتابعها الزمني.. أى المادة الأساسية للقصة فى مقابل الحبكة أو المبنى الحكائي.
يمكن.. إنى بدأت الكتابة بدون الارتكاز على فكرة أساسية- تقول القاصة الشابة أميرة الوكيل- ربما هذا خطأً وضد قواعد الكتابة، عن ماذا أتحدث؟! يمكن أنا لا أستطيع الكتابة من أصله، يمكن لا يكون هناك دافع أو حافز مهم لدخول اللعبة، لكنى فتاة وهى فتاة.. ونحب المغامرة واللعب.
لا تخشونها هى فقط فتاةُ.. لا تقولوا.. فتاة غريبة الأطوار كما فى الأفلام الأمريكية لأنها وقعت فى غرام فتاة أخرى، لا تراها إلا نادرًا، لا تعرف عنها الكثير، تلك الفتاة لا تغزل حكاية ميلودرامية.
فتاتى بسيطة، لكنها ليست عادية، بعد تعرفى عليها بستة أشهر، سافرت بعيدًا لمدة ما، لم نكن على علاقة وطيدة حينئذ، لكن يوم أن ركبت الطائرة صباحًا وجدت نفسى أبكى لبُعادها، على الرغم أنها فى الأساس بعيدة، ظنت هى مع الوقت أنى أبالغ لا أكثر. ربما خطرت كلماتها وهى تقول لي: أنا أحبك (تضحك) لا تخافي، لست ليسبين!
جرأة على الأصول.. أصول المجتمع وتقاليد الكتابة معًا!
لها قصة جميلة اسمها غزل الحكاية، عندما صمتت دنيا زاد.
تتعشق فيها الكلمات مع أبيات عامية مع لمحات فكرية وإنسانية، وتبدأها بأبيات شعرية: عندما كنتُ صغيرة../ أتلمسُ الأشياء دون تفرقة../ سخنًا وباردًا../ أتذوق الأشياء مرًا وحلوًا، أرددُ الكلام../العذب وغير الملائم، أجرى.
أقع. ثم أقف./أستندُ على أيادِ بجانبى قريبة، لا أعرفها، ولكن، أطمئن إليها./ فى عالم الاندهاشة الأول../ كل شيء يختلف./ يكون الوحشُ داخل أحشائك نائمًا، ديناصورًا يرقد غافلًا، لكن ثمة طفلا آخر داخلك / يموت، يذبلُ، يختنقُ، اللعنة عليك يا شيطانى النائم، كم أنتَ لذيذ ! / بذرت فى نفحات الأنوثة والنضج مبكرًا.. نفحات، /جعلت حتى صديقتي، /القوية والجريئة، /تبكى بمجرد أن رأت بقعة حمراء أسفل مريلتها الكحلي./حينها عَلمتُ أن طفلى لم يبق منه إلا شبحًا، /إلا ضحكاته، /صدى ضحكات،/ تاركًا شريطًا أحمر يدلنى عليه، /شريط يأخذ فى التقلص، /كلما تتبعته، /حتى صار خيطًا أحمر رفيعًا، /فى ظلام خانق، /يزداد الضحك /ويتماهى عالياً مع الصراخ.

هكذا تبدأ الحكاية، لتعبر عن شيء ما:.. شهريار فى قصره، يشعرُ بالغضبِ والمللِ معًا، آخر الفتيات، تزوجها هو وقتلها بنفسه، هنا وقع وزير الملك شهريار والد شهرزاد ودنيا زاد فى مأزق، الملك يريد ضحية أخرى، علمتْ شهرزاد بحيرة والدها، استفزتها ذكورية شهريار، قررت تحديه، لكن الوزير حذر ابنته، وحكى لها، حكاية الثور والحمار، عندما وجدها مصممة على الزواج من الملك، فهى الفتاة المتبقية الوحيدة.تلك.. حكاية الحمار والثور.
يُحكى.. أن كان ثمة تاجرٌ عليمٌ بلغاتِ الحيواناتِ والطيورِ، فى يوم ما، سمع الثورَ الذى يدور بالسواقى طيلة اليوم و يحرثها يحسدُ الحمار الذى وجده مستريحًا خالى البال والجهد إلا من العمل القليل، فتفضل الحمار ونصح الثور بتصنع المرض والإعياء، ممتنعًا عن الأكل، فلعب معهم التاجر لعبة هو الآخر.
عندما وجد الثور مريضًا فى اليوم التالي.. أخذ بدلًا منه الحمار لمدة يومين بليلتهما، تبدل الحال من المحال، حتى أن الحمار ضجر وندم على نصيحته للثور، الذى صار مرفهاً، فقال الحمار للثور: أحسن لك أن تستعيد نشاطك أمام التاجر، فقد سمعت أنهم ينوون ذبحك، لذا حينما لمح الثور فى اليوم التالى السواق من بعيد، برطع فى المكان بهمة ونشاط، فضحك التاجر الذى تجاوز مائة وعشرين عامًا، إلا أن زوجته استثيرت من ضحكه وأصرت على معرفة السبب.
جمع التاجر كافة أهل البلدة وأولاده وكذلك القاضي، مشيرًا إلى أنه إذا باح بالسر سوف يموت، لكن زوجته لم تكترث ولم تتراجع عن مطلبها، وقبل أن يتفوه التاجر بأى كلمة، سمع الكلب يحكى الحكاية للديك، ويوبخه على مزاجه الحسن وعدم اهتمامه، فى حين مالكهما سوف يموت بمجرد أن يروى حكاية الثور والحمار لزوجته. فقال الديك.. أنا لى عشرات الزوجات وأسيطر عليهن، وسيدنا له زوجه واحدة، لو كنتُ مكانه لأخذت عصا من التوت، وضربت به زوجتنا حتى تكف عن فعلتها.. بعد نصيحة الديك قام التاجر وضرب زوجته فى الخزانة، حتى تراجعت عن فعلتها.
الغريب والمضحك أن الوزير حكى تلك الحكاية الخرافية فقط ليقول لابنته شهرزاد أستطيع أن أحبسك وأضربك، لو تمسكت برأيك واستمررت فى عنادك.
يبدو أنه جزء أصيل من المرأة.. العند.. وهو سر جمالها أيضًا.. «حينما تفعل المرأة شيئًا تحس به عنيدًا، مستعصيًا، مجهدًا، محفوفًا بالمخاطر، يجعلها تبذل قصارى جهدها وتغالب نفسها وتنجح، قد يكون شيئاً جميلاً وقد لا يكون، لكنها فعلته، خلقت شيئاً ما، شخصًا ما، فنًا، معركة، لحظة.. صنعت حياتها».. كلاريسا بنكولا.
التاجر الكبير عجز عن الحل، فى حين وجده لدى كائن ضئيل ودون قصد.
قالها الديك بخفة دم وبساطة، يمكن لهذا يقال على شخص ما، «ذكى وذو مكانة وسط الناس فى الأمثال والتعبيرات الشعبية.. ديك البرابر».
كما يُلاحظ قدرته الشديدة على التخصيب، فهو لديه زوجات كثيرات. أيمكن يكون هذا الديك، هو شهريار ذاته، زوجاته كثيرات، ويقتلهن، قهرًا وسلطةً، وشهرزاد، أرادت أن تهزم نصيحة الديك وصورته فى حكاية والدها، لذا أصرت وقررت الذهاب، وطلبت من أختها/ دنيازاد أنها سوف تترجى الملك أن يجعلها ترى أختها قبل موتها لتودعها.
لكن دنيازاد سوف تطلب من الملك، أن تحكى شهرزاد لهما حكاية قبل ذبحها.وبالفعل كانت.. فى الحكاية الأولى. دنيازاد لم يكن لها دور بعد ذلك، لكن لها جزيل الشكر، لو لم تكن دنيا زاد موجودة، لكان تحول الأمر إلى سخرية، لما استطاعت شهرزاد أن تقنع شهريار يحكى حدوتة واحدة، وكان سوف لا يتردد فى ذبحها، ويجرها مسرور من طرحتها المدلاة على الأرض، وهى تصرخ مترجية الملك. وقبل ذبحها واختفاء الليالى الألف الأسطورية، كانت شهرزاد سوف تخطر ببالها سريعًا حكاية الثور والحمار الذى حكاها والدها، وتسترجع لمّ حكاها من الأساس، وما مناسبتها، ثم تصل إلى أن التاجر هو الذى تعلم من الحدوتة، وليس الحمار ولا الثور، وأن لولا الديك ونصيحته غير المقصودة، لكان التاجر مات بعدما حكى حدوته.
على نفس النهج، سوف تتخيل شهرزادـ والسيف على بعد سنتيمترات من رقبتها إنه لو كان هناك أخت أو شخص آخر فى الحياة، لكانت محتفظة بحياتها، وسردت حكاياتها الألف، ولو لم تكن هناك دنيا، لما كانت تلك الحكايات تسرد الآن.
تقول أميرة الوكيل: ما يبقى فى الذهن من مادة اللغة العربية؟ التى لم أكن أحب أساتذتها ولا المادة ذاتها شيئًا وحيدًا، إنه يحكى فى أحد القصائد، أن شاعرًا ربما رأى شهبًا يلمعُ فى السماءِ، فأخذه الوحى الزائف، وجرى خلفه حتى وجده سرابًا، وما أن مسك به، فسقط من فوق الجبل.
لا يهمنى دقة الحدوتة، حتى لو سردتها خطأ، وأضفت إليها تفاصيل مقحمة، لكن هذا ما بقى فى الذهن، مثل شهب الشاعر، ولماذا لا يكون هذا الشاعر الساذج سحبته الشهب عاليًا ولم يسقط كما قيل، أو تحول هو الآخر إلى شهاب، وطار ليغوى شاعرًا آخر!
لأهون الوقت عليّ، أيام الدراسة وامتحاناتها السخيفة، تصنعت حيلة صغيرة، آخذ منديلاً من علبة والدتى دون علمها، أنثر عليه المياه، وأتركه ينشف على مروحتنا الحمراء، ولمّا يجف ويكون صالحاً للكتابة، أكتبُ عليه شيئاً مميزاً يخصني.. أكتبُ التاريخ الذى سوف أعود إليه يوماً، هو يوم انتهاء الامتحانات وبداية الأجازة، أضعُ المنديل مطوياً فى علبة سبوع صغير ذهبي، لمولود لا أعرفه عادة.. لكن غالباً بعد الامتحانات، تبدأ الإجازة وتنتهى هى الأخرى، وأنسى المنديل ومكانه، ومع كل سنة دراسية جديدة، أبحثُ عن مولودِ حديثِ، وعلبة جديدة.
ما يعنيناـ الآن. هو قول كلاريسا بنكولا.. ألا نفتتن كثيرًا أو قليلًا ولا نسخر منه أيضًا.. لذا تنصح ـ كلاريساـ بالبحث عن لالوباـ التى هى أنثى الذئب/ ذئبة كابيتولينيا.
وهى أيضاً تصور امرأة عجوز تجمع العظام المعرضة للضياع وتحافظ عليها.تطمئنك كلاريسا.. «لو فقدتِ شيئاً، اذهبى إلى لالوبا/ المرآة الوحشية داخلك وتحدثى معها، وإن كانت نصيحتها قاسية، هى تحتفظ لك بالأشلاء الميتة خاصتك.. أنها سوف تعرف دائماً، ما هو آت، وإذا فقدت الطريق إلى تلك الموهبة، فباستطاعتها استدراك الأمر ببعض المعالجات النفسية».. .أنظر ما كتبته نوال الغانم فى سماء أخرى:
الطيور تخرج من
ورق الجدران،
المزهريات
تجهض
أكاليل الزهور وتغرق فى هواء متعفن،
بيوت فارغة وشوارع تزدحم بالفراغات،
ما من مفرٍ، ليس هناك سماء أخرى.
نوال الغانم عانت ممن لا ينشرون وممن لا يقرؤون وهى – وقت كتابة هذه السطور، مهاجرة فى أستراليا تعيش للشعر والفن التشكيلي، ومن مواضع متفرقة من ديوانها كتبت تقول:
بتحولٍ عجيبٍ رأيت القصيدة فراشة، / هل أنا أحلم ؟ / لا أدرى، أهذه التى تحط على سياج الوردة / فراشة أم قصيدة ؟.
أيتها الزهرة، / أملأُ الكأس بالموسيقى وأقدمها لكِ، / انتبهي، إذا ما سقطت يتبلل الغيم./الفراشات يبتكرنكِ امرأة تليق بالحديقة، / لذلك يقضيّنَ النهار كله، بحشو وسادتك بالظل والعصافير./ هذه مرآة، مجوفة يخرج من قعرها / صدى الأقلام الشاتمة، / ماذا تفعل الغيوم أكثر من أن تغرق فى إنصاتها / وهى تسمَعُ النهر / يروى قصة استباحته.
أيقونتى نقطة حبرٍ/ أسوى من جلدها خيمة لسمائى / وأجلس تحتها./ الريح تعالج القفل/ تريد أن تفتح باب الغيمة/ لتسوق أيائل الأمطار بعصاها./ لا تفتح الباب ما من أحدٍ / هذه عاصفة، تريد أن تُقَطعَ أزرار قميص السماء./ يفر طير الحجر من يدى ويحط على الورقة/ أكسوه بالكلام / لأروض فى دمه التمرد.
فى المرآة فراشة تطير/ تحاول أن تروض النار بجناحيها /سماء تربت على كتف غيمة، لا تخافى/ بعد قليل سنصل الحقل.
تقول وردة: ما أروع الوسادة المليئة بالمطر/ وردة أخرى قالت: /ما أروع اليوم المليء بالفراشات./ أقول: ما أجمل النافذة التى تبتكر العصافير وتطيرها /ما أجمل اليد التى تبتكر الإنسان.
كتبت الشاعرة عبير عبد العزيز قصيدة أطلقت عليها اسم مشنقة فى فيلم كرتون (لاحظ العنوان!): الخريطة/ خيوط من التريكو /شدت بإحكام /بعقد كثيرة /على أكوام كبيرة /من الإبر المثنية.
حتى الشهوة الشهيرة فى السبعينيات التى اشتهرت بأيقونة الأنثى، ماتت فيها الرغبة، وأقرأ كلمات مكى الربيعي: سـمـاء فـارغـة، /تـمـرقُ الـريح مـن ثـقـوبها، /انظر: /الـسـواد ُيـنـدسُ بـيـن فـخـذى الـمـعـنـى./تـتـخـشـبُ الـكـلـمـة./لـم يـبـق مـنـهـا. سـوى جـلـدٍ لاصـق /عـلـى عـظـمٍ هـشْ./أتـسـمـع ُ؟ /كـلـمـا تـُحـرك الـحـبـرَ تـتـأوهُ الـقـصـيـدة.
كـلـمـا تـُحـرك الـحـبـرَ تـتـأوهُ الـقـصـيـدة!