تنوع تاريخى تحت «القبة»
يكشف التفاصيل: إبراهيم جاب الله
بعد ماراثون تاريخى فى انتخابات مجلس النواب، عادت الحياة النيابية بكل ما فيها من كواليس ومناقشات تحت القبة، لنشهد مرحلة جديدة لا تتمثل فقط فى الانتقال لمقر المجلس بالعاصمة الجديدة؛ بل ستكون الفترة المقبلة شاهدة على برلمان مختلف بكل تفاصيله.
وبإعلان الهيئة الوطنية للانتخابات نتيجة جولة الإعادة فى 27 دائرة السبت الماضى والتى كانت الجولة الأخيرة والحاسمة بالانتخابات، اتضحت الخريطة السياسية فى مجلس النواب الجديد ليحصل حزب مستقبل وطن وعدد من أحزاب «القائمة الوطنية من أجل مصر» على غالبية المقاعد، مع وجود كتلة كبيرة للمستقلين والمعارضة بما يعكس تنوعًا تاريخيًا تحت القبة بعد عدة سنوات سيطرت فيها أحزاب «الموالاة» على العمل البرلمانى.
الخريطة السياسية الجديدة كشفت عن تفاصيلها الهيئة العامة للاستعلامات فى دراسة إحصائية لها أبرزت دلالات رقمية مهمة، تعطى مؤشرات أولية حول أداء مجلس النواب الجديد، وهى الدراسة التى أشارت إلى حصول 8 أحزاب معارضة على 53 مقعدًا بما يقارب %10 من الأعضاء المنتخبين بالمجلس، نصف عدد هذه الأحزاب المعارضة من المنتمية للحركة المدنية الديمقراطية بعدد 32 مقعدا تمثل %60 من إجمالى مقاعد أحزاب المعارضة، فيما توزعت المقاعد بين أحزاب المعارضة على نحو 11 مقعدًا للحزب المصرى الديمقراطى ومثلها لحزب العدل وكذلك 9 مقاعد لحزب الإصلاح والتنمية ويتساوى معه فى ذلك حزب الوفد، 6 مقاعد لحزب النور، 5 مقاعد لحزب التجمع، ومقعد واحد لحزبى المحافظين والوعى.
وطبقًا للدراسة يبلغ إجمالى المقاعد التى خسرتها أحزاب «القائمة الوطنية من أجل مصر» فى الانتخابات على المقاعد الفردية لصالح المستقلين حوالى 82 مقعدًا، فيما يبلغ إجمالى عدد مقاعد المستقلين 105 مقاعد بنسبة تزيد على %18 من الأعضاء المنتخبين بالمجلس، وأشارت إلى أنه بذلك يبلغ إجمالى عدد مقاعد أحزاب المعارضة والمستقلين 158 مقعدًا وهؤلاء يمثلون %28 من الأعضاء المنتخبين بالمجلس وبالتالى يضم مجلس النواب الجديد 15 حزبًا سياسيًا منها 8 أحزاب من المعارضة و7 أحزاب من المؤيدة.

تنوع برلمانى
وتكشف هذه الأرقام عن تشكيل البرلمان الجديد، حيث يدخل مجلس النواب فى مرحلة صعبة وقوية بتشكيلة سياسية هى الأكثر تنوعًا فى العقد الأخير بوجود كتلة قوية من المستقلين الأمر الذى يفتح الباب أمام نقاشات برلمانية أكثر ثراءً وتوازنًا تحت القبة، فيما يواصل حزب مستقبل وطن قيادة المشهد البرلمانى مع وجود دعم من تحالفات قوية من الأحزاب التى شكلت القائمة الوطنية من أجل مصر ويحتفظ حزب مستقبل وطن بنصيب الأسد من المقاعد بأكثر من %33 من إجمالى المقاعد، ما يجعله القوة التصويتية الأولى والمؤثرة فى مجلس النواب والمسئول عن تشكيل الهيئة البرلمانية للأغلبية، يشاركه فى القوة داخل المجلس أحزاب التحالف وهى حماة الوطن والشعب الجمهورى والجبهة الوطنية وحصدت الأحزاب الأربعة الكبرى ما يقرب من 404 مقاعد بما يعادل ثلثى المجلس.
وأمام هذه الأحزاب المؤيدة أفرزت الانتخابات كتلة قوية من المعارضة البرلمانية لتكون صوتًا مختلفًا، حيث شهد البرلمان الجديد صعودًا لأحزاب المعارضة سواء المعارضة الوسطية وتمثلها أحزاب الوفد والمصرى الديمقراطى الاجتماعى وحزب العدل وهذه الكتلة تتبنى منهج المعارضة التى تركز على ملفات الحماية الاجتماعية والحقوق والحريات، كما يزيد هذا التنوع تحت القبة وجود أحزاب يسارية وليبرالية مما يضمن وجود وجهات نظر مختلفة فى الجلسات العامة واللجان النوعية التى ستكون أمامها أجندة متنوعة بها العديد من القضايا والملفات الجماهيرية سواء فى الاقتصاد والسياسة وقضايا الحماية الاجتماعية.
ويساعد فى تنوع القضايا تحت قبة البرلمان وجود كتلة المستقلين التى تسعى لكسب ثقة من انتخبوهم فى دوائرهم بما يثرى المناقشات ويجعل مواقف هؤلاء لها تأثير كبير فى القضايا التى تهم المواطنين فى المحافظات، فضلا عن التنوع الآخر الذى يفرضه وجود شخصيات قوية من المعينين من قبل رئيس الجمهورية وهم أصحاب خبرات من مختلف التخصصات وعددهم 28 نائبًا، وبهذا التشكيل ينتهى عصر الحزب الواحد حيث سيحتاج حزب مستقبل وطن إلى التنسيق مع الأحزاب الأخرى لتمرير القوانين التى تتطلب ثلثى الأصوات لكن المؤشرات تشير إلى تنسيق كامل فيما بين هذه الأحزاب خاصة أنها شكلت تحالفًا واحدًا فى الانتخابات.
الجلسة الافتتاحية
فى الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب، التى عقِدت أمس، والمجلة ماثلة للطبع، ومع الحديث عن القواعد المنظمة لإدارتها والقواعد الإجرائية التى تتم قبل انتخاب رئيس المجلس والوكيلين، تنص اللائحة على أن أكبر الأعضاء سنًا يتولى رئاسة الجلسة الافتتاحية ويعاونه أصغر عضوين سنًا ويتم خلال الجلسة فتح باب الترشح لانتخاب رئيس مجلس النواب، يعقبها مباشرة اختيار وكيلى المجلس، وتجرى عملية الانتخاب بين المرشحين ليتم اختيار الفائز بمنصب رئيس المجلس من يحصل على أكثر من %50 من إجمالى الأصوات الصحيحة.
ويأتى اسم الدكتورة عبلة الهوارى كأكبر الأعضاء سنًا بين المرشحين، فهى من مواليد عام 1947 بما يؤهلها لتكون هى من تدير الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب، لتكرر تجربة المجلس السابق التى ترأست الجلسة الافتتاحية به امرأة وهى الصحفية النائبة فريدة الشوباشى بوصفها أكبر الأعضاء سنًا حيث كانت تبلغ وقتا 83 عامًا وكانت تعد أول سيدة فى تاريخ الحياة النيابية تترأس جلسة من جلسات مجلس النواب.
وأمام هذه الخريطة الجديدة اشتعل الصراع على قيادة البرلمان الجديد ورئاسة اللجان النوعية والوكيلين وأمين السر داخل كل لجنة نوعية، وكشفت مصادر فى «القائمة الوطنية من أجل مصر» عن اجتماعات الساعات الأخيرة للاتفاق على التنسيق فيما بين الأحزاب لتوزيع نوابهم على اللجان النوعية وحسم أسماء المرشحين لرئاسة اللجان بهدف التكتل وراء هؤلاء عند إعلان ترشحهم رسميًا لضمان فوزهم بالمقعد، بجانب الاتفاق على أجندة العمل خلال المرحلة المقبلة.
وطبقا للمصادر: مع التغير الكبير فى تاريخ الحياة السياسية والنيابية عقدت الأحزاب التى حصدت الأكثرية داخل البرلمان اجتماعات مع نوابها الفائزين بمجلس النواب والشيوخ لدعم من يترشحون لرئاسة اللجان النوعية وتم خلال هذه الاجتماعات مراعاة حصول كتل المعارضة والمستقلين على مقاعد فى منصب الوكيلين وأمين السر داخل اللجان النوعية بجانب رئاسة اللجان، بما يضمن تشكيلًا متوازنًا يعكس شكل الخريطة السياسية المتنوعة فى المجلس، لكن أغلب رؤساء اللجان سيكونون من بين أحزاب التحالف.
رئيس البرلمان
أما على مستوى رئاسة مجلس النواب خلال الفصل التشريعى المقبل يأتى المستشار محمد عيد محجوب رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى السابق كأبرز المرشحين ليكون رئيسًا للمجلس الجديد خلفًا للمستشار حنفى جبالى.
ويأتى طرح اسم المستشار محجوب، الذى فاز بالانتخابات ضمن القائمة الوطنية، لما يتمتع به من خلفية قانونية ودستورية رفيعة، مما يضمن استمرار النهج القانونى الرصين الذى يميز عمل المجلس، حيث شغل محجوب منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاء سابقًا ورئيس محكمة النقض الأسبق كما شغل منصب مساعد أول لوزير العدل منذ يوليو 2017، وكان عضو اللجنة العليا للإصلاح التشريعى عام 2014، وعمل أمينًا عامًا لمجلس القضاء الأعلى عام 2012 كما شغل منصب أمانة لجنة الأحزاب السياسية فى 2011.
وينافسه بقوة على منصب رئيس المجلس المستشار هشام بدوى أحد الشخصيات القانونية القوية فى الوسط القضائى والرقابى وشغل منصب رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات السابق فى الفترة من 2016 وحتى 2024، فهو صاحب خبرة كبيرة فى العمل الرقابى وتدرج فى المناصب القضائية حتى وصل إلى منصب رئيس بمحكمة استئناف القاهرة، ثم مساعد وزير العدل لمكافحة الفساد حتى عام 2015 وبعدها تولى منصبه فى رئاسة الجهاز المركزى للمحاسبات، كما شارك فى لجنتى تعديل قانون العقوبات المصرى وقانون الإرهاب, قبل أن يتم تعيينه بالنواب ضمن الحصة المقررة لرئيس الجمهورية.

فى الوقت ذاته تجرى الكثير من اللقاءات والتفاهمات بين الأحزاب والقوى السياسية الكبرى إلى جانب النواب المستقلين فيما يخص منصب وكيلى مجلس النواب، حيث يطالب البعض بتجديد الثقة فى المستشار أحمد سعد الدين كوكيل أول للمجلس فى ظل خبرته الطويلة فى إدارة الجلسات البرلمانية، فيما يطالب آخرون بترشيح الدكتور عاصم الجزار وزير الإسكان السابق لمنصب الوكيل الثانى بدلا من رجل الأعمال محمد أبوالعينين الذى شغل نفس المنصب فى البرلمان السابق فيما تطرح قوى أخرى اسم المستشار علاء فؤاد وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية سابقًا.
فى سياق آخر، زادت التكهنات بإجراء تعديل وزارى للحكومة التى يرأسها مصطفى مدبولى، خلال الفترة المقبلة، وفى القانون لا توجد نصوص دستورية أو قانونية تقضى بتغيير الحكومة مع تشكيل المجلس الجديد، لكن المادة 146 من الدستور تلزم رئيس الوزراء بعرض برنامجه على مجلس النواب فإذا لم يحصل على ثقة أغلبية أعضاء المجلس خلال 30 يومًا على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا جديدًا للوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد البرلمان.
وفى تصريحات سابقة قال المستشار محمود فوزى وزير الشئون النيابية والتواصل السياسى إن مسألة إجراء تعديل وزارى أو تغيير الحكومة لا تخضع لنصوص دستورية أو أعراف ملزمة لكن هذا الإجراء يدخل فى نطاق السلطة التقديرية المطلقة لرئيس الجمهورية وفقا لما يراه محققًا للصالح العام فى ضوء الأوضاع الداخلية والخارجية.
فيما ظهرت أصوات أخرى لها ممثلون تحت القبة تدعو للتجديد لحكومة مدبولى ومنحها فرصة أخرى لمواصلة العمل وإنجاز المشروعات الحالية خاصة أن هذه الحكومة عملت فى ظروف صعبة فرضتها الأوضاع الإقليمية والدولية.