الأربعاء 14 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
لمـــــاذا سقط مادورو.. الآن؟!

لعبة أمريكية فى الحديقة الخلفية

لمـــــاذا سقط مادورو.. الآن؟!

فى الثالث من يناير استيقظ العالم على حدث هز توازنات السياسة الدولية.



كان قد نفذت القوات الخاصة الأمريكية عملية عسكرية داخل العاصمة الفنزويلية كاراكاس انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس.

الخبر جاء صادمًا فى توقيته وحجمه ودلالاته، تجاوز كونه إجراءً قانونيًا عابرًا، إلى كونه لحظة كاشفة لمسار طويل من الصراع الجيوسياسى والاقتصادى.

العملية التى وصفها الرئيس الأمريكى بالمعقدة والرائعة عكست تحولًا جذريًا فى طريقة تعاطى واشنطن مع خصومها فى نصف الكرة الغربي.

 

 

وكشفت عن دوافع عميقة تتجاوز الخطاب القانونى المعلن إلى حسابات النفوذ والطاقة والهيمنة الإقليمية.

المدخل لهذا التحرك، هو إعادة واشنطن تقديم مادورو من رئيس دولة إلى متهم جنائى فى قضايا إرهاب مرتبط بالمخدرات.

 

منذ عام 2020 وضعت وزارة العدل الأمريكية مادورو فى صدارة ما يعرف بكارتل الشمس، وهو توصيف يربط بين دوائر الحكم فى فنزويلا وشبكات تهريب الكوكايين بالتنسيق مع جماعات مسلحة فى كولومبيا.

الاتهامات صورت الرجل بوصفه خطرًا مباشرًا على الأمن القومى الأمريكى، مع تقديم مكافآت مالية ضخمة مقابل معلومات تقود إلى اعتقاله، وإصدار مذكرات توقيف من محاكم فيدرالية بنيويورك.

هذا المسار الذى يريد أن يظهر كمسار قانونى سمح بسحب الغطاء الدبلوماسى عن النظام عبر اعتباره كيانًا غير شرعى متورطًا فى جريمة منظمة عابرة للحدود، وهو ما أتاح لواشنطن تبرير التدخل أمام الرأى العام الدولى بوصفه إنفاذًا للقانون لا انتهاكًا للسيادة.

تحويل الصراع من سياسى إلى جنائى منح الإدارة الأمريكية مساحة حركة واسعة بعيدًا عن تعقيدات مجلس الأمن والفيتو المتوقع من موسكو وبكين.

من هذا المنطلق قدمت فنزويلا كدولة فاشلة تحولت إلى منصة لتهديدات أمنية عابرة للحدود، مع ربط نظام مادورو بعلاقات مع جماعات مصنفة إرهابية وشبكات غسل أموال.

هذا البناء أثار جدلًا واسعًا فى الأوساط الدولية، خصوصًا أنه لا يوفر الغطاء اللازم لعملية عسكرية خاطفة حسمت المشهد خلال ساعات.

خلف هذا الغطاء ظهر الدافع الجيوسياسى بوضوح.

شكلت فنزويلا خلال السنوات الماضية نقطة ارتكاز للنفوذ الروسى والصينى والإيرانى فى أمريكا اللاتينية.

الدعم العسكرى الروسى  والاستثمارات الصينية والتعاون الأمنى مع طهران حولت البلاد إلى تحد مباشر للهيمنة الأمريكية فى محيط تعتبره واشنطن مجالها الحيوى.

اعتقال مادورو حمل رسالة صريحة مفادها عودة العمل بعقيدة مونرو بروح أكثر صرامة، مع تأكيد أن وجود قوى كبرى منافسة فى القارة لن يمر دون رد.

الرسالة كانت موجهة إلى موسكو وبكين قبل غيرهما، لتحديد حدود النفوذ المسموح به فى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.

البعد الاقتصادى شكل ركنًا أساسيًا فى دوافع التحرك.

ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطى نفطى مؤكد فى العالم، وقد ظل هذا المورد خلال سنوات أداة بيد النظام لشراء الولاءات الداخلية وسداد ديون ثقيلة للصين وروسيا.

تصريحات ترامب عقب العملية عكست رؤية ترى فى فنزويلا فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب سوق الطاقة العالمية.

فتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية الكبرى يعنى تقليص نفوذ أوبك، وتأمين مصدر طاقة قريب ومستقر، وتجفيف موارد كانت تصب فى صالح خصوم واشنطن. من هذا المنظور بدا الاعتقال تمهيدًا لإعادة هيكلة شاملة للاقتصاد الفنزويلى وفق قواعد السوق الغربية.

تفاصيل العملية العسكرية أظهرت مستوى عاليًا من التخطيط والدقة، حيث شاركت وحدات نخبة مدعومة بغطاء جوى متطور وتقنيات  استخباراتية متقدمة. الاقتحام السريع لمقر إقامة مادورو وتحييد الحرس الرئاسى خلال دقائق عكس رغبة أمريكية فى استعراض التفوق التكنولوجى وإيصال رسالة أن التحصينات لا توفر ملاذًا آمنًا أمام الإرادة الأمريكية. نقل المعتقلين فورًا إلى حاملة طائرات فى المياه الدولية أغلق الباب أمام أى تحرك داخلى مضاد، مؤكدًا أن القرار كان محسوبًا حتى آخر تفصيل.

 

 

 

على الصعيد الداخلى الأمريكى جاء التوقيت مناسبًا لإدارة ترامب الساعية إلى تثبيت صورة الزعيم الحاسم.

العملية منحت الرئيس نصرًا خارجيًا سريعًا يعزز خطابه القائم على الحزم ومواجهة الاشتراكية فى القارة الأمريكية، ويكسبه دعمًا فى أوساط الجاليات اللاتينية المناهضة للأنظمة اليسارية. كما ساهم الحدث فى توحيد الرأى العام حول إنجاز عسكرى ناجح، فى لحظة كانت تتطلب صرف الانتباه عن ملفات داخلية شائكة.

هذا التحول جاء بعد قناعة بفشل سياسة الضغط الأقصى التى اعتمدت على العقوبات والعزلة الدبلوماسية ودعم معارضة منقسمة.

صمود مادورو بدعم أمنى واستخباراتى خارجى دفع واشنطن إلى خيار الحل الجراحى السريع  لقطع رأس النظام وتفادى سيناريو استنزاف طويل.

الرهان كان على أن غياب الشخصية المركزية سيؤدى إلى تفكك سريع فى بنية السلطة.

ردود الفعل الدولية كشفت انقسامًا حادًا، حيث رحبت بعض الحكومات اللاتينية بالخطوة باعتبارها نهاية لمرحلة من الفوضى، بينما اعتبرت روسيا والصين ما جرى انتهاكًا صارخًا للقانون الدولى وتهديدًا لمصالحهما.

داخل فنزويلا انقسم الشارع بين من رأى فى مادورو رمزًا للسيادة، ومن اعتبر الاعتقال فرصة أخيرة للخلاص من أزمة خانقة، مع مخاوف حقيقية من وصاية خارجية.

الدافع الأمريكى امتد أيضًا إلى إحداث تأثير متسلسل فى المنطقة عبر إضعاف شبكات الدعم التى كانت تمول أنظمة يسارية حليفة فى كوبا ونيكاراجوا وبوليفيا.

 

 

 

إسقاط مادورو يعنى تجفيف منابع النفط والدعم المالى، وتعزيز موقع الحكومات المتحالفة مع واشنطن، وتهيئة بيئة إقليمية أكثر انسجامًا مع السياسات الأمريكية فى ملفات التجارة والأمن والهجرة.

مستقبل فنزويلا بات معلقًا بين وعود انتقال ديمقراطى واحتمالات إدارة خارجية غير مباشرة.

واشنطن تسعى إلى ضمان نظام جديد منسجم مع مصالحها الاقتصادية والأمنية، مع إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية لمنع عودة النموذج السابق.

هذا التوجه يثير تساؤلات حول حدود السيادة ومستقبل القرار الوطنى فى بلد أنهكته الأزمات.

فى المحصلة يعكس اعتقال نيكولاس مادورو تداخلًا معقدًا بين العدالة الجنائية والمصالح الاستراتيجية وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية.

الحدث يشكل علامة فارقة فى تاريخ العلاقات الدولية الحديثة، حيث تتراجع الاعتبارات التقليدية للسيادة أمام منطق القوة والمصلحة.

يبقى الحكم النهائى رهنًا بما ستؤول إليه الأوضاع فى فنزويلا، بين أفق استقرار وازدهار محتمل، أو استمرار صراع تتقاطع فيه أطماع القوى الكبرى على حساب شعب يبحث عن مستقبل.