عندما تحدث «محفوظ» عن كواليس ترشيحه لنوبل
منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
بعد مرور عشر سنوات على فوز كاتبنا الجليل نجيب محفوظ بجائزة نوبل..
فوجئت بإحدى الصحف اليومية العربية الصادرة فى لندن تنشر مقالًا لكاتب إسرائيلى مقيم فى بريطانيا يقول فيه إنه هو من رشح نجيب محفوظ للجائزة!
ولأننى فى لندن، ولأن كاتبنا القدير فى القاهرة.. ولأنه كان قد بدأ يعانى من ضعف فى حاسة السمع، فلم يكن ممكنًا أن أجرى معه بنفسى، عبر التليفون، حديثًا يرد فيه على هذا الادعاء الذى رأيت أنه لا يمكن وصفه إلا بالسخيف.. ولأننى فى ذلك الوقت سنة 1998 كنت مدير التحرير لمجلة عربية أسبوعية تصدر من لندن وتوزع فى الوطن العربى وحول العالم، هى «المشاهد السياسى» فقد طلبت من صديقى يوسف القعيد، أحد مراسلينا فى القاهرة، أن يقوم هو بلقاء نجيب محفوظ فى حديث صحفى ننشره فى المجلة ردًا على ما قاله الكاتب الإسرائيلى.
وقد كان اختيار يوسف القعيد موفقًا لأنه على صلة شبه يومية بصاحب نوبل.. ما ترتب عليه الحصول على ما يعتبر بالمقاييس الصحفية الصحيحة «خبطة صحفية»..
ورغم مضى 27 سنة على نشر هذا الحديث «الخبطة» فقد احتفظت به لأنه كما سيلاحظ القارئ ينطوى على جوانب مهمة تتعلق بعمل نجيب محفوظ وآرائه وطقوسه.
ولعله من المناسب ونحن نحتفل بالذكرى الـ114 لميلاد كاتبنا مؤسس فن الرواية العربية الحديثة وبانى عمارتها وراعى أجيالها، أن نقرأ معًا ما قاله، وهذا نص الحديث:

■ سألت نجيب محفوظ: هذه الأيام تمر عشر سنوات على حصولك على نوبل، ولهذا يكثر الكلام عن الذين رشحوك لهذه الجائزة .. جريدة «الشرق الأوسط» التى تصدر من لندن نشرت لباحث إسرائيلى هو «لمامى شفيتل» مقالًا قال فيه إنه هو الذى رشحك لنوبل، وردت عليه الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسى بمقال ادعت فيه أنها رشحتك من خلال الباحث الأمريكى «روجر آلان».. ثم إن مستشرقًا إيطاليًا جاء لزيارتك الأسبوع الماضى قال لك إنه رشحك للجائزة قبل حصولك عليها بسنوات.
أجاب: لقد قلت من قبل إن النجاح له أكثر من أب، كل واحد يدعى أنه والد النجاح، ولكن الفشل يتهرّب منه الجميع، الآن من الطبيعى أن يتصوّر الجميع أنه لعب دورًا فى ترشيحى لنوبل.
أضاف: «وعمومًا كلام الباحث الإسرائيلى الذى يقيم فى لندن ليس جديدًا. فبعد حصولى على نوبل أصدرت السفارة المصرية فى لندن كتابًا عن الموضوع فيه صورة من خطاب الناقد الإسرائيلى، مصورة مع خطابى إليه. وقد كان دورى فى هذه المسألة أن إنسانًا أرسل إلى خطابًا يقول لى فيه إنه رشحنى لنوبل. ولم أكن أعرف أنه إسرائيلي». وقمت بالرد عليه قائلًا: ألف شكر على هذا الترشيح.
وإن كنت أعتقد أن الذين رشحونى لنوبل، ضمن آخرين، هم نقاد الأدب الفرنسى.. المدرسة الفرنسية من أهل الاستشراق ودراسة الأدب العربى، لأنهم أكثر تأثيرًا فى أصحاب القرار.
وقال: «عموما هناك مرحلة زمنية تعلن بعدها كل وثائق نوبل، وسنعرف، إن كنا على قيد الحياة، وسيعرف الآخرون، إن كنا قد رحلنا عنها. القصة الحقيقية لترشيحى لنوبل، لكن المؤكد والذى أقوله وضميرى أكثر من مستريح، أن الإسرائيليين ليس لهم دور فى ترشيحى لجائزة نوبل أبدًا، وهذا الكلام ثابت ومؤكد وأنا أقوله بضمير مستريح. ومهما كانت لهم من الادعاءات فهى غير حقيقية وغير دقيقة».
وأضاف: المشكلة تأتى من أن الكثيرين لهم حق الترشيح لنوبل، ولكن الكثير من هذه الترشيحات لا يتم تصعيدها أبدًا. وقد تستبعد من التصفيات الأولى. وهناك أكثر من قائمة، ولذلك كثر الذين قالوا إنهم رشحونى لنوبل. وكل من قال لى ذلك شكرته. وهل أملك أن أفعل معه غير هذا؟
لكن التصفيات تستبعد الكثير من هذه الترشيحات، والترشيح لا يعنى أنه كان السبب فى حصولى على نوبل، المسألة أكبر من هذا.

■ قلت من قبل إن هناك كاتبًا من صحيفة «الأخبار» المصرية تنبأ لك بالحصول على نوبل؟
- إنه لم يتنبأ فقط، لقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، كان يكتب أخبار نوبل، وكأنه عضو اللجنة العليا للجائزة.
كان يقول مثلا - وكل هذه أخبار- أننى أصبحت فى قائمة المئة مرشح. ثم يعود بعد شهر ليكتب إننى أصبحت فى قائمة الثلاثين .. هكذا، كنت فى حالة من الذهول من هذه الدقة فى التفاؤل.
■ من هو هذا الكاتب؟
- صدقنى إن قلت لك إننى لا أذكر اسمه أبدًا. ضاع هذا الاسم من ذاكرتى.
■ ولكنك كنت تتابع ما يكتبه؟
- بصورة مستمرة. خاصة أنه كان يكتب من أرض الثقة المطلقة. كان يتكلّم من داخل أروقة الجائزة. ولا بد وأن أعترف أن هذه الكتابة قد سببت لى «دوشة».
■ لماذا لم تحاول الاتصال به؟
- أنت تعرف موقفى الثابت من مسألة الاتصالات هذه. طالما أنه لا توجد صلة سابقة من الصعب أن يتحرّك الإنسان ويتصل.
وأيضا لعدم وجود صديق مشترك يمكن أن يتحرى. إننى لو كنت قد اتصلت لكان قد أصبح له وجود محدد فى ذاكرتى الآن. ولكن الأمور كلها تاهت الآن.
■ وماذا فعلت؟
- لم يكن هناك من يمكن الكلام معه فى هذا الموضوع سوى توفيق الحكيم الذى قال لى لا تشغل بالك بمثل هذا الكلام طالما أنه لم يجر أى اتصال معك من أى جهة رسمية. فانس هذا الكلام واعتبر كأنه لم يكن. نهضة الرواية

■ هل تعتقد أن الرواية العربية ستشهد نهضة بعد نوبل التى حصلت عليها واعتبَرت يومها أنها مقدّمة إلى الأدب كله وفى المقدمة منه الرواية؟
- لقد نهضت الرواية العربية فعلًا. لا أعتقد أن هذا النهوض ما زال مجرد احتمال.
إن جيل الستينيات هو الذى يتصدّر الساحة كلها. وكتاب السبعينيات فيهم نجوم منهم محمد المخزنجى الذى قرأت له قبل مرحلة التوقف.
ومن الوطن العربى هناك كتاب رواية كبار جدًا منهم عبدالرحمن منيف الذى كرّمته القاهرة وقدّمت له جائزة الرواية العربية.
■ هل هذا الازدهار بسبب نوبل أم أنه كان موجودًا من قبل؟
- نوبل لا تفعل شيئًا يوصل إلى الازدهار الحقيقى، نوبل جائزة وما تحدثه حالة من التشجيع.
ولكن الحاصل حالة من التطور وهو غير التشجيع. وهذا التطور كان ماشى فى طريقه، وكان مستمرًا.. جيل الستينيات كتب أهم رواياته قبل نوبل. وأغلب هذه الروايات منشورة قبل نوبل.
■ ولكن اهتمام المجتمع بالرواية وترجمتها إلى لغات العالم، كل هذا حدث بعد نوبل؟
- إن الأمر فى هذه الحالة يحتاج إلى المزيد من الدراسات على أساس علمي.
■ نحن فى هذا العام 1998 نكمل عشر سنوات على نوبل، ما هو أفق الرواية المصرية والعربية فى السنوات المقبلة؟
- قبل أن نتحدث عن أثر نوبل الأولى فى السنوات المقبلة، لماذا لا نتوقع أن تلحقها نوبل أخرى.

■ وهل هذا الحلم ممكن، ولو حتى فى دائرة الأحلام والأمنيات..أنت متفائل؟
- هذا من الأمور العادية التى يمكن أن تقع لأن فتح الباب الأول يجعل من يأتى بعد ذلك أسهل من المرة الأولى.
نحن نتوقع عدم عودتها بعد مرور خمسين سنة وأكثر!
■ لِم هذا التشاؤم؟
- لقد وصلت إليك بعد حوالى ثمانين عاما وأكثر، ولذلك فمن المتوقع عدم عودتها بسرعة.
- لقد جاءت بعد 87 سنة من عمرها لأن الذين يمنحونها كانوا مشغولين باللغات التى يعرفونها. اللغات الأوروبية.
وكانت هذه اللغات يكتب بها عمالقة. كان لا بد من الانتهاء من منح الجائزة لهم أولا قبل التفكير فى لغات أخرى.
■ ولكن كتابًا شرقيين مثل طاغور حصلوا عليها فى السنوات الأولى؟
- طاغور كان يكتب باللغة الإنجليزية. وكان يذهب إلى أوروبا من أجل أن يغنى لهم أشعاره. لو كان عندنا نظام ترجمة. وكان هذا النظام جادًا، وكان يعمل منذ سنوات طويلة، كانت الأمور تغيرت واختلفت.
إن المطلوب الذى لم نقم به ليس مجرد الترجمة، ولكن متابعتها، والذهاب إلى الدول التى نترجم للغاتها، ونقدمها للنقاد، ونقيم ليالى لهؤلاء النقاد وحفلات. إن هذا لا يحدث أبدًا.
إن الشعوب الأخرى أكثر نشاطا منا..فى هذه الناحية بشكل من الصعب تصوره.
■ أى شعوب أخرى أكثر نشاطًا منا؟
- نحن حتى لا نهتم، مجرد الاهتمام، كل واحد عندنا يهتم بنفسه فقط.
عندما يتعرّف كاتب على مترجم يطلب منه أن يترجم له هو فقط. من دون النظر إلى الآخرين.
ومن يذهب إلى أوروبا من الكتاب والمبدعين يتجه إلى من يعرفهم من المترجمين. ويمارس هذه الصلة على أساس فردى تمامًا. وليس باعتباره يمثل لغة وأدب أمة.
الصورة العامة بالنسبة إليه أفضل من الصورة الفردية ألف مرة.
كيف تكتب الأدب؟
■ كيف كنت تكتب أعمالك الأدبية؟
- أنت تعرف أن هناك سنة «محفوظية» فى الكتابة تبدأ فى أكتوبر من كل سنة وتنتهى فى أبريل من السنة التالية. وأنا كنت أكتب الرواية مرة واحدة. حتى لو استغرقت منى شهرًا بطوله، وبصفة مستمرة. وأقوم بعملية التبييض باقى السنة بعد ذلك.
■ كيف كنت تقوم بالتعديلات التى تجرى على الكتابة الأولى؟
- بعد الكتابة الأولى. أقرأ الرواية. وأدون بعض الملحوظات، إن هذا الجزء يتم حذفه. وهذا الجزء تتم الإضافة إليه.
ثم أبدأ بعد ذلك عملية التبييض الأخيرة التى أنشر العمل بعدها.
■ هل كنت تدوّن بعض المعلومات عن الشخصيات قبل الكتابة؟ مثل «الثلاثية» المزدحمة بالشخصيات؟
- الشخصيات الخارجية تحتاج إلى معلومات ودراسة وأرشيف، الكاتب الحديث المعاصر لنا فى هذه الأيام لا يحتاج إلى هذه العملية بصورة أساسية، لأنه يكتب عن نفسه وعن تجاربه الذاتية. ولهذا فكل المطلوب له موجود فى أرشيفه الشخصي.
لكنى أتكلم عن نساء ورجال من خارج نفسى ولذلك إذا لم أسجل بياناتهم من الممكن أن يضيعوا مني. أو أن أقدم الشخصية مرة بشكل ومرة أخرى بشكل آخر تماما.
كل شخص غيرى يصبح غريبًا جدًا عنى، وأنا أسجل كل المعلومات المتاحة عنه.. لونه، طوله.. دخله، مستواه الاجتماعى لأن كل واحد يكون مختلفًا عن الآخر، وهذه الاختلافات هى التى تميز إنسانًا عن غيره.
■ كم فى هذه الشخصيات من الواقع، وكم فيها من الخيال؟
- لا أعرف هذه النسبة إن الأمر يحتاج للدكتور أحمد زويل (يضحك ضحكة عالية من قلبه).
■ لكنك لابد وأنك رأيت نماذج مثلها فى الحياة؟
- هذا مؤكد وأكثر.. ولا كلام فى هذا.

■ وعلاقتك بكمال عبدالجواد فى الثلاثية؟
- كمال عبد الجواد فى الحقيقة.. تستطيع أن تسميه، خصوصا من فكره وتطوره، كان أنا. كان ذاتي. من أقرب شخصياتى إلىّ.
■ هو أنت؟
- لدرجة ما.. من ناحية الأزمنة الروحية والأزمنة العاطفية.
■ مع العلم أنك لم تعمل فى التدريس من قبل أبدًا؟
- هذه تفصيلة لا تلغى الجوهر ولا تطغى عليه.
■ التوقف عن القراءة يفرض على الذهن سؤالًا عن مكتبتك. قلت لى من زمن القراءة..إننى لم تعد لديّ مكتبة ولكن خزانة كتب؟
- غالبا. كل كتاب كان عندى فى ذلك الوقت لا بد وأن أكون قد قرأته، هل تعرف أننى قرأت دائرة المعارف البريطانية ضاربا المثل فى ذلك.
طبعا هناك بعض الأمور التى ربما لا تدخل فى اهتماماتى مثل الهندسة والعلوم البحتة، لم أقرأها.
ولكن الباقى كله قرأته. وقد قرأتها انطلاقا من اهتمامى بالثقافة العامة.
نحن نهملها كثيرًا فى هذه الأيام بحجة التخصص الذى تفرضه العلوم الحديثة. ولكنها مهمة وأساسية. ومنها فقط يمكن الانطلاق إلى التخصص. لقد كنت شديد الاهتمام بالثقافة العامة.
وبمناسبة قراءة دائرة المعارف البريطانية أذكر أن صديقى زكى سالم، قرأ لمن كتب أننى قرأت دائرة المعارف البريطانية، فجاء يكلمنى عن ذلك باعتباره من المبالغات التى لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
فقلت له إن هذا سليم تماما، ولماذا يقال عنه إنه مبالغة من المبالغات.
ولكن عندما كثرت الكتب عندى كان يحدث أن أحتاج كتابًا. كنت أجد أنه من السهل علىّ شراؤه بدلا من البحث عنه. كنت أنزل وأشترى الكتاب مع يقينى أنه موجود لديّ فى مكتبتي.. وكان ذلك الحل الأسهل. وفى الأسبوع المقبل نواصل