الخميس 5 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الأشجار تؤدى عروضا مسرحية فى طرابزون

اللوحة التى أبدعها الله

كنتُ قد سافرتُ إلى إسطنبول فى عام 2010، وقررت منذ ذلك الحين ألّا أسافر إلى بلد زرته من قبل، وكان الهدف من هذا القرار هو تنوع الثقافات والأماكن التى أطلع عليها.



فكل مدينة جديدة أزورها بمثابة حياة جديدة دنيا تفتح لى ذراعيها، لأسبر أغوارها وأكتشف على مهل ما تضمره من جمال وبهاء.

وعلى الرغم من أننى سافرت إلى إيطاليا مرتين، فإن إيطاليا بالنسبة لى هى الاستثناء الوحيد من هذا القرار؛ فجمالها وتنوعها لا يمل، وكل مدينة من مدنها هى قصة تستحق أن تروى. ولا تزال بعض مدنها على قائمة الانتظار.

حاولت هذا العام السفر إليها مجددًا، وضعت مخططًا مختلفًا لزيارة عدد من مدنها الآسرة، لكن مجرد الحصول على موعدٍ بدا أمرًا شبه مستحيل، بعد محاولاتٍ دامت لما يقرب من الشهرين.

ربما بسبب الزحام فى شهور الصيف، وربما لأسباب أخرى تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعى ومجموعات السفر حول سر صعوبة الحصول على موعد لتقديم الأوراق.

 

 

 

فى المقابل، كانت تركيا الخيار الأسهل؛ سواء من حيث تجهيز الأوراق المطلوبة، إذ لا يتطلب الأمر تحديد موعد مسبق لتقديمها، أو من حيث تعدد خيارات الطيران الرخيصة للوصول إليها. 

وقد وضعت طرابزون كمحطة أولى فى الرحلة، إذ لم أكن زرتها من قبل، بينما كانت كابادوكيا ــ بمناطيدها المبهرة وأجوائها المختلفة وصخورها التى تشكل بيئتها الفريدة ــ تداعب خيالى برحلة تعانق السحاب.

لكن بالبحث عن المسافات اكتشفت أنها بعيدة عن طرابزون، وتحتاج إلى طيران داخلي، مما قد يضيع أيام الرحلة بين المطارات وصالات الانتظار وتجهيز الحقائب وتحميلها ووزنها، ثم سيارات الأجرة من وإلى المطارات المختلفة.

فاكتفيت بطرابزون مع إسطنبول، فى زيارة ثانية أكثر اكتشافًا وتأملًا من ذى قبل.

 محاولة فاشلة

بداية الرحلة من مطار سفنكس الدولى، وهى المرة الأولى التى أسافر منه، المطار صغير، ينقل لك إحساسًا بالحميمية، عدد طائرات محدود لكن جميع العاملين فيه مدربون جيدًا على التعامل مع السائحين، ويعد واجهة مشرفة لمصر من حيث حسن التعامل وسرعة الإجراءات وبشاشة الوجوه.

امتازت التجربة بسهولة وسلاسة، رغم صعوبة إيجاد وسائل مواصلات تنقلك منه أو إليه. 

 

 

 

فخلال دقائق معدودة كنا قد سلمنا حقائبنا وحصلنا على البورد، كما كان موظفو شركة الطيران متعاونين جدًا فى مساعدتنا لاختيار مقاعد متجاورة.

الرحلة إلى طرابزون استغرقت ما يقارب أربع ساعات طيران، بالإضافة إلى ساعتين ترانزيت فى مطار صبيحة كوكجن الدولى.

حاولت استدعاء ذكريات السفرية الأولى، لكن خمسة عشر عامًا وقفت حائلًا عتيًا. أدركت ذلك فى مطار صبيحة، وتأكد لى لاحقًا خلال إقامتى فى إسطنبول. وربما لا يرجع الأمر إلى ضعف الذاكرة ولا إلى عدد السنوات الكثيرة التى مرت، بل إن السبب الأساسى هو أن الرحلة الأولى كانت مقيدة ببرامج شركة سياحية تفرض أماكن بعينها ورحلات تختارها وفق برامج محددة، وكانت قلة الخبرة حينها تجعلنى متمسكة فقط بما اختير لى أو فرض عليّ.

فصورى منذ خمسة عشر عامًا تذكرنى بباحة المسجد الأزرق، وبأن دخوله كان يتطلب دفع مبلغ مالى اقتطعته الشركة السياحية آنذاك، فى حين أننا هذه المرة دخلناه مجانًا من دون أى رسوم.

كما أن صورى مع راقصة تركية فى عشاء سهرة البوسفور تذكرنى بما دُفع من أموال دون داع، فما الحاجة إلى ملهى ليلى لأربع فتيات؟! أنا وثلاث صديقات.

كذلك كانت هناك زيارات أخرى لمنافذ بيع الحلقوم التركى (الملبن) ومولات تجارية، من دون اختيار حقيقى منا، فقط لأن الشركات فى برامجها تضع خط سير وأماكن توقف تكون فى بعض الأحيان مضيعة للوقت.

  طيران بلا أوزان 

وصلنا إلى مطار صبيحة للترانزيت لمدة ساعتين قبل التوجه إلى طرابزون عبر خطوط الطيران الداخلى «أناضول جِت»، وهو طيران اقتصادى بأوزان محدودة ودون تقديم وجبات. خيار مثالى لرؤية أكثر من مدينة تركية دون تكبد الكثير من المال. 

الرحلة الأساسية من القاهرة إلى إسطنبول كانت على متن خطوط «بيجاسوس»، وهو طيران اقتصادى أيضا بأسعار معقولة وأقل من مثيلاتها فى أيام محددة، بشرط الحجز قبلها بوقت كافٍ.

 

 

 

وللأمانة بعد تعويم الجنيه المصرى أصبحنا لا نسمع جملة (بيف أور تشكين من الأساس)، فالخيارات محدودة وصارمة والرفاهية فى الطائرات أصبحت ذكريات.

كانت إجراءات الدخول إلى إسطنبول سهلة وخالية من الإزعاج رغم الازدحام الكبير داخل المطار. وأثناء رحلتنا إلى طرابزون، غفوت قبل إقلاع الطائرة ولم أشعر بالمطبات الهوائية العنيفة التى حدثت، كما أخبرنى زوجى أحمد لاحقًا، وقد شهدت بعضها بالفعل فى رحلة العودة.

لم نقم بتبديل أى من الدولارات التى كانت معنا فى مطار صبيحة، معتقدين أننا سنجد صرافات فى مطار طرابزون الدولي، لكننا فوجئنا بعدم وجودها. فصالة الوصول كانت صغيرة، التقطنا منها أمتعتنا، وعبرنا بعض البوابات لنجد أنفسنا على بُعد خطوات قليلة من الشارع. كانت معظم الأماكن داخل المطار مخصصة لتأجير السيارات، لكن فور خروجنا وسؤالنا عن أقرب صرافة (دُفيز)، حل سائق الحافلة مشكلتنا الصغيرة، فاشترى منا 50 دولارًا وأعطانا مقابلها 2000 ليرة تركية.

كانت المسافة إلى الفندق قصيرة لا تتجاوز الربع ساعة. 

شقت الحافلة طريقها عبر شوارع بسيطة وغير متكلفة، وفى الأفق بدت المرتفعات والجبال تخترقها مبان متناسقة الألوان تنسجم مع جمال الطبيعة المحيطة.

تقع طرابزون فى شمال شرق تركيا على ساحل البحر الأسود، وهى من المدن التى يوصى بها بشدة عشاق السفر؛ إذ تعد النقيض لإسطنبول من حيث الهدوء، وصغر المساحة، ومحدودية وسائل المواصلات. وكبح شهوة الشراء وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل فى حلقة إسطنبول. 

أنزلتنا الحافلة أمام الفندق، ولكن من الجهة المقابلة، وكان لا بد من صعود سلم المشاة ونحن نحمل ثلاث حقائب، بالإضافة إلى حقائب الظهر.

وقد لفت نظرنا أن السلم مبطن بمادة تشبه تلك التى تُغطى بها أرضيات (التراك) فى الأندية، مما جعل الصعود والسير عليه مريحين نسبيًا .

بعد أن استلمنا الحقائب وحصلنا على ساعتين من الراحة عقب رحلة طويلة نسبيًا ــ إذا احتسبنا وقت الترانزيت والانتظار فى مطارى سفنكس وصبيحة ــ كان موعدنا مع اكتشاف المدينة.

 

 

 

كان الفندق مميّزًا، يبعد قليلًا عن وسط المدينة، الغرف واسعة ومريحة، وبهوه فسيح، والمكان المخصص للإفطار رحب، وفى آخره تراس يمكن تناول الفطور فيه، كفرصة لرؤية جمال المدينة.

كما توجد زاوية صغيرة للصلاة، بها حوض صغير للوضوء.

وفى زوايا المطعم تنتشر بعض الألعاب مثل البلياردو والفوسبول، والتراس مزروع فيه  أشجار يوسفى وليمون وتكعبيات صغيرة للعنب متناثرة من دون ترتيب. 

المدينة تكتسى كلها بألوان محددة، ويمكن ملاحظة ذلك من نافذة الطائرة، حيث تبدو بشكل جمالى يرسم مع البحر والجبال صورة مريحة للأعصاب.

مبانى المدينة  ليست كلها عصرية أو حديثة توجد بعض المبانى العتيقة الصغيرة، ومنها ما هو داخل الجبال فتبدو كالمعلقة.     

ومن شباك غرفة الفندق، كانت الأشجار كأنها تؤدى عرضا مسرحيًا؛ تتمايل فروعها بهدوء، وترتعد مع كل نسمة هواء، وكأنها تقدّم تحية خلال عرض بطيء الإيقاع مستحقا للتقدير والإعجاب.

إذا  كان  لى أن أصف طرابزون، فهى المتعة بطيئة الإيقاع؛ العجلة لم تعرف طريقها إلى البلدة.

كنا قد رتبنا مسبقًا أن نشترى كارت المواصلات، لكننا اكتشفنا أن وسيلة المواصلات الأكثر انتشارًا وسهولة فى طرابزون هى الدولموش، وهو نوع من الحافلات الصغيرة، وكانت محطته أمام الفندق مباشرة.

يأخذك الدولموش إلى ما يُعرف بـ«ميدني» ــ أى وسط المدينة ــ حيث المطاعم التى تقدم المأكولات التقليدية، ومكاتب السياحة التى تعرض خيارات الرحلات من طرابزون إلى حيدر نبي، وأيدر، وأوزنجول، وغيرها من الأماكن الساحرة داخل المدينة وعلى أطرافها.

 

 

 

 بالطبع، لم يتجل لنا كل ذلك فى ليلة الوصول، فقد استغرق الأمر نحو ثماني وأربعين ساعة حتى نفهم كيف نصل إلى تلك الأماكن.

فعندما ترتب الرحلات بمفردك قد تخفق فى تقدير بعض الأشياء الصغيرة قد يصيبك التشوش أو تتداخل بعض المعلومات عن بعض الأماكن وتضل فى ترجمة الكثير من  الكلمات لكن سأهمس لك بسر: إنها المتعة الأجمل على الإطلاق هى المتعة البكر للإنسان الاكتشاف.. الوصول لليقين.

وكانت مكاتب المعلومات السياحية هى التجربة الأصدق والأكثر فائدة.

فى تلك المكاتب، تجد من يتحدث العربية، تحدد له المكان الذى ترغب فى زيارته، فيرشدك إلى الوسيلة والطريق الأمثل، ويقترح عليك أفضل الشركات من حيث التنظيم والسعر.

لكن قبل أن نعثر على الطريق إلى الرحلات الأخرى خارج طرابزون المدينة ..... كيف قضينا أول 48 ساعة؟!

 شاورما بلا شاورما

كانت متعة الطعام تفرض نفسها عند الإطلالة الأولى على المدينة حتى إذ كنت لا تحب الطعام ستحبه فى تركيا أو على الأقل ستتذوق الكثير من الأشياء، بالطبع الشاورما على رأس الأطعمة التقليدية وكنت قد قررت أن تكون عشائى لليوم الأول والثانى وربما الثالث!! وخاصة بعدما فقدت خصوصيتها لدينا فى مصر وتاه طعمها وفرادتها .. بين أسماء عدة ومطاعم تقدم لك شاورما بلا شاورما! 

فى تركيا لا تزال متمسكة بطعمها الأصيل.. وكانت اختيارا لذيذا ليومنا الأول .. مع لفائف الأضنة ... والأضنة هى الكفتة التركى الحارة يصنع منها شطائر مشبعة كبيرة الحجم ..

واللحم فى تركيا له مكانة خاصة، فالمطبخ التركى يزخر بوصفات طهى للحوم متعددة .. منها كبة البستان وهى قطع من اللحم تطهى مع البصل والمشروم وتوضع داخل باذنجانة،‏أما همسى تافا فهو  طبق تركى تقليدى من السمك المقلي، سمك  الأنشوجة الأوروبى، وهو من الأطباق الأساسية فى منطقة البحر الأسود. يتم تنظيف الأنشوجة الطازجة وإزالة العظام منها، ثم تُملّح  قبل تغليفها بالدقيق لتكوين طبقة رقيقة ومقرمشة.

والأطعمة التى تمنحك تصبيرة موجودة أيضا بمذاقات متنوعة، وبالطبع  يعد أشهر ما فى تركيا عربات السميط بالسمسم،  فطيلة جولتك فى الشوارع ستصادفك الكثير من العربات تبيع هذا السميط اللذيذ ولا تُقل إنك تعرفه أو تناولته من قبل لأنه فى تركيا طعم مختلف لذيذ مترع بالسمسم طرى ومقرمش  وسعره رخيص بالمقارنة بالأطعمة الأخرى  20 ليرة. 

وطعام الشارع فى طرابزون ليس بالكثرة اللافته كما هو  فى إسطنبول  لكنه يمتاز بأنه نظيف جدا ويراعى العاملون على العربات ارتداء القفازات وتنظيف العربات، هذه هى ملاحظاتى، حيث راقبت عددا من الباعة وهم يغسلون أسياخ الشاورما والواجهات الزجاجية للعربات وموتسكيلات الدليفرى بالمياه ووفرة لافتة من الصابون . 

 وقد مررنا على سوبر ماركت شهير هناك فروعه تنتشر فى مصر أيضا ومعروف بأسعاره المعقولة.  

 

 

 

وعندما كنت أبحث بين الأرفف عن لبن قصير الأجل لابنى من بين أنواع عديدة لمحت زجاجات تشبه اللبن الرائب تسمى آيران، وكنت قد رأيته فى إعلانات الكثير من المطاعم  والتى تعلن عن عروض للوجبات حيث تضع كوبا من الآيران  كمشروب مهضم وبديل للمياه الغازية مع عدد من وجباته.  

والآيران هو زبادى مالح وخفيف ورغوى ..

يشربه الأتراك بكثرة فى الصيف حيث يعوض الجسم عن الأملاح التى يفقدها الجسم  بالتعرق.

ويُقدم الآيران تقليديًا إلى جانب أطباق اللحم مثل الكفتة أو دونر كباب. كما أنه من أشهر المشروبات فى الشوارع التركية. 

وكما يُباع المنتج فى السوبرماركت، يُباع أيضًا بطريقة شعبية باستخدام أدوات تصنيع محلية بسيطة مثل حوض كبير وصنبور، على الطريقة التقليدية. حيث يمكنك أن تشرب كوبا من الآيران رغوى خفيف كما تشرب عصير القصب فى مصر.

مكانة خاصة للقطط

الأنشطة فى ميدينى كثيرة ومتنوعة؛ ففى صباح اليوم التالي، أُقيم يوم مفتوح لحيوانات الشوارع من قطط وكلاب، حيث نُظّمت احتفالية صغيرة لجمع التبرعات.

 وقد توافدت الكثير من القطط المصابة والكلاب، بينما كان الفنانون والموسيقيون يعزفون وسط أجواء من البهجة والإقبال من السياح وسكان البلدة.

القطط فى تركيا تحظى باهتمام ومحبة خاصة؛ فهى تسير بجانبك، وتجلس عند قدميك أو أسفل  مائدتك بهدوء ووداعة؛ بل وتجدها فى كل متجر تقريبًا، وكأنها القطة الخاصة بالمحل، حتى إن بعض أصحاب المتاجر يطلقون عليها اسم المتجر نفسه.

تستلقى على الملابس الجديدة دون تأفف من الزبائن، وتفترش أبواب المحلات لتستقبل الزوار وتودعهم. ويتكرر المشهد نفسه فى إسطنبول؛ عشرات القطط تنتشر فى محلات شارع الاستقلال، كما توجد ماكينات تبرع مخصصة لإطعامها فى عدد من الشوارع، حيث يمكنك وضع عملة معدنية فتسقط من أسفل الجهاز كمية من طعام القطط الجاف (الدراى فود). 

وبالعودة إلى ميديني، فقد كان قضاء يوم هناك لطيفًا، ما بين الأنشطة والمطاعم وبعض التسوق الخفيف. فكلما دخل أحمد محلا كنت أنبّهه كأى سيدة مصرية أصيلة: «سنشترى من محلات الأوت لِت فى إسطنبول، لا تتعجل!»

أما شوارع طرابزون، فلها طابع حميمى خاص. لفت انتباهنا وجود منافض سجائر على شكل رئتين، فعند إطفاء السيجارة بداخلها تتلوث واجهتها الزجاجية تدريجيًا، لتُظهر للمارة رئتين بلون السواد، فى رسالة بصرية قوية عن أضرار التدخين.

ومرت خاطرة فى ذهن أحمد زوجى قائلًا: ملامح أهل طرابزون متشابهة إلى حد كبير مع ملامح أهل أثينا، شكل الرأس والأنف.

ونسى هذا التعليق حينها، لكن بعد عودتنا، وأثناء قراءتى عن تاريخ المدينة، اكتشفت أن الأمر لم يكن مجرد ملاحظة عابرة؛ بل حدس فنان يتقن التأمل فى الملامح، تصادف مع حقيقة تاريخية.

فقد تأسست طرابزون فى القرن الثامن قبل الميلاد كمستعمرة يونانية على ساحل البحر الأسود، ثم ازدهرت تحت الحكم الرومانى ثم البيزنطي، حتى فتحها السلطان محمد الفاتح عام 1461م وضمها إلى الدولة العثمانية.