السبت 30 أغسطس 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أمنية نجيب محفوظ التى لم تتحقق!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

أمضيت 17 سنة أحضر صالون نجيب محفوظ، فى مقهى «ريش» عصر كل يوم جمعة، قبل أن أهاجر إلى لندن.

 ومع  أننى فكرت فى رصد ما يجرى فى كل ندوة ونشره أسبوعيًا فى «صباح الخير» إلا أننى اقتنعت بألا أفعل ذلك عندما بيّن لى هو خطورة ذلك على مسار هذا الصالون الذى أعتبره، مثل كثيرين، أكاديمية حرة قريبة الشبه بمجالس فلاسفة اليونان وحوارييهم.

فأنت مع نجيب محفوظ منفتح على نقاش حول الأدب والفن يسحبك إلى شتى مناحى الحياة، بما فى ذلك تفاصيل حياة كل يوم.

وليتنى فكّرت ـ وقتها ـ  فى رصد محاورات كل جلسة وتسجيلها.. ليس للنشر، ولكن للتاريخ.

غابت عن بالى تلك الفكرة ربما لأن الصحافة كانت تستولى على تفكيرى خاصة فى بداياتى، ومع ذلك ففى ذاكرتى بعض لمحات من عالم هذا الصالون، وهناك من نشر بعضًا من ذلك، وتحضرنى الآن حكاية مساجلة جرت بين الناقد رجاء النقاش وكاتبنا الجليل نجيب محفوظ، فرجاء يواجه محفوظ بالقول: إن من يتابع أعمالك الفنية قبل الثورة وبعدها يكتشف بوضوح أنك كنت ـ فى أعمالك الفنية ـ تميل إلى حزب «الوفد» قبل الثورة، والحقيقة أن هذا «الميل الوفدي» يكشف عن عنصر شعبى أصيل فى شخصيتك.

فكثير من الأدباء والمفكرين الأصلاء فى تاريخنا الفكرى والوطنى كانوا مع «الوفد» قبل الثورة، رغم أن أحدًا منهم لم يتردد عند الضرورة فى إبداء النقد والتحفظ ضد «الوفد» وتركيبته السياسية..هذا هو موقفك السياسى - كما أتصوره ـ قبل الثورة.

 

 

 

أما بعد الثورة فمن الواضح أنك أصبحت تميل إلى الفكر الماركسى.. فالماركسيون فى رواياتك هم الأبطال والشهداء وحاملو الزهور الحمراء وهم الذين يضيئون الحياة بنور الأمل فى الظلمات.. وأحيانًا يبدو نقدك للماركسيين هو نقد «العشم».. أى نقد الذين كان ينتظر منهم الكثير ولكنهم خيبوا الرجاء المعقود عليهم، كما نلاحظ فى قصتك القصيرة «عنبر لولو».. وهذا نفسه يدل على ميلك إلى الماركسية وانعطافك نحوها، أى أن مسارك السياسى كان من الوفدية إلى الماركسية.

وأريد أن أسألك: هل هذه الفكرة صحيحة أم أننى مخطئ؟

فماذا كان رد نجيب محفوظ؟ 

قال له: لقد شخصتنى فأجدت التشخيص.. فلو خيرت بين الرأسمالية والماركسية لما ترددت فى الاختيار لحظة واحدة.. ولكن هل يعنى ذلك أننى ماركسى؟!

الماركسى هو المؤمن أو المقتنع بالماركسية نظرية وتطبيقًا وبلا أدنى تردد.. ولو أدخل فى اعتباره التجديدات التى طرأت على النظرية.

على هذا الأساس، لا أستطيع أن أعتبر نفسى ماركسيًا رغم التعاطف الشديد، ذلك أننى ضعيف الإيمان بالفلسفات، ونظرتى إليها فنية أكثر منها فلسفية ولعل الإيمان الوحيد الحاضر فى قلبى هو إيمانى بالعلم والمنهج العلمى، وبقدر شكى فى النظرية كفلسفة، فإنى مؤمن بالتطبيق فى ذاته، بصرف النظر عن أخطاء التجريب ومآسيه.

ولكى أكون واضحًا أكثر، أعترف لك بأننى أومن بتحرير الإنسان من: الطبقية وما يتبعها من اعتبارات كالميراث وغيره، والاستغلال بكافة أنواعه وأن يتحدد موقع الفرد بمؤهلاته الطبيعية والمكتسبة وأن يكون أجره على قدر حاجته وأن يتمتع الفرد بحرية الفكر والعقيدة فى حماية قانون يخضع له الحاكم والمحكوم وتحقيق الديمقراطية بأشمل معانيها ثم التقليل من سلطة الحكومة المركزية بحيث تقتصر على الأمن والدفاع.

هذه صورة المجتمع الماركسى فى نظرى الذى هدفه حرية الفرد وسعادته، والاعتماد فى كل شيء على العلم، وربما التوجه فى النهاية لمعرقة الحقيقة العليا أو المشاركة فى خلقها.

وكل ذلك أمكن لى دون الإيمان بالنظرية..فماذا تعدني؟

ونحن لا نحتاج للبحث عن إجابة رجاء النقاش على السؤال.

فعلى كثرة  من تناولوا أعمال نجيب محفوظ الأدبية بالنقد والدراسة (بعدما عاش سنوات إبداعه الأولى مهجورًا من النقاد والقراء لمدة 15 سنة) على كثرة النقاد الأكاديميين الباحثين ولا أشير إلى من كان كل همهم هو الالتصاق به والاستفادة الشخصية، فالمؤكد أن رجاء النقاش كان الأكثر درسًا لنتاج محفوظ وشخصيته وقيمته الأدبية والفكرية والتاريخية فى حياتنا.

وفى فبراير 1970 فاجأ رجاء مجتمع المثقفين بأن أصدر عددًا خاصًا عن نجيب محفوظ من مجلة «الهلال» الشهرية العتيدة وكان يتولى رئاسة تحريرها بقرار من أحمد بهاء الدين رئيس مؤسسة «دار الهلال» وقتها.

فهو يرى أن نجيب محفوظ نال تقدير القراء قبل أن ينال تقدير النقاد وقبل أن ينال تقدير الصحافة، فأول من اكتشفه هم قراؤه الذين أحبوه وتعلقوا بما فيه من صدق وعمق وأصالة فنية عالية.

إن نجيب محفوظ أصبح «بديهية أدبية» لا مجال للاختلاف عليها أو إنكار دورها البارز فى حياتنا المعاصرة، مهما كان هناك من اختلاف فى تقييم هذا الدور.

وعن صفاته يضيف رجاء: هناك أولًا ذلك الإخلاص الكبير الذى يقف وراء حياة نجيب محفوظ الأدبية فمنذ بدأ الكتابة وهو يعيش من أجل أدبه كما يعيش القديس من أجل رسالته.

 

 

 

 جيل لا يقلد 

كنت الصحفى الوحيد من «صباح الخير» الذى ينتظم فى حضور ندوة نجيب محفوظ، مع أننى وقتها لم أكن قد بدأت أى كتابات أدبية، فكنت مهتمًا بالتواصل مع كاتب كبير يمثل ضمير بلده وعصره.

وكنت مهتمًا أيضًا بمتابعة جيل جديد من الأدباء هو ما يسمى بـ«جيل الستينيات» وهو الجيل الذى أنتسب إليه بالعمر، والمشاركة فى تقديم هذا الجيل والتعريف به فى الصحافة.

وكان معظم أبناء هذا الجيل من المريدين المواظبين على حضور ندوات صالون نجيب محفوظ المفتوح فى المقهى العريق.. وجمعتنى صداقات شخصية مع كثير منهم.

والحقيقة أن أحدًا منهم على كثرتهم، لم يكن يقلّد نجيب محفوظ، فكل همهم هو ما يمكن أن نسميه «الخروج من عباءة نجيب محفوظ».

وكان محفوظ نفسه يشجعهم على ذلك بل قال إنه يرى فيهم: «الجيل الأدبى الجديد الذى سينقل الرواية العربية التى شاركت مع غيرى فى تأسيس قواعدها وترسيخها كفن يعبر عنا، سينقلها إلى مرحلة جديدة هي: «العالمية»!

كانت هذه أمنية رائد الرواية العربية وعميدها، لكنها للأسف أمنية لم تتحقق حتى الآن، ولعل أحد الباحثين أو الأكاديميين يوفر وقتًا لبحث هذه المسألة.. وهذا السؤال: لماذا لم يصل أدب هذا الجيل إلى العالمية؟

لماذا اقتصرت إنجازات بـ«جيل الستينيات» على محاولات واجتهادات تجديدية فى القالب والموضوع دون العمق الذى يضعها على طريق الأدب الإنسانى العالمي؟

ولا أريد أن أذكر أسماء حتى لا أنسى أسماء. 

فهل يعود ذلك إلى نجيب محفوظ؟

هل كان إنجاز نجيب محفوظ عائقًا أمام هذا الجيل، يصعب تجاوزه؟

أم أن قيودًا على حرية التعبير هى السبب؟ 

هل كان لضعف عدد من هؤلاء الأدباء الشبان، أثره؟ وأقصد ضعف الثقافة العامة، ضعف اللغة، ضعف التحصيل العلمى الأكاديمى، ضعف العلاقة بثقافة وآداب العالم لعدم إجادة لغات؟ انشغال بعضهم بمسائل العلاقات العامة والشهرة والمال على حساب إتقان وإبداع الفن الأدبي؟ 

لماذا لجأ واحد أو أكثر منهم لكتابة روايات باللغة العامية؟! 

لماذا قرأنا لأحدهم مقطعًا من رواية لكاتب عالمى ضمّنه الأديب الشاب ـ ولا داعى لذكر اسمه - روايته كما لو كان هو كاتب هذا المقطع؟!

على الجانب الآخر هناك من تقدّموا وخطوا خطوات مهمة لكنها، مع ذلك، لم تقدم لنا نموذج أدب جديدًا بالكامل يمثل مرحلة متقدمة على ما أنجزه نجيب محفوظ.

 أتمنى أن نجد بحثًا يجيب عن سؤالنا: لماذا لم تتحقق أمنية نجيب محفوظ؟!

  وفى الأسبوع المقبل نواصل