
توماس جورجسيان
الفك المفترس.. وقارئ فريد اسمه «دان بلزر»!
واشنطن خلال شهر أغسطس عادة تكون هادئة. لم يكن الأمر كذلك عام 1990 مع غزو العراق للكويت يوم 2 أغسطس. ومن ثم عاشت صيفًا ساخنًا وهى تستعد لتحركات وعمليات عسكرية بدأ معها وبعدها الزمن الأمريكى لمنطقة الخليج والشرق الأوسط. والمنطقة بشعوبها وحكامها تعيش وتتعامل وتعانى مع تبعات هذا الزمن لـ35 عامًا..التواجد أو الدور الأمريكى الرئيسى والحيوى فى الإقليم ما زال قائمًا بما له وبما عليه. ولا شك أن إسرائيل لها متطلباتها وإملاءاتها فى ترسيخ واستمرار هذا النفوذ الأمريكى لحين إشعار آخر.
الفك المفترس بعد نصف قرن
من 50 سنة.. وتحديدًا يوم 26 يونيو 1975 كان اللقاء الأول مع الفك المفترس كفيلم وكظاهرة سينمائية. وبدأ عرض فيلم Jaws (الفك المفترس). هذا الفيلم الأمريكى الذى كسر الدنيا (كما يقال) بالإيرادات الضخمة التى حققها هذا الفيلم المرعب والمبهر معًا.
وتكشف الأرقام أن الفيلم الذى تكلف 9 ملايين دولار فقط حقق إيرادات تقدر بـ 470 مليون دولار عالميًا، منها 260 مليون دولار أمريكي. ومن سنتها بدأت السينما الأمريكية تعرف ظاهرة أفلام الصيف التى تسعى إلى جذب الانتباه وجلب الأموال وسحب الجمهور من الشواطئ وأماكن الترفيه الصيفى إلى دور السينما. الفك المفترس كان من المفترض عرضه خلال موسم الكريسماس 1974 إلا أن عدم الانتهاء من إعداد الفيلم بشكله النهائى غير من موعد عرضه.. إلى الصيف التالى.
وبالطبع مع الفك المفترس اكتشف عشاق السينما موهبة سينمائية أكدت نفسها أكثر فأكثر عبر السنوات وصارت أيقونة إنه ستيفن سبيلبرج.
مخرج الفيلم سبيلبرج كان فى الـ28 من عمره عندما قام بإخراج هذا الفيلم. وبسببه انطلق ودخل التاريخ وعالم الشهرة. وهو الآن فى الـ78 من عمره. وقد أخرج 34 فيلمًا منها الفك المفترس وآى تى وقائمة شندلر. وقام بالمشاركة فى إنتاج وإخراج أكثر من 130 مشروعًا سينمائيًا وتليفزيونيًا. سبيلبرج لم يكتف بما أنجزه بل ساهم وشارك فى دعم المواهب الجديدة ماديًا ومعنويًا.
أمريكا وعشاق السينما فيها وفى العالم يحتفلون هذا العام بمرور 50 سنة على بدء هذا الفيلم بمعارض ومناقشات وأفلام تسجيلية تتناول الفك المفترس وتبعاته فى عقليات ونفسيات المشاهدين. ولا شك أن بعد بدء عرض هذا الفيلم لاحظ المراقبون للمشهد الأمريكى أن الخوف من الافتراس من جانب سمكة القرش صار هاجسًا أمريكيًا سائدًا على الشواطئ ومن ثم تداول الحديث عن تفاصيل هذا الفيلم وهذا الكائن البحرى المفترس والاهتمام بمعرفة كل شيء عنه.
وما لفت انتباه مشاهد الفيلم أيضًا أن سمكة القرش لم تظهر إلا بعد ساعة و20 دقيقة من بدء الفيلم والذى تقدر مدته بساعتين!

فى الصيف لازم نحب
هذه الدعوة أو هذه الصيحة سمعناها ورددناها كثيرًا.
وبالطبع من حين لآخر يقوم من يردد هذه المقولة بإضافة شيء بعينه لـ «لازم نحب».. فى الصيف لازم نحب آيس كريم. وعشاق القراءة والكتب يرفعون شعار فى الصيف لازم نحب الكتب أو نحب قراءة الكتب.
وفى أجواء الصيف وأوقات الفراغ وجد عشاق الكتب مؤخرًا عاشقًا مميزًا.. حكايته حكاية تلفت الأنظار وتبهر القلوب.
ففى الأول من يوليو الشهر الماضى توفى Dan Pelzer دان بلزر فى مدينة كولومبوس بولاية أوهايو وكان هذا الرجل فى الـ 92 من عمره.
دان تقاعد منذ عام 2000 بعد أن عمل لثلاثين عامًا موظفًا فى قطاع الخدمة العامة للشباب بالولاية.
بعد موته وفى جنازته كشفت ابنته مارسى أن الوالد كان عاشقًا للقراءة، وأنه قرأ على الأقل 3599 كتابًا منذ عام 1962. وأن هذه الرحلة الممتدة بدأت عندما كان فى نيبال فى إطار برنامج فيلق السلام للعمل التطوعى. والأمر المثير للتعجب والإعجاب أن دان كتب كشفًا بقائمة الكتب التى قرأها بلغ عدد صفحات القائمة مائة صفحة. وبلا شك فإن هذه القائمة وحرص دان على كتابتها.. وأيضًا اهتمام الأسرة بمشاطرة القائمة مع معارفها ومع عشاق القراءة لفتت انتباه الإعلام ليس فقط فى ولاية أوهايو ولكن على امتداد الولايات المتحدة.
حكاية حلوة تستحق الالتفاتة وسرد سيرتها، خصوصًا أن المكتبات العامة التى استعار منها دان كتب القراءة شاركت الفرحة والاحتفال بالقارئ المحترف لكى تقول لروادها هكذا يكون عشق الكتب وكيف أن القراءة حتى فى زماننا الراهن ما زالت تحظى بالاهتمام وأن الكتب لها دور حيوى فى إثراء معرفتنا وأيضًا حياتنا بشكل عام.
وقد كشفت قائمة الكتب أن دان بلزر قرأ فى عام 2023 وحده 72 كتابًا.. بالمناسبة لم نعلن بعد وفاة الكتب. ليس هذا شعارًا انتهت صلاحيته. بل هو إقرار بما تشهده المكتبات العامة ومكتبات بيع الكتب من حركة رواد يبحثون عن ثمار المطابع.. وعصير الكتب!