سرّ أسرار صباح الخير

منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

فى مطلع كل عام منذ 1956 ويوم 12 يناير تحديدا نحتفل بعيد ميلاد «صباح الخير».
وفى العدد الخاص بهذه المناسبة السعيدة يتبارى الجميع فى التعبير عن مشاعرهم تجاه الصبوحة.. ويكتب البعض، خاصة رؤساء التحرير، عن «سر صباح الخير»..
وكيف أنها تعتبر فتحا كبيرا وقفزة رائعة إلى الأمام فى تطور الصحافة المصرية دشنت مدرسة راقية ملتزمة دون أن تكون متزمتة، هادفة وممتعة فى الوقت نفسه، راقية دون تعالٍ على الناس، وشديدة الحساسية بمشاكل الناس دون أن تتملقهم.. وأن هذا هو سر «صباح الخير»..
وكل هذا وصف دقيق وجميل، لكن لديّ اكتشاف خاص أعتبره «سر أسرار صباح الخير».
هو ما أسميه- ولعلكم تتفقون معى- «الشفافية»..
فلعل مجلة «صباح الخير» منذ مولدها وحتى الآن، تنفرد وتتمتع بهذه الميزة التى لم نجدها فى أى صحف أو مجلات أخرى.
وعندى عدة أمثلة على هذه الشفافية التى لها بالتأكيد أكبر الأثر فى تعلّق القراء بالآلاف العديدة بهذه المجلة الفريدة.. وأيضا بما احتلته «صباح الخير» من مكانة خاصة لدى أساتذة الصحافة وخبرائها.
وتتكشف لنا هذه الميزة الأخلاقية التى تنطوى على شجاعة أدبية وثقة فى الذات وإخلاص فى التعبير عن بعض دواخل الأمور، وشعور أصيل بالاطمئنان وحسن التوجه نحو كل ما هو صحيح ومفيد وتقدمى وبهيج، ومضىء.
حكاية أولى
ويكفى أن نتذكر معا كلمات أحمد بهاء الدين أول رئيس تحرير للمجلة والذى يعتبر فى مكانة الأب.. منها ومن كثيرين من محرريها وكتابها ورساميها الأوائل، نتذكر اعترافاته بأنه قبل صدور «صباح الخير» كان يتزعم المعارضين لإطلاقها، وكان دافعه ومن معه، هو الخوف من الفشل، وكيف أن سيدة الصحافة المصرية «فاطمة اليوسف» كانت تشجعهم وتشد من عضدهم وتوجههم نحو النجاح، الذى تحقق وكان مفاجئا لهم فأيقنوا أن عليهم مواصلة التفكير الحر على الدوام.
وهذا الاعتراف الذى ينطوى على شجاعة أدبية نادرة كشف عنه بهاء ونشر تفاصيله على صفحات المجلة فى أحد أعداد السنة الأولى لميلادها، فكان أول مؤشر على سر أسرار نجاح هذه المجلة الفريدة.

حكاية قبل الأولى
والحقيقة أن هذه الفضيلة التى أسميها الشفافية ليست جديدة على مجلتنا فقد أسستها وبرعت فى التحلى بها السيدة «فاطمة اليوسف» العظيمة نفسها فى أول أعداد المجلة التى أنشأتها منذ مئة عام وملكت شجاعة تسميتها باسمها الفنى الذى اشتهرت به كسيدة المسرح المصرى.
ولنقرأ معًا كيف واجهت هذه المرأة الرائدة اعتراضات بل وسخريات من سخروا من مشروعها غير المسبوق بإطلاق مجلة جديدة تهتم بالثقافة والفنون وتضع عليها اسمها.
ماذا فعلت؟
أصدرت العدد الأول ووضعت فى صدره فى الصفحة الثالثة نص مقال الأديب الساخر الشهير إبراهيم عبد القادر المازني، وفيه اعتراض على قيامها بإصدار مجلة بينما هى من أعلام فن المسرح.. وتزداد حدة قلم المازنى وسخريته فى اعتراضه على إطلاق «روزاليوسف» اسمها على مجلتها الجديدة ويعتبر هذا كله مجرد «نزوة» ليس إلا.
ويكتب: إذنْ، لماذا تعالج السيدة روز فنا غير الذى خلقت له وهيأت لها فطرتها أسباب النجاح فيه؟ لا أدري، فلعلها نزوة.
ويمضى قائلا: وأحسب أن من قلة الذوق أن تكون هذه كلمتى إليها فى أول عدد من مجلتها، ولكن عذرى أنى أشد إعجابا بفنها.. هناك إذن على المسرح مجالك يا سيدتى فارجعى إليه، وإذا أبيت إلا المجلة فلتكن سلوى لا شغلانا.
بهذه الشفافية تم نشر مقال المازنى فى أهم صفحات العدد الأول، ثم جاء رد «روز اليوسف» بتواضع ملموس فى النصف الأسفل من الصفحة السابعة (المجلة 16 صفحة).
وتضمن ردها على وصفه لإقدامها على إصدار المجلة بأنها نزوة فقالت:
ولكن الأستاذ لا يريد إلا أن يسميها نزوة.. لتكن كذلك، أعتقد أن كل عمل مجيد يكون فى أوله نزوة طارئة ثم يستحيل إلى فكرة فإذا رسخت أصبحت يقينا فجنونا.
بهذه الشفافية والشجاعة الأدبية قام صرح عظيم فى عالم الصحافة المصرية اسمه مؤسسة «روزاليوسف».

حكاية ثانية
ومثال آخر، قدمه لنا فتحى غانم فى أحد أعداد عيد ميلاد «صباح الخير» حيث نشر نص رسالة شخصية من أحد المحررين تكشف عن لحظة شعوره بالإحباط تجاه عمله:
يا عزيزى الأستاذ فتحى.. أحيانا أشعر أن ما نكتبه مجرد ملء صفحات لنقبض مرتباتنا فى نهاية الشهر.. إن شعورا يسيطر علىّ أننى وزملائى «عبيد» للمطبعة... يثور سؤال يعذبني: هل نكتب ما نريده نحن أم نكتب ما يريده الناس؟
ويستطرد مفيد فوزى فى تساؤلاته التى ينشرها رئيس التحرير بالنص فى العدد الصادر يوم 21 مايو 1964 وبدون خوف أو تردد.
إنها - كما نرى - هذه الروح الشفافة التى لا تخفى شيئا من مشاعرها وخلجاتها..
وحكاية ثالثة
أتذكرها الآن، كتبها عبد الله الطوخى فى سيرة حياته ونشرت فى «صباح الخير» يقول فيها إنه فى سنة من سنوات عمله فى المجلة حدث أن صدر قرار المدير العام إحسان عبد القدوس بتوزيع العلاوات المالية السنوية على محررى المجلة، واكتشف عبد الله أنه الوحيد من بين كل المحررين والرسامين الذى لم يحصل على زيادة فى مرتبه، فاتجه غاضبا إلى مكتب إحسان ودار بينهما حوار غاضب من طرف عبد الله وهادئ من جانب إحسان الذى راح يشرح له أن البيانات وكشوف الإنتاج التى قدمت لى تقول إنك لم تكتب طوال السنة إلا قصصا وروايات!
فثارت ثائرة عبد الله الطوخى وهتف بما معناه: وهل الأدب ممنوع فى المجلة يا أستاذنا فى الأدب؟.
وانتهت «الخناقة» بأن وعد الأديب إحسان، زميله الأديب عبد الله الطوخى بأن يصحح هذا القرار الذى اعتمد فيه على بيانات إدارية لم تنتبه لقيمة الأدب فى الصحافة.. وفى «صباح الخير» خاصة.
وكان نشر هذه الواقعة بتفاصيلها على صفحات المجلة أحد ملامح ما أسميه سر أسرار «صباح الخير».. الشفافية. فأين يمكن أن يجد القارئ مثل هذه الوقائع منشورة فى المجلة نفسها؟

وحكاية رابعة
روتها زينب صادق هى أنها فى بداياتها فى المجلة كانت تقوم بمتابعة ومراجعة أعمال إحسان عبد القدوس وقراءة البروفات، فاقتربت من الأديب الكبير، وعندما ظهرت لديها بوادر موهبة أدبية، نشرت فى «صباح الخير» أول قصة لها.. وكانت صدمتها عندما قرأت تعليقات أحد النقاد الساخرة التى كانت تؤكد أن إحسان هو كاتب هذه القصة وليس زينب.
فإذا بها تذهب إلى الأستاذ إحسان باكية مهزوزة شاكية من هذا الهجوم وهذا الاتهام، فقام إحسان بتهدئة روعها ثم سألها فجأة: من كتب هذه القصة؟
قالت: أنا يا أستاذ.
قال: إذن واصلى كتابة قصصك، فهذا هو ردك العملى على هذه التجنيات.
وواصلت زينب صادق إبداعاتها الأدبية ونشرت رواية تحوّلت إلى فيلم سينمائى.. وواصلت وفى مناسبة عيد ميلاد «صباح الخير» نشرت على صفحات المجلة حكاية هذه الواقعة التى غيرت مجرى حياتها.
وهل يكون ذلك إلا نموذجا جديدا للشفافية التى تتمتع بها المجلة.
حكاية خامسة
وهنا حكاية خامسة هى نموذج آخر رواه مفيد فوزى عن بداياته الأولى فى المجلة سنة 1957 حيث كان وقتها مسحورا بأسلوب محمد حسنين هيكل فى كتابة مقالته الشهيرة «بصراحة» فى «أهرام» الجمعة، فما كان من مفيد إلا أن قام بتقليد أسلوب هيكل فى موضوع قدمه لرئيس التحرير أحمد بهاء الدين الذى استدعاه وأعطاه - كما يقول مفيد - درسا مهما فى حياته الصحفية، قال له: نحن لا نريد هيكل آخر.. ما نريده هو أنت.. لا تقلد أحدا.. أكتب وابحث لنفسك عن أسلوبك وسوف يمضى بعض الوقت إلى أن تجده.
وكتب مفيد فوزى هذه الواقعة ونشرها أكثر من مرة فى المجلة.. فكانت من نماذج ما نسميه سر أسرار «صباح الخير»: الشفافية.
وفى الأسبوع المقبل نواصل