بهاء وصلاح ورجاء وبهجت وسرّ «اللمسة السحرية»

منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

كانت هناك ظاهرة لافتة للأنظار، فى عالم الصحافة المصرية خلال عقد الستينيات وما بعده فى القرن الماضى.. أسميها «اللمسة السحرية»..
فعندما يتقلد أحد الكتاب الصحفيين مسئولية مجلة من المجلات، فإنه إما أن ينهض بها ويعيد إحياءها ويزيد إقبال جمهور القراء عليها بلمسته السحرية القائمة على خبرته الطويلة، وذوقه.. وعلى الإخلاص للقارئ وتقديم كل ما يحتاجه من معلومات وأخبار وحقائق وملاحظات نقدية ما يحقق له متعة القراءة.. ولِمَ لا؟.
لكن ليس كل من أصبح رئيسًا للتحرير يتمكن من ذلك، فعرفنا منهم من يفتقد هذه الحاسة أو «اللمسة السحرية»..فلا يتحقق على يديه وتحت رئاسته أى تقدم يذكر للمجلة، بينما عشنا وشفنا آخرين يحققون المعجزات عندما يتسلمون المسئولية، فتزدهر المجلة التى كانت على وشك الانهيار.. وتسطع فى سماء الصحافة ويتنافس القراء على الفوز بها عددًا وراء عدد.
وهذه بالطبع موهبة يتمتع بها أناس ولا تتوافر لدى غيرهم.
وقد عايشت هذه الظاهرة وتمتعت بدروسها الصحفية، والذى لاحظته وأسجله هنا بفخر هو أن أصحاب هذه اللمسة السحرية التى تحيى المجلات الميتة، هم من عائلة «صباح الخير» نشأوا فى المجلة أو شاركوا فى تأسيسها أو خططوا لإصدارها، وأخذتهم دورة الحياة وظروف العمل الصحفى إلى مجلات أخرى.
ولدَىّ هنا أربع حكايات عن أصحاب اللمسة السحرية فى صحافة الستينيات:
مجلة للنهوض بالقارئ والوطن
أولها حكاية أحمد بهاء الدين أول رئيس تحرير لـ«صباح الخير»، ففى مرحلة لاحقة تم تعيينه رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة دار الهلال ورئيسًا لتحرير مجلة «المصور».. ومجلات «الاثنين والدنيا» و«المصور» وأحيانًا «آخر ساعة» تروى بالصور حكايات مسلية ووقائع مثيرة وتتناول حياة الفنانات الخاصة وبعض الأسرار الشخصية لنجوم المجتمع عمومًا.
فماذا فعل الأستاذ بهاء؟..
أعاد صياغة «المصور» لتصبح مجلة سياسية ثقافية تقف مع القارئ وتعمل على كسب ثقته وصداقته وتقدم له ما يفيده ويزيده علمًا ووعيًا بما يسمح له بأن يشعر بأن له حضورًا ويمكنه المشاركة فى صنع الأحداث وأن لحياته معنى وأن عليه أن يستزيد من المعرفة والوعى والثقافة، وألا يضيع وقته وعمره، فيما تقدمه صحافة الإثارة والفضائح والجرائم والثرثرة التى تخرب العقول وتشيع الإحساس باللا جدوَى.
قرأنا وشاهدنا كيف نجح أحمد بهاء الدين فى كسب صداقة القارئ من خلال احترامه وتوفير كل ما يهمه من المعلومات والمعارف والآراء والأخبار.. والنظر إلى المستقبل وأخبار مصر والعرب والعالم.
رأينا النجاح فى تحويل الصورة الصحفية الفوتوغرافية إلى خبر، وقيمة معرفية مضافة، حتى إن القارئ يشعر أحيانًا بالرغبة فى الاحتفاظ بها.
قرأنا المقال السياسى الذى لا يتعالى على القارئ؛ بل يقدم له الرأى والمعلومة ويفسح له مسافة ليكوّن بنفسه رأيه الخاص.

ولم يتوقف جهد وموهبة بهاء عند حد، فاستكتب أسماء ذات قيمة فى مختلف المجالات، فتحولت «المصور» إلى مجلة محبوبة ومقروءة من المتطلعين للنهوض بأنفسهم وبالوطن.
ولم يكتف بذلك؛ فقد امتدت لمسته السحرية إلى مختلف إصدارات دار الهلال، فتحولت مجلة «الهلال» الشهرية إلى مجلة لا يستطيع أن يستغنى عنها أى مثقف.
المايسترو يشرح فلسفته
معروف أن إحسان عبد القدوس كان خلال مرحلة الاستعداد لإطلاق مجلة «صباح الخير» قد كلّف صلاح حافظ بوضع تصوّر كامل عن المجلة وأفكار تحريرها وتبويبها وكل ما يخطر على باله من أفكار.
وكتب صلاح حافظ ملفًا ضم كل ما تفتق عنه ذهنه لمجلة ليست مثل أى مجلة.
وقدّمه لإحسان متوقعًا أن يلقى القبول وأن يتم تكليفه بتطبيق هذه الأفكار، لكن تم اعتقال صلاح لمدة ثمانى سنوات، فلم يحدث ذلك.
وروى هو بعد إطلاق سراحه كيف أنه كان فى معتقل الواحات يعامل كصاحب مشروع مجلة «صباح الخير».. لكن المشروع انطلق فى غيابه.
طبعا لا.
فكان يكتب فيها بجانب عمله فى مجلة «روزاليوسف»، وفى مرحلة لاحقة كان لويس جريس رئيسًا لتحرير المجلة ويجمع مواد كل عدد جديد ويذهب مع معاونيه إلى بيت صلاح حافظ كل يوم جمعة؛ حيث يقوم مايسترو الصحافة صلاح حافظ باختيار الموضوعات التى تصلح للنشر ويقوم بإعادة كتابتها بطريقته الجذابة ويلغى ما لا يرى أنه يصلح للنشر.. ويضع العناوين ويقترح الرسوم والرسامين.. وهى حكاية رواها لويس بنفسه وليس صلاح.
وكنت قد تحدثت عن إعجابى الشديد بهذا الكاتب الصحفى الفنان وكيف أنه كان يجمعنا حوله ويقرأ علينا مقالاته الأسبوعية فى «صباح الخير» بصوت جذاب يتمتع بعذوبة وألفة، وهى مقالات كان يوقعها باسم «أيوب أيوب».
أروى كل هذه المقدمة قبل الحديث عن «لمسة صلاح حافظ السحرية» التى ظهرت عند خروجه من المعتقل واستلامه لمجلة « آخر ساعة» وكيف حوّلها وكانت على وشك الإغلاق، إلى المجلة التى يبحث عنها الناس كل أسبوع.
وفلسفته التى تحدّث عنها فى أكثر من مناسبة.. بسيطة جدًا، وسهلة عندما تستمع إليها أو تقرؤها على لسانه، لكنها من النوع السهل الصعب.
يقول: تعامل مع القارئ كصديق تحبه ويحبك.. تفعل كل ما فى وسعك لترضيه وتحقق طلباته واحتياجه إلى المعرفة والوعى والنصح.
ويجب قبل كل شىء أن تكون صريحًا معه، وتحترمه وتشركه معك فى التفكير، وتقدم له ما يمتعه ويشعره بذاته وبأن له دورًا.
هذا ما فعله المايسترو بلمسته السحرية فى «آخر ساعة» وفى كل الصحف والمجلات التى حظيت بلمسته المدهشة هذه.

وجبة شهية لحشود القراء
هو أولاً من أبناء «صباح الخير» الأوائل، لكن عندما تسلم مسئولية مجلة «الدوحة» الثقافية الشهرية، قدم نموذجًا ممتازًا لهذا النوع من المجلات التى عادة ما تكون محدودة الرواج وثقيلة الظل ومنسية.
لمسة رجاء النقاش السحرية حوّلت مجلة ثقافية إلى مجلة لها حشد كبير من القراء، فقد كانت وجبة ثقافية شهية. وتكرر هذا من رجاء عندما تسلم مجلة «الإذاعة والتليفزيون» وهى كما نعلم مجلة كانت طوال حياتها تعتمد على تفاصيل برامج محطات الإذاعة وقنوات التليفزيون العديدة، ولذلك كانت تتمتع بأعلى أرقام التوزيع.
كان هدف رجاء: تحويل المجلة عالية التوزيع إلى مجلة يسعى للحصول عليها القراء كل أسبوع ليس فقط لمتابعة برامج الإذاعة والتليفزيون ولكن لقراءة مادتها التى برع رجاء النقاش فى تبويبها، ولعلنا نذكر أنه نجح فى نشر رواية نجيب محفوظ «المرايا» وكانت جديدة فى موضوعها وأيضا فى البناء الفنى المبتكر.
ومن نجاح إلى نجاح مستخدمًا لمسته السحرية، فى فن مخاطبة القارئ وتلبية تطلعاته، انتقل رجاء النقاش ابن «صباح الخير» إلى مجلة «الكواكب» وأحدث فيها نقلة نوعية لم تشهدها من قبل.. فأصبحت مجلة رفيعة المقام تعالج الفنون بأسلوب راق.. وببراعة وفن صحفى متميز.

اللمسة السحرية
أحمد بهجت، وهو أيضًا واحد من أوائل من عملوا فى «صباح الخير» فى أول عهد انطلاقها، ثم انتقل للعمل فى «الأهرام» وأصبح له عمود ثابت فى الصفحة الثانية لمع معه اسمه.
وعندما كلف برئاسة تحرير مجلة «الإذاعة والتليفزيون» فى مرحلة لاحقة، تحقق للمجلة نجاح كبير بسبب موهبته ولمسته السحرية وقدرته على كسب اهتمام نوعية متقدمة من القراء، وليس فقط من يشترون المجلة كدليل لمواعيد ومحتويات البرامج..
وفى الأسبوع المقبل نواصل.