الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
جغرافيا الدم  على أرض الشام

جغرافيا الدم على أرض الشام

يتصارع فى المشهد الداخلى السورى عدد من الميليشيات العرقية والعشرات من الجماعات الإثنية والطائفية التى تحاول أن توجد لها موطئ قدم للسيطرة والنفوذ فى المستقبل السورى غير الواضح ملامحه ونهجه، حيث تتوزع أيديولوجيتها بين اليمين واليسار.. وبين الإسلام المعتدل والمتطرف بشكل غير مألوف على الأراضى السورية ما قبل العام 2011.



فى الحلقة الرابعة والأخيرة من جغرافيا الدم على أرض الشام نستكمل خريطة التجمعات على الأرض السورية.

 

 

 

 داخل المشهد السورى المتشابك يبرز تنظيم حراس الدين «ذراع تنظيم» «القاعدة» الإرهابى فى سوريا، وأحد أهم التنظيمات الإرهابية الدموية فى بلاد الشام بعد تنظيم داعش، كما أنه ما زال لديه علاقة ملتبسة وغير واضحة بهيئة تحرير الشام التى قادت عملية «ردع العدوان»، و«غرفة العمليات المشتركة» والتى كانت أحد نتائجها الدراماتيكية إسقاط نظام الرئيس السورى السابق بشار الأسد فى 8 ديسمبر 2024. 

التنظيم الذى يعد مكونًا رئيسيًا فى خرائط الدم السورية، ارتبط قادته سمير حجازى الملقب بأبو همام الشامى الأمير الأول للتنظيم وأبو القسام الأردنى قائده العسكرى والقائد الأكبر للتنظيم خالد العارورى الملقب بأبو القاسم الأردنى وسامى العريدى الملقب بأبو محمود الشام وبلال خريسات الملقب بأبو خديجة الأردنى وفرج أحمد النعنع وأبو عبد الكريم المصرى، بعلاقات تنظيمية سابقة بجبهة النصرة.

قدرات قتالية

 المثير للقلق حول هذا التنظيم الإرهابى هو قوته القتالية حيث هناك تضارب فى الأرقام المتعلقة بعدد مقاتليه، حيث قدَّرت منظمة الأمم المتحدة عدد أفراده عام 2020، ما بين 3500 و5000 مقاتل ينشطون فى إدلب والمناطق المحيطة بها بينهم 60% مقاتلون أجانب غير سوريين ويُطلقون عليهم اسم «المهاجرين» فيما قدرت مصادر سورية عددهم بما يقارب 2000 عنصر، ويقوم التنظيم بشكل دائم بتوسيع قاعدة الاستقطاب لديه كما فعل مسبقًا بقبول بيعات من مجموعات سورية متباينة أبرزها جيش الملاحم وجيش الساحل وجيش البادية وسرايا كابول وسرايا الغوطة وكتيبة أبو بكر الصديق وأبو عبيدة بن الجراح وسرايا الغرباء وكتيبة البتار وسرايا الساحل وسرية عبد الرحمن بن عوف وكتائب جند الشام وكتائب فرسان الإيمان وقوات النخبة ومجموعة عبد الله عزام وكتيبة أسود التوحيد وغيرها من المجموعات الجهادية المسلحة الصغيرة. 

 

 

 

كما يحاول التنظيم التأكيد على أنه يتمتع بقاعدة دعم محلية وأنه ليس جهة هامشية حيث إنه كان يملك ما لا يقل عن أربعة معسكرات تدريب لمقاتليه ومن أجل تعزيز قوته وقدرته العسكرية، أقام تحالفات قتالية مختلفة كان أولها فى أبريل 2018 حين شكّل ما يسمى بـ«حلف نصرة الإسلام» وشكل «غرفة عمليات المؤمنين» فى أكتوبر 2018، وقام بشن حوالى 200 هجوم منذ إنشائه فى العديد من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها اثنا عشر موقعًا فى محافظة حلب، و16 فى محافظة حماة، و7 فى محافظة إدلب، و15 فى محافظة اللاذقية. 

أنشطة إلكترونية 

يشارك تنظيم «حراس الدين» بشكل كبير فى نشر أيديولوجيته فى أجزاء مختلفة من محافظة إدلب وباقى المحافظات السورية من خلال خلاياه الدعوية النشطة، فقد أنشأ مؤسسة دينية عبر «مركز دعاة التوحيد الدعوي» التابع له بقيادة أبو أسامة الشوكانى، وكان من أبرز دعاته أبو هريرة الشامى وأبو البراء المهاجر (الملقب بالتونسي) وأبو عدنان الشامى وأبو محمد الشامى وقسورة الشامى وأبو عبد الرحمن المكى.

وتركزت أنشطة المركز على خطب الجمعة، ومحاضرات الشباب، ومنتديات الدعوة العامة، وجولات الدعوة، والدروس الثقافية، وزيارات المستشفيات. كما يوزع أعضاء التنظيم بشكل مستمر منشورات تعبر عن أيديولوجيته عند نقاط تفتيش السيارات ويعلقون لافتات تروّج لأيديولوجيتهم أو فعالياتهم.

كما يحسن التنظيم استغلال الأنشطة والمصادر الإلكترونية للترويج لنفسه فقد سبق ونظم ما يقارب 100 فعالية فى 14 مدينة وقرية مختلفة فى إدلب وهناك الكثير من الفعاليات المماثلة التى لم يتمّ الإعلان عنها سوى بشكل محلى كما افتتح «مركز دعاة التوحيد الدعوي» ومدرسة صيفية للأطفال من عمر 5 إلى 10 سنوات فى سهل الروج، وفر فيها مواصلات مجانية وتعليم للغة العربية والإنجليزية والدراسات الدينية (القرآن والحديث والشريعة) والأنشطة الرياضية، كما عمل على إنشاء «هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» وقام أعضاء الهيئة بدوريات حسبة وتوزيع ملابس شرعية على طالبات المدارس.

 

 

 

يقوم التنظيم بجمع الأموال للأنشطة العسكرية له محليًا وعبر الإنترنت فى إطار حملات تحت عناوين متنوعة ومن تلك الحملات «حملة جاهزون» التى ينص مبدؤها التوجيهى على أن «المال هو ركيزة الجهاد ومن دونه قد تضعف قدرات المجاهدين» ويتم استخدام تلك الأموال فى شراء أسلحة متنوعة مثل الـ«كلاشينكوف ورصاص وقنابل وصواريخ وغذاء ووقود وعلاج طبي» للمقاتلين وجرحى العمليات وينشط التنظيم فى الدعاية لنفسه عبر رسائل حسابات «تليجرام» و«واتساب»، ويستخدمها فى تسويق حسابات مصرفية تابعة له يمكن إرسال الأموال إليه عبر تلك الحسابات حيث يتمتع بعض عناصره بمستوى معيّن فى الوصول إلى النظام المالى العالمى.

 

 

 

التنظيم القاعدى الذى صنّفته وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا كمنظمة إرهابية فى 2019 بعد ما يقارب عام من إعلان تأسيسه فى 27 فبراير 2018 وعرضت مبلغًا ماليًا فى إطار برنامج «المكافآت من أجل العدالة» لقاء معلومات عن قادتها، سرعان ما حل نفسه فى يناير 2025 فى توقيت مريب أثار التساؤلات حول دلالات التوقيت وأسبابها خاصة أن هذا القرار جاء بعد ما يقارب شهرين من تغير نظام الحكم فى سوريا. 

قطع الرؤوس

هذا الإعلان بالحل لم يشفع لقادتها بوقف استهدافهم من قبل التحالف الدولى لمحاربة تنظيم «داعش الإرهابي» والذى تم تأسيسه فى عام 2015 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والذى استهدف قادته خلال الثلاثة شهور الماضية بداية بالقيادى بالتنظيم محمد صلاح الزبير، والذى قتل يوم الخميس 31 يناير الماضى بطائرة مسيّرة من طراز «إم كيو 9» (MQ9) تابعة للتحالف جنوبى مدينة سرمدا شمالى إدلب بشمال غرب سوريا، ومرورًا بالقيادى العسكرى بالتنظيم محمد يوسف ضياء تالاى، الذى أعلن الجيش الأمريكى قتله فى ضربة فى 23 فبراير2025 وليس نهاية بقتل وسيم تحسين بيرقدار، وهو عضو بارز فى التنظيم وهو ما يعكس عدم ثقة واشنطن فى نوايا بقايا تلك التنظيمات الجهادية الإرهابية فى سوريا، كما أن الحل وإن كان خوفًا من الصدام مع القيادة الجديدة فى سوريا والفصائل المتحالفة معها.

«تنظيم حراس الدين» الذى يديره عناصر من يطلق عليهم قدامى «المجاهدين» الذين شاركوا فى الحرب فى أفغانستان والعراق بالرغم من أنه كان ضعيفًا فى عملياته فى الداخل السورى ولم يستطع استقطاب عناصر جديدة إليه خاصة من السكان المحليين فى مناطق انتشاره فى محافظتى إدلب ودير الزور السوريتين، كما أنه لم يستفد من خبرات قادته السابقين فى الحروب التى شاركوا فيها فى أفغانستان والبوسنة استمرت واشنطن فى وضع قادته فى مقدمة أولويات استراتيجيتها المعلنة فى مكافحة الإرهاب، والتى أطلقت عليها «قطع الرؤوس» والتى استطاعت من خلالها قتل عدد من قادته قبل 2024 وعلى رأسهم أبو محمد السودانى الذى قُتل فى 2020 بغارة جوية أمريكية وأبو حمزة اليمنى وأبو عبيدة العراقى، وأن الغارات الجوية الأمريكية فى سوريا تعد جزءًا من جهود متواصلة من قبل واشنطن لضرب وتعطيل وإضعاف الجماعات الإسلامية المتطرفة فى سوريا والعراق وأفغانستان وباقى أنحاء العالم، والتى تشكل «القاعدة» و«داعش» الجزء الأهم فى تلك الجماعات، حيث تجمعهما قواسم مشتركة تتفق على معاداة الولايات المتحدة الأمريكية وضرب مصالحها حول العالم، بالرغم من الخلافات الأيديولوجية بينهما. 

 

 

 

محاولة تعايش 

يحاول التنظيم الالتفاف على الوضع الحالى فى سوريا لكن التنظيم  الذى يؤكد دائما على أنه حل نفسه لا يعنى تخليه عن مشروعه الجهادى الذى سوف يستمر فى سوريا وباقى المنطقة وهو ما يتضح فى دعايته التى تركز على أن سقوط نظام الرئيس السورى السابق بشار الأسد ما هو إلا «اكتمال مرحلة واحدة من الصراع بين الحق والباطل كما أن التنظيم ما زال يحرض المسلحين التابعين له وغير التابعين له فى الفصائل الأخرى على عدم تسليم أسلحتهم، مما يعكس خشية من التنظيم من تفكيك بنيته القتالية على يد الإدارة الجديدة، ولكنه أيضًا يحاول التهدئة معها، فى خطاب مزدوج ومحاولة يائسة منه للحفاظ على ما تبقى من عناصره خصوصًا بعدما عانى التنظيم من تضييق شديد من قبل هيئة تحرير الشام.