الخميس 3 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

معلمين البهجة

«الدكتور شديد»، «الخواجة بيجو»، و«أبو لمعة»؛ ثلاث شخصيات تركت بصمة فى عالم «الكوميديا»، ومثّلت أعمدة أساسية لفن «الاسكتش»، الذى ساد بعد ثورة يوليو 1952، وطالما أضحكت الجمهور العربى عبر العديد من الأعمال الفنيّة فى الإذاعة، والمسرح، والتليفزيون.



ورُغم الشعبية التى حظيت بها تلك الشخصيات فى عالم الفكاهة؛ فإن أصحابها لم يحظُوا بالشعبية نفسها فى أدوار أخرى، ويمكن أن يُفسَّر ذلك بحصر هؤلاء الفنانين موهبتهم الفنيّة فى تجسيد تلك الشخصيات، التى تحوّلت مع مرور الوقت إلى مَشاهد ثانوية فى الأفلام السينمائية. 

ساعة لقلبك

بطريقته المُتفرّدة؛ طلَّ «الدكتور شديد» لأول مرّة، على جمهور الراديو من نافذة البرنامج الفُكاهى «ساعة لقلبك». إطلالة لم تنقطع على مدى عشر سنوات، حقق فيها نجاحًا كبيرًا، لم يتوقعه صاحب الشخصية الفنان الراحل محمد فرحات عُمر «1931: 1997».

ورُغم اختلاف الآراء حول مُبتكر شخصية «الدكتور شديد» ما بين السيناريست عبدالفتاح السيد، والكاتب الساخر يوسف عوف؛ فإن الثابت أن الشخصية استوحيت من طبيب دائم النسيان، وكان يتحدث بالطريقة نفسها؛ فيردّد عبارات «وماله يا أخويا»، و«يا رب يا أخويا يا رب»، «هو أنا أتعشيت ولاّ لسّه؟»، وهى اللزمات التى اشتهر بها «الدكتور شديد». 

 

 

 

ورُغم حالة «التوهان» التى تميّز بها الدكتور شديد فى التمثيل؛ فإن سمات شخصيته الحقيقية كانت على النقيض تمامًا؛ فعُرف بثقافته الواسعة؛ فيكفى تتلمذه على يد المُفكّر الكبير زكى نجيب محمود، الذى أشرف على رسالة الماجستير، التى تقدّم بها فرحات عمر وهو الاسم الحقيقى للدكتور شديد، حول «طبيعة القانون العلمى» عام 1965، والتى أتمّها برسالة الدكتوراه فى الفلسفة عام 1968، بعد تخرّجه فى قسم الفلسفة بكلية آداب القاهرة عام 1954.

زاول «عُمر» هواية التمثيل على مسرح الجامعة على يد المسرحى زكى طليمات، وحصل على كأس «يوسف وهبى» فى مسابقة التمثيل الجامعى، قبل أن يستهلَّ مشواره مع شخصية «الدكتور شديد» ببرنامج «ساعة لقلبك» الإذاعى. وتُشير بعض الروايات إلى أنه أدى أول دور مسرحى له على مسرح الريحانى، بمسرحية «30 يوم فى السجن»؛ فجسّد دور أمشير أفندى. 

وبسبب نجاح الشخصية؛ أصبح «الدكتور شديد» فقرة أساسية فى الكثير من الحفلات العامة، والخاصة، وحفلات أضواء المدينة؛ وعضوًا مؤسِّسًا بفرقة «ساعة لقلبك» المسرحيّة؛ التى استثمرت نجاح البرنامج الإذاعى، و«الاسكتشات» التى يُقدّمها نجومه.

وعُرف فرحات عمر بقناعته، وعشقه للتمثيل من أجل الفن وليس المال والشهرة؛ ويُلاحظ ذلك فى عدة مواقف؛ أبرزها عدم مشاركته فى وقائع التمرُّد، التى جرت أثناء تقديم البرنامج الإذاعى، أو العروض المسرحيّة مع فرقة «ساعة لقلبك»، للمطالبة بتحسين هيكل الأجور، أو ظروف العمل. 

وبسبب تلك القناعة؛ احتفظ المسرحى الراحل سمير خفاجى بـ الدكتور شديد، عند حلّ فرقة «ساعة لقلبك»، وإنشاء فرقته الجديدة «الكوميديا الجامعية»، بجوار فؤاد المهندس، وخيرية أحمد، ومحمد عوض، ومحمد رضا، وإستيفان روستى. كما رفض تدوين مذكراته، حتى لا تكون مادة للمتاجرة من دُور النشر. 

قُدمت شخصية الدكتور شديد فى عدد كبير من «الاسكتشات»، لعل أبرزها «نسب عالى»، «عودة ينسون»، و«حاجة تخربط» من خلال حلقات برنامج «ساعة لقلبك». ومن أشهر أعماله الاسكتش الذى قدّمه مع الفنان عبدالمنعم مدبولى بعنوان «شُغل سينما» فى برنامج «مجلة التليفزيون».

وبخلاف الاسكتشات؛ شارك الدكتور شديد بأدوار ثانوية فى عدة أفلام، منها «الست نواعم»، «إسماعيل يس للبيع»، «حياة امرأة»، «عودة الحياة»، «عريس مراتى». وأنتجت تلك الأفلام فى نهاية الخمسينيات.

ومن الأفلام التى شارك فيها فى الستينيات؛ «ثلاثة لصوص»، وهو من تأليف إحسان عبدالقدوس، «حكاية العمر كله»، «المجانين فى نعيم»، «حيرة وشباب»، «حياة وأمل»، «إسماعيل يس فى السجن»، «إشاعة حب»، «النصّاب»، «زوج للإيجار»، «فطومة»، «بنات بحرى»، «الأزواج والصيف».

 

 

 

وهناك بعض المَشاهد لا تزال عالقة فى أذهان الجمهور؛ منها مشهد فرحات عُمر وهو يلطم على خده فى فيلم «حماتى مَلاك»، وهو المشهد الذى تحوّل إلى «كوميكس» شهير على «السوشيال ميديا» حاليًا؛ وجسّد فيه «عُمر» دور الخادم بطريقة الدكتور شديد. 

وشارك الدكتور شديد فى عدة أعمال مسرحية، أبرزها «جوزين وفرد»، «مراتى صناعة مصرية»، «اسألوا الأستاذ شحاتة»، «كان من الأول»، «دوّر على غيرها»، «أنا من فيهم؟»، «الستات ملايكة»، و«طلع لى فى البخت»، والمسرحيّة الأخيرة كانت آخر أعمال فرقة «ساعة لقلبك». وشارك فى مسرحيتَىّ «البعض يفضلونها قديمة»، و«يا مدام لازم تحبينى» مع «الكوميديا الجامعية». 

ومن الجوانب المهمة فى حياة فرحات عُمر؛ ولِعه برياضة «الشطرنج»؛ فكان لاعبًا بارعًا ومُحترفًا فيها؛ فحصل على جوائز عدة فى بعض المسابقات عن نادى الزمالك.

وشهدت حقبة الستينيات؛ انسحابًا مفاجئًا وغير مُفسَّر للدكتور شديد من الوسط الفنى؛ فتفرّغ للعمل فى لجنة النشر بهيئة الكتاب، ووضع مؤلفًا عن فن المسرح. وفى عام 1968، وبعد حصوله على الدكتوراه؛ التحق بهيئة الإذاعة البريطانية؛ حيث عمل كناقد ومُعلّق على الأعمال السينمائية والمسرحية الفُكاهية العربية بالقسم العربى بالإذاعة فى لندن.

ولا يُعرف على وجه التحديد الأسباب التى دفعت الدكتور شديد إلى الانسحاب من الوسط الفنى. ولو صح الاستنتاج؛ فإن الأسباب يُمكن أن ترجع لظروف تلك الفترة؛ فـ فيها توقّفت إذاعة برنامج «ساعة لقلبك» عام 1964، وتشتت نجومه؛ وقبلها حُلت الفرقة المسرحية، وتوقّفت الفرقة الجديدة «الكوميديا الجامعية» بعد فترة، وتعثّرت باقى الفرق المسرحية بعد إنشاء مسرح التليفزيون عام 1962؛ فضلًا على حصر فرحات عُمر موهبته التمثيلية فى تجسيد شخصية الدكتور شديد، التى استهلكت على مدار سنوات.

وعاد «فرحات» مرّة أخرى إلى القاهرة عام 1977، وشارك فى بعض المسلسلات التليفزيونية، من بينها «زينب والعرش»، «أوراق الورد»، «أصل الحكاية»، «عودة الروح»، «الدنيا لما تلف»، «كبرياء الحب»، وغيرها. ومرّة أخرى يختفى الدكتور شديد عن الساحة، قبل أن يظهر فجأة عام 1996، من خلال المشاركة فى فوازير «غلطة فى صورة» مع وائل نور، وحنان شوقى. وكانت آخر أعماله مسرحية «كرنب زبادى»، وجسّد فيها دور «الجواهرجى»، لكنه لم يُكملها لوفاته.

ثنائى شهير

 الحوار المرح بين «أبو لمعة» الفشّار و«الخواجة بيجو» بـ لسانه «المعوج»، صنع أشهر ثنائى فى عالم الفكاهة العربيّة؛ فكانت «الاسكتشات» التى يُقدّمها الثنائى ضيفًا دائمًا داخل البيوت المصريّة، وفقرات أساسية فى الحفلات العامة والخاصة.

ويمكن القول إن برنامج «ساعة لقلبك» الإذاعى، كان له الفضل فى تقديم «الثنائى» لعالم الفكاهة، ومثّل نقطة انطلاق، وبداية لشهرته؛ فتوالت «الاسكتشات»، التى كان من أبرزها «صايم الدهر»، «مغامرات أبو لمعة»، «أبو لمعة قائد حربى»، «أبو لمعة يلاعب البرازيل»، «الجواسيس»، «أبو لمعة دكتور»، «أبو لمعة تاجر أسلحة»، وغيرها من المغامرات.

وكانت تلك الاسكتشات تقوم على قصص وهمية يسردها «أبو لمعة» عن موضوعات مُعينة، يستهدف منها استعراض بطولته الخيالية، وإبراز مغامراته التى يعجز عقل «الخواجة بيجو» أن يُصدّقها؛ فيردّد عباراته الشهيرة التى تعكس مدى دهشته، مثل «يا لخوتى.. يا النافوخ بتاع الأنا»، وكان ينطقها بلكنة الخواجات الأجانب. 

ومن القصص الطريفة؛ ما ذكره الكاتب الراحل محمود السعدنى فى كتابه «ملاعيب الولد الشقى»؛ عن استعانته بالثنائى «بيجو» و«أبو لمعة» فى إجراء حوار فُكاهى ساخر مع رئيس جمعية تُسمى نفسها «حتى شكة الشوكة بذنب»؛ اكتشفها «السعدنى» بالصدفة، أثناء تجوّله فى حى الحسين، ونُشر هذا الحوار فى «مجلة التحرير».

 

 

 

 أبو لمعة الفشّار

عمل الفنان محمد أحمد المصرى «1924: 2003»، فى سلك التدريس، حتى أصبح ناظر مدرسة ثم مسئولًا بوزارة التعليم، ولكن لم يمنعه ذلك من مزاولة هواية التمثيل؛ إلى أن جسّد شخصية «أبو لمعة» بـ«ساعة لقلبك»؛ فلازمته طوال مشواره الفنى.

ونبعت فكرة الشخصية أثناء عمل «المصرى»، مع صديقه أمين الهنيدى بالتدريس فى السودان؛ فكانا يُمارسان التمثيل أثناء العودة للقاهرة فى الإجازات. واتفق الصديقان على أداء كل واحد منهما الشخصية نفسها بالتناوب، وبدأ بذلك «المصرى»؛ فتجاوب معه الجمهور؛ فاحتفظ بالشخصية لنفسه.

و«أبو لمعة» شخصية مستوحاة من الواقع، للشخص الذى يسرد قصصًا وبطولات وهمية عن نفسه، وهى تشبه شخصية «أبو العربى» فى أيامنا هذه، وجسّدها الفنان هانى رمزى فى فيلم بالاسم نفسه. 

 من الشرقية

«بيجو مسفريتو كطليانو بستانو أرسيانو جندفلو كوكاج باولو فستاولو بولو فينو بيجو»، ذلك هو الاسم الكامل لـ«الخواجة بيجو»، كما ذكره عند تقديم نفسه بطريقته المعهودة لـ«شاويش البوليس» فى أحد الأفلام.

ولا يخفى على الكثير أن الفنان الراحل فؤاد راتب (1930 - 1986)، كان من القلائل الذين برعوا فى أداء شخصية الخواجة الأجنبى، والوحيد الذى جسّد تلك الشخصية بطريقة فكاهية تفرّد بها، ويُمكن تفسير ذلك الأداء المميز لشخصية «الخواجة بيجو» إلى تأثّره بـأبناء الجالية اليونانية بمصر.

وبسبب إتقانه فى تجسيد الشخصية؛ اعتقد البعض أن «فؤاد راتب» يحمل الجنسية اليونانية، ولكن فى حقيقة الأمر أنه كان مصريًّا؛ حيث نشأ فى ظلال عائلة مرموقة بمدينة الزقازيق فى محافظة الشرقيّة؛ فوالده هو أمين بك راتب، مدير التعليم فى الزقازيق. 

وعشق «راتب» التمثيل منذ صغره؛ وبزغت موهبته من خلال المسرح المَدرسى فى وقت مبكر، ما أهّله للالتحاق بالإذاعة عن طريق الإذاعى حسين فياض، وشارك مع عشرات الأطفال ضمن حلقات البرنامج الإذاعى «بابا شارو»، الذى قدّمه الإذاعى محمد محمود شعبان.

وبسبب حُبه للتمثيل؛ ظل «راتب» يتنقل بين كلية وأخرى مع بداية دراسته الجامعية، باحثًا عن فرصة للمشاركة فى المسرح الجامعى؛ فالتحق بكلية التجارة، لكنه فشل فى الانضمام إلى فريق المسرح بها؛ فقرّر وزميله نور الدمرداش، الذى أصبح مُخرجًا فى التليفزيون، تكوين فريق تمثيل خاص بهما.

فى عام 1948، عرض هذا الفريق مسرحية قصيرة على مسرح الريحانى، وشاهد «نجيب الريحانى» أحد تلك العروض، وأعجب بشخصية «الخواجة بيجو»، وقال لفؤاد راتب بعد العرض: «يا جدع انت مش بطّال، خليك فى التمثيل على طول». ومنذ هذا الحين، أصبح «راتب» تلميذًا فى مدرسة «الريحانى»؛ فشارك معه فى بعض المسرحيات، مثل «ذات البيجامة الحمراء»، و«آه من الستات». 

ومع سياسة برنامج «ساعة لقلبك»، التى تمثّلت فى اكتشاف المواهب الشابة؛ بدأت نجومية فؤاد راتب، من خلال تجسيد شخصية «الخواجة بيجو». ورُغم الشهرة التى حظيت بها تلك الشخصية؛ فإنها تسببت فى تحجيم موهبته فى التمثيل؛ فطغت على شخصيته الحقيقية، حتى إن الكثير عرفه بـ «الخواجة بيجو» دون معرفة اسمه الحقيقى.

وحاول فايز حلاوة- زوج تحية كاريوكا ومدير فرقتها- إخراجه من سيطرة تلك الشخصية؛ فقال له ذات مرّة: «هنسّيك إنك بيجو»، وبالفعل قدّمه بعيدًا عن هذا الدور فى مسرحية «حضرة صاحب العمارة»، مع «كاريوكا»، وبدر الدين جمجوم.

ومثلما فعل الدكتور شديد، وفى التوقيت نفسه؛ غادر «الخواجة بيجو» إلى الكويت عام 1968، بناءً على طلب شركة الأسمدة الكويتية؛ فتولى إدارة العلاقات العامة حتى عام 1972، ثم التحق بالعمل فى التليفزيون الكويتى، كعضو ومقرّر فى جميع اللجان، والاجتماعات، التى يعقدها التليفزيون. وأصيب هناك بالشلل النصفى، ولكن التليفزيون الكويتى تمسّك به، حتى عاد إلى القاهرة عام 1978.

ومن المهم أن نذكر أن «بيجو» أصيب بحالة اكتئاب عند عودته للقاهرة، بسبب تجاهله؛ فظلًّ مُعتكفًا فى منزله لا يسأل عنه أحد غير صديقيه فؤاد المهندس ومحمد عوض، حتى وفاته مُتأثرًا بأزمة قلبية أثناء مشاهدة مباريات كأس العالم فى زيارة لحماته عام 1989، وعُرف عن فؤاد راتب تعصبه الشديد للنادى الأهلى، حتى إن صالح سليم كان من أصدقائه المقربين.

 أسباب الخلاف

وأثناء وجود «الخواجة بيجو» فى الكويت؛ وقع خلاف بينه وبين «أبو لمعة»، والسبب أن «بيجو» قدّم برنامجًا فى التليفزيون الكويتى اسمه «أبو شلاخ»، وهى نفسها شخصية «أبو لمعة» ولكن بصبغة كويتية، الأمر الذى أغضب صديقه، ولكن «بيجو» وضّح له وجود شخصية «الفشّار» فى الكويت أيضًا.

وتحكى أرملة «بيجو» أنه فى صباه؛ أحب فتاة يونانية تُدعى ماريكا، كانت تسكن مع عائلتها فى الطابق الأول من المنزل، بينما تقطن أسرة المطرب عبدالحليم حافظ فى الطابق الثانى، وعائلة «بيجو» فى الثالث.

وبعد فترة من الإعجاب المتبادل؛ تعددت اللقاءات بينهما، حتى شاعت القصة بين أهل الحى على يد عبدالحليم حافظ؛ فمنعتها والدتها من الخروج.

وتسرد أرملته قصة أخرى؛ حيث أعجبت فتاة يونانية أخرى تُدعى «رينا»، بـ «بيجو» أثناء عرض له فى نادى الزمالك عام 1952، حضره عدد كبير من اليونانيين. وبادلها «بيجو» الإعجاب، وتواعدا على اللقاء؛ فاستعان «بيجو» بصديقه اليونانى المسيو يورجو، واصطحبه للترجمة؛ ولكن اللقاء تحوّل إلى مشاجرة كبيرة، والسبب أن «رينا» كانت ابنة عم وخطيبة «يورجو»؛ فانتهت قصة الحب بعد 48 ساعة فقط.