
د. رانيا يحيي
إيلاريا سفورتزا.. والعودة الأبدية
أهدتنى الشاعرة الإيطالية إيلاريا سفورتزا ديوانها الشعرى الأول بعنوان «العودة الأبدية»، ورغم أنه باللغة الإيطالية إلا أننى حرصت على ترجمة محتواه للاستمتاع بمضمونه، فالشاعرة تمتلك أحاسيس ومشاعر دافئة غاية فى الرقة والعذوبة، تتدفق المعانى والمرادفات ذات الرهف أثناء إلقائها للشعر، فهى حالمة رقيقة، لديها إنسانية طاغية، وإن كنت تستشعر لمسة حزن فيما تكتبه أو حتى فى إلقائها المتميز، بينما الغلبة دوماً لهذه القدرة الحسية على اختراق الوجدان بصدق العاطفة المتأججة دون حواجز، حتى وإن كان حاجز اللغة.
يضم الديوان قصائد منها «الكلام والصمت، إنها طريقة حياتى، المسافة، السم، الرغبة، الصباح، خذنى معك، المولد الجديد، الحقيقة، الحب، المستقبل، آخر يوم فى السنة»، وغيرها.
قسمت سفورتزا ديوانها إلى خمسة أجزاء، أولها قصائد الصمت، وعبرت فيها عن حيوية التناقضات فى توضيح المعانى وإبراز ما لديها من أفكار، وكيف تتوحد هذه التباينات لخلق حالة مكتملة فتنطلق البدايات من رحم النهايات، فمن الموت تبدأ الحياة، ومن الصمت يبدأ الحب!
هكذا تبالغ الشاعرة فى فلسفتها الحسية قبل الفكرية.
ومن تلك الانطلاقة تتوجه لقصائد النور، وينطوى نضجها العاطفى فى هذه المجموعة من القصائد على حالة النقاء التى ترتسم بها مرحلة البدايات فى كل ما يكتنف الحياة، فبهذا القدر من العفوية والفطرة والطهر تستمر الأشياء. وعبرت الشاعرة بكلمة النور لتؤكد قابلية بريقه على اكتشاف الحقائق واستبدال الجميل بالقبيح، والنقاء بالمتعكر، والنور بالعتمة.
أما الجزء الأوسط فكان لقصائد الرغبة، والتى ترجمت فيه إحساسها بلم الشتات وعدم الفصل بين الرغبة والغياب، فكل منهما يحتاج للآخر بقوته ومشاعره، وإن كان الجزء التالى يشير إلى قصائد الغياب إلا أن القارئ يدرك أنه استكمال لسابقه، حيث التعبير عما يجول داخل النفس البشرية من أحاسيس بالرغبة فى ملء فراغ الغياب، وبالتالى أنجزت الشاعرة هذين الجزئين بعدد من القصائد ذات الشحنات الإنسانية العالية.
بينما ينتهى ديوان إيلاريا سفورتزا بقصائد الذاكرة، والتى تعبر فيها عن المعنى الملتبس للحياة، فهى تظن أن عبق الحياة لا يتمثل فى الحاضر، وإنما فى الماضى، فمن خلاله يولد الشخص مرة أخرى، لينبت من جديد، فكأنما تعود بذاكرتها فى نوستالجيا لتحقيق العودة الأبدية المرجوة.
تشير سفورتزا لأهمية الزمن وقيمته، مشبهة وعينا به بإدراكنا لحواسنا الخمس «اللمس، والشم، والتذوق، السمع، والنظر»، فمهما ينقضى الوقت، نتذكر تلك الأوقات التى تبيناها فنقرر الاستمرار أو التوقف، لكنها ترى أن المشاعر الإنسانية التلقائية غالباً ما تقودنا للاستمرار الذى يعكس اليقين بالعودة الأبدية، وهو ما تضمره فلسفة الشاعرة، مرتكزة على إيمانها بالعودة حتى بعد اندثار الشيء أو انتهائه، فيمكث قادرًا على الحياة مرة أخرى من جديد مهما كان قاسيًا.
العودة الأبدية ديوان شعرى مفعم بالأحاسيس النبيلة، لصاحبته الرقيقة، ايلاريا سفورتزا أستاذة اللغة اللاتينية واليونانية والآثار الكلاسيكية بجامعة تروفرجاتا، وبقدر ما استمتعت بلطف مشاعرها السابحة على نهر الإنسانية أتمنى لها إسهامات شعرية تفيض بمداعبة بصيرتنا الكامنة لنظل دائماً باحثين عن العودة الأبدية.