الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

ما تيسر من سيرة الإسكندر

النص السريانى لا يتورع هنا بالذات عن الحديث المسهب عن كون «الإسكندر ذى القرنين» قد بنى أبوابًا معدنية ضخمة ساعدت العالم المتحضر على احتواء الهجمات البربرية، وهو ما يروى فى الكتابات المقدسة العائدة على أية حال إلى حضارات وشعوب، بعضها عاش، ودوَّن تلك التواريخ، قرونًا قبل مجيء الإسكندر المقدونى.



 

ترى ما هو العدد الحقيقى للمدن التى تحمل، وفى مناطق لا نهاية لها من العالم، اسمًا مشتقًا مباشرة أو بصورة مواربة من الاسم الذى حمله فى الزمن المقدونى الذى تلا الزمن الإغريقى مباشرة،  ذلك الفاتح الاستثنائى الذى قام  بغزوات مدهشة فى زمن قياسى جاعلًا من نفسه، ومن دون أن يدرى بالتأكيد، أول صانع لـ«العولمة» كما نفهمها اليوم فى تاريخ البشرية؟ من الصعب إحصاء تلك المدن الحاملة اسم الإسكندر، على وجه اليقين، ولكن فى المقابل، وحتى وإن لم يكن ابن فيليب المقدونى وتلميذ أرسطو هو الذى بنى تلك المدن حقًا، فإنه لم يدخل الأسطورة إلا بعد موته بزمن وهو بعد فى شرخ شبابه فى واحدة من غزواته الكبرى، وتحديدًا حين كان مقيمًا فى بابل إحدى دُرر تلك الغزوات.

 

 

 

وهو دخل الأسطورة على أية حال من باب عريض، باب أوصله السينمائى الأمريكى المشاكس، أوليفر ستون إلى ذروة العقلانية فى فيلم السيرة الذى حققه عن حياته قبل نحو عقد ونصف العقد من السنين. صحيح أن ستون وظّف فيلمه سياسيًا توظيفًا معاصرًا لنا، لكنه بدا الأقرب إلى التصور الحقيقى للإسكندر المقدونى الذى قدمه كواحد من البُناة بالمعنى الحرفى للكلمة، حتى وإن سجل عليه كثيرًا من المآخذ فى الوقت نفسه. 

لا والحقيقة أن الإسكندر الذى قدمه فيلم ستون بدا الأقرب إلى المعقولية ولا سيما عبر تصويره البديع للتوغل الشرقى الذى قام به الإسكندر، كما قدمه معماريًا كبيرًا، حتى وإن كان قد غمز من قناة تفيد بكونه البانى الحقيقى لكل تلك المدن التى حملت اسمه أو تنويعات عليه، وقامت حتى فى مناطق لم يزرها الإسكندر، بل ثمة شك فى أنه سمع بها أصلًا.

 

 

 

نص غريب

وهذا، على أية حال ما تحاول أن تقوله الباحثة الفرنسية مورييل ديبييه فى واحدة من أحدث الدراسات العلمية التاريخية التى صدرت عن الغازى المقدونى،  وهى دراسة ضخمة لا يقل عدد صفحاتها عن 650 صفحة تناولت جانبًا من حكاية الإسكندر، وتاريخه كان نادرًا أن دنا منه التاريخ الرسمى،  ويتعلق بتلقى شعوب الشرق الأدنى سيرة الإسكندر وأسطوريته. 

وهو تناول لا شك أنه يفترض دائمًا وجود أكثر من إسكندر واحد حتى فى منطقة الشرق الأدنى. فهناك الإسكندر التاريخى المقدونى الحقيقى الثابت وجوده فى التاريخ، والذى بنى عليه أوليفر ستون فيلمه، وهناك جملة من أبطال آخرين حملوا الاسم نفسه، منذ بلوتارخ فى الأقل، وانطلقت سيرتهم بصورة أو بأخرى من سيرة ذلك الإسكندر التاريخى لتتشعب فى مجاهل الحكايات الأسطورية جاعلةً من الإسكندر تارة ذا قرنين، وتارة رسولًا من رسل الآلهة، طورًا قائدًا منشقًا، وأحيانًا اسمًا مستعارًا لجنرال من غير طوائف البنائين. 

وبالنسبة إلى الباحثة الفرنسية، حان الوقت للفرز بين كل تلك التصورات، وهو ما تحاول فعله فى هذه الدراسة التى اعتمدت بصورة أساسية على ترجمة قامت بها المؤلفة نفسها لنص سريانى لم تعتبره مجهولًا تمامًا، يحمل عنوان «حكاية الإسكندر» يكاد يقدم عن الفاتح التاريخى صورة لا تشبه صورته المعهودة، ويمكننا أن نفترض أن أوليفر ستون لم يطلع عليها لأنه لو فعل لكان من شأنه أن يضم فرضياتها إلى فيلمه لما فيها من سحر وجاذبية بصرف النظر عن المغزى السياسى الذى تحمله، وهو مغزى يكاد يجعل من هذا الإسكندر نصف إله، ويفيد بأن الإسكندر الذى حملته التواريخ العربية يتحدر مباشرة من ذلك البطل الأسطورى السريانى بأكثر كثيرًا مما يتحدر من التاريخ الإغريقى - المقدونى المعروف، وحتى من دون أن يكون غير ذلك الذى بنى المدن وعولم العالم من خلال الإسكندرية المصرية بخاصة والتى بقيت على عولمتها حتى أواسط القرن الـ20 فى الأقل.

 

 

 

مصدران لتاريخ مدهش

صحيح أن الكتاب الذى نتناوله هنا ينطلق من الإسكندر التاريخى الذى نعرفه ليصب فى الأساطير التى تطربنا، محددًا أن تلك التصورات التاريخية إنما عرفها العالم القديم من خلال ما كتبه ذلك المؤرخ المدعو كاليستين الأولمبى ابن أخت أرسطو، الذى رافق حملات المقدونى ليصبح الكاتب الرسمى لسيرته الذى نقل عنه، بقدر متفاوت من الأمانة كل من بلوتارخ وبوليبى وديودرى الصقلى وآريين، وصولًا إلى الباحثين فى مكتبة الإسكندرية الذين اشتغلوا فى مصر منوعين على تلك السيرة ومضيفين إليها جوانب أسطورية تخص، بالأحرى، أبطالًا وغزاة آخرين.

ويبدو بحسب الباحثة أن ذلك كله قد صب فى القرون الوسطى فى طاحونة مترجمين وعلماء سريان أعادوا الاشتغال على تلك الوقائع التاريخية ممتزجة بالأساطير،  ليبدعوا ما سيعرف بـ«رواية الإسكندر» ذلك الكتاب الشرقى الهوى والهوية الذى فتن الباحثة الفرنسية لتعيد الاشتغال عليه انطلاقًا من أصله السريانى.

  ولعل ما فتنتها فيه هو توليفته التى،  إضافة إلى كونها تقدم لنا أساسًا، البطل المقدونى الحقيقى،  تؤسطره بصورة خلاقة وتفسر هوس مناطق الشرق الأدنى به، بل حتى بكونه واحدًا من الأنبياء قبل ولادة النبوة فى تلك المناطق من العالم. 

 

 

 

وهو على أية حال الأصل الذى ستبنى عليه صورة الإسكندر «الآخر»، التى تشعب الحكاية بصورة قد توحى بأن ثمة إسكندرات عديدين فى تاريخ البشرية. وهنا يبدو لافتًا إلى أن الباحثة ديبييه لا تزعم أنها أول من «يكتشف» هذا الكتاب، إذ تؤكد أنه معروف فى فرنسا وغيرها من المناطق الأوروبية منذ القرن الـ12؛ بل له هناك ما لا يقل عن دزينتين من التنويعات المتشابهة إلى حد ما، مؤكدة أن اللغة الفرنسية عرفت، وحتى القرن الـ14، العدد الأكبر من تلك التنويعات، ذاكرة، للمناسبة، أن بعض تلك التنويعات كتبت شعرًا، وبتلك العروض الخاصة التى استعارت اسمها من صاحب السيرة نفسه لتعرف بـ«الإسكندرية».

تنويعات شرقية

وإذ تتحدث الباحثة عن حضور هذا النص السريانى فى فرنسا والغرب الأوروبى عمومًا، تنتقل إلى حضوره فى الشرق الأدنى، وربما وصوله إلى الهند شرقًا، لتخبرنا كيف أنه يقترح للإسكندر توصيفات عديدة تجعله مختلفًا إلى حد بعيد من الإسكندر التاريخى. 

ولعل الأكثر أهمية بين تلك التوصيفات هما التوصيفان اللذان يضعه إلههما فى مصاف آلهة الأولمب ليبدو أقرب ما يكون إلى صورة السيد المسيح، فيما يضعه الثانى فى مصاف كبار الحكماء فى تاريخ الفكر الإنسانى. 

ففى المضمار الأول نجده وقد ولد من رحم أمه أولمبيًا ومن واحد من «آلهة» جبل الأولمب الإغريقى،  ولادة نفاد بأن الأب فيليب المقدونى قد رضى بها، إذ إنها تنضوى فى التقاليد الأسطورية الراسخة فجعله ابنه بالتبنى ووريث عرشه. 

أما فى المضمار الثانى فإن التقاليد الشرقية التى يكاد يجملها الكتاب السريانى،  تنسب إليه أقوالًا ومواقف وحكمًا مما ينسب عادة إلى لقمان الحكيم وسقراط وأرسطو، بل حتى أفلاطون. 

 

 

 

فهو فى نهاية الأمر، وكما هو ثابت ومعروف، تتلمذ على أرسطو الذى تتلمذ على أفلاطون المتتلمذ أصلًا على سقراط. ومن هنا نجده فى التقاليد الشرقية، عالمًا وحكيمًا وساحرًا وكيماويًا؛ بل حتى ضليعًا فى علوم الأرقام الفيثاغورية! إنه من صلب آلهة الأولمب إذًا، ومن سلالات الحكماء، غير أن نصوص الكتاب لا تبدو مكتفية بذلك، إذ ها هى تجعل منه نبيًا بل منقذًا حين تحل نهاية الأزمنة عدا عن كونها تجعل منه مقاتلًا شرسًا حتى فى القرنين السادس والسابع الميلاديين (بعد موته بـ10 قرون فى الأقل!) حين يحارب بسيفه واستراتيجياته جحافل الهون البرابرة الذين هاجموا أوروبا من شمالها الشرقى غزاة فاتحين. 

وهو قاتل أولئك بضراوة البطل المسيحى الفضيل، بحسب النص السريانى على أية حال، أى البطل المكلف أو المكلف نفسه بالدفاع عن العالم المتمدن ضد كل أنواع الهمجيات، بل إن النص السريانى لا يتورع هنا بالذات عن الحديث المسهب عن كون «الإسكندر ذى القرنين» قد بنى أبوابًا معدنية ضخمة ساعدت العالم المتحضر على احتواء الهجمات البربرية، وهو ما يروى فى الكتابات المقدسة العائدة على أية حال إلى حضارات وشعوب، بعضها عاش، ودون تلك التواريخ، قرونًا قبل مجيء الإسكندر المقدونى.