الخميس 3 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

«عمايل الكعك» تكسب الجاهز

العيد ليس مجرد تاريخ فى التقويم، بل هو حالة من الفرحة تصنع لتبقى، تبدأ من التفاصيل الصغيرة التى تنبض بها البيوت، وتنشر فيها أجواء البهجة، ويكتمل إحساسه بتجهيز الكعك.



تلك النكهة الأصيلة التى لا تكتمل الأعياد بدونها، فالكعك ليس مجرد حلوى، بل هو ذاكرة محفورة لمناسبة فى وجدان الأسر، وتعبأ رائحته بالدفء والتجمعات العائلية، حيث كانت تسهر الأمهات لتحضيره بأيديهن، وكأن كل قطعة منه تحمل بصمة حنين لأيام مضت، ويظل كعك العيد على طريقة زمان عادة تنافس كعك محلات «الهاى لايف».

مع اقتراب العيد، تنتشر رائحة الكعك والبسكويت فى الشوارع، سواء من داخل كبرى محال الحلوى، أو أفران الأحياء الشعبية، والمخابز الصغيرة بقرى الريف، حيث تجد كثير من السيدات، فيها بديلا اقتصاديا عن شراء الجاهز، مرتفع الثمن.

ومع مرور الوقت، تحولت تلك الأفران إلى ورش صغيرة لصناعة الفرحة، حيث تجهز الفطرة من كعك وغريبة وبيتى فور وبسكويت، بكميات أكبر وأسعار أقل، ما جعلها تنافس كبرى المحال، ليس فقط فى السعر، ولكن فى إعادة روح العيد إلى البيوت بكل تفاصيلها الدافئة.

فى الأحياء الشعبية، مازالت الأيام السابقة للعيد تتحول إلى مهرجان من البهجة، أمام مخابز «الفينو» والمعجنات، تتجمع النساء فى طابور الانتظار، بعضهن يحملن أكياس الدقيق والسمن والسكر والملبن والعجوة، يشاركن فى صناعة الكعك بأيديهن، بينما تفضل أخريات ترك الأمر للفرن، حيث يوفر المكونات ويقوم بالتجهيز، ليستلمن صوانى العيد جاهزة خلال يومين على الأكثر.

كيف أصبحت الأفران المحلية الوجهة الأولى لربات البيوت فى موسم الكحك؟ ولماذا تلجأ إليها السيدات رغم انتشاره جاهزا؟، ترصد مجلة «صباح الخير» تحولها إلى ورش لصناعة الفرحة، التى تحافظ على تقاليد العيد بأقل التكاليف.

 

 

 

الكعك الشعبى

فى الأحياء الشعبية وقرى الريف، تحولت الأفران والمخابز التقليدية فى موسم العيد، إلى ملاذ أساسى للسيدات اللائى يبحثن عن كعك بجودة عالية، ومذاق مميز، وسعر يناسب ميزانياتهن.

ومع ارتفاع الأسعار، أصبح اللجوء إلى هذه الأفران بديلًا عمليًا عن شراء الكعك الجاهز من محال الحلوى، حيث يتفنن الخبازون الماهرون فى صناعة المعجنات، ليبدعوا فى تحضير الكعك، والبسكويت، والغريبة، والبيتى فور، مقدمين حلا اقتصاديا بطابع منزلى.

وعند بعض السيدات، لا يقتصر الأمر على صناعة الكعك، بل أصبح الفرن مكانا للتجمع وتبادل الأحاديث والضحكات، حيث تحمل كل واحدة منهن أكياس الدقيق، والسكر والفانيليا، وقوالب السمن والزبدة، والمكسرات، ويجلسن بجوار الفرن، يراقبن عملية العجن والتشكيل، فى طقس جماعى يعيد إليهن روح البهجة، لذلك أصبح الفرن مسرحا لإحياء روح العيد بلمسة جماعية.

وتقول «أم حسن»، ربة منزل من أحد الأحياء الشعبية فى القاهرة، «قديما، كان إعداد الكعك يتم داخل البيوت، يستغرق وقتا طويلا، ولكن مع مرور الزمن وانتشار الأنواع المختلفة من الكعك الجاهز، أصبح شراؤه مكلفا، من الصعب التخلى عن فرحة تحضيره والاستمتاع بأجوائه.

 

 

 

تضيف: أصبحت أعطى المكونات لمخبز العيش القريب منى، حيث يقوم الخبازون بتجهيز العجين وتشكيله، بينما أتابع عملية الخبز حتى يكتمل، وبهذه الطريقة، أوفر نصف تكلفة الجاهز، وفى الوقت ذاته، أحتفظ بروح العيد وتقاليده كما اعتدنا عليها».

كما أن هناك بعض السيدات يفضلن عدم شراء المكونات وتحضيرها، ويتفقن مع الأفران على توفير جميع المستلزمات اللازمة، مقابل دفع التكلفة، بالإضافة إلى سعر الخبز والتسوية، وبهذا يصبح الفرن بديلا عمليا لمتاجر الحلوى، ولكن بأسعار منخفضة، مع إمكانية تحديد الكمية والنوع وفقا لرغبة كل سيدة، مما يمنحهن مرونة أكبر فى اختيار ما يناسب احتياجات أسرهن، دون تكبد تكاليف مرتفعة.

المكونات والتسليم

يقول الحاج سعيد، أحد أصحاب المخابز فى شبرا: إن صناعة المخبوزات لدينا تستمر طوال العام، حيث نركز على إنتاج خبز «الفينو» ومختلف المعجنات الأخرى، ولكن مع اقتراب موسم عيد الفطر، يتحول النشاط بالكامل إلى تحضير كحك العيد، حيث نعمل على مدار 24 ساعة بنظام ورديتين يوميا، لنتمكن من تجهيز كميات كبيرة من مختلف أصناف «فطرة العيد».

ويشير الحاج سعيد، إلى أن بعض الأسر لا تتيح لهم ميزانياتهم شراء الكعك الجاهز من المحال، لذلك يلجئون إلى المخابز حيث تكون الأسعار أكثر مرونة، مما يمنحهم القدرة على تجهيز الكميات التى يحتاجونها وفق إمكانياتهم.

وأوضح أن هناك سيدات يفضلن توفير المكونات بأنفسهن، بينما يتكفل المخبز بعملية العجن والتسوية، مما يمنحهن إحساسًا وكأنهن أعددن الكعك فى منازلهن، ويتم الاتفاق مسبقا على تكلفة المكونات وأجور التصنيع، ويستغرق العمل من يوم إلى ثلاثة أيام، حسب ضغط الطلبات، ومن هنا، ظهرت فكرة التصنيع مع توفير المستلزمات، مما ضمن لهن الحصول على كعك بمذاق منزلى، دون عناء تحضيره بأنفسهن.

ولا يقتصر الأمر على الأمهات فقط، بل يمتد ليشمل الأطفال الذين يرافقونهن إلى الأفران الشعبية، حيث يعيشون أجواء تحضير الكحك عن قرب، ويشاهدون بأعينهم مراحل التصنيع، بدءا من تشكيل العجين ونقش الكعك، مرورا بإعداد البسكويت حتى يتحول للونه الذهبى، وتفوح منه الرائحة، فهى تجربة حية تمنحهم سعادة غامرة، على عكس العلب الجاهزة المغلقة التى لا تكشف لهم سوى النتيجة النهائية.

 

 

 

وتحكى أمنية محمد، وهى أم لطفلين، عن تجربتها قائلة، «أحب اصطحاب أطفالى معى إلى المخبز ليروا كيف يصنع الكحك، حيث تغمرهم سعادة كبيرة وهم يشاهدون العجين وهو يقطع ويشكل، ويبدأون فى طلب إعداد أشكال مختلفة بدلا من الدوائر التقليدية، وكأنهم يضعون بصمتهم الخاصة فى كل قطعة، عندها أدركت أن العيد ليس مجرد يوم ننتظره، بل هو رحلة من التحضير والفرح تبدأ قبل أيام، وكل لحظة فيها تحمل مذاقًا مميزًا».

فى الذاكرة

داخل إحدى قرى الريف بمحافظة الشرقية، تحدث الحاج محمد سعيد، صاحب مخبزين كبيرين، عن إحياء العادات القديمة، حيث تعود الأمهات على الأجواء التراثية لصناعة الكعك اليدوى، كما يشاركن أطفالهن الفرحة فى كل خطوة.

 

 

 

يقول الحاج محمد، تبدأ النساء فى الحجز مبكرا، فالبعض يفضل إحضار مكوناته بنفسه، بينما تطلب أخريات منا توفيرها، ونخصص يومًا لكل مجموعة لضمان حصول كل سيدة على حقها فى التسوية دون تأخير.

وهكذا، لم تعد الأفران الشعبية مجرد بديل اقتصادى، بل أصبحت امتدادًا لروح العيد، حيث تكمن الفرحة ليس فى الكعك ذاته، بل فى صناعته، واللحظات التى تجتمع فيها الأمهات، ويتبادلن الضحكات والروايات، بينما فى الخلفية، يصنع الفرن ذكريات ستبقى نابضة بالحياة لسنوات طويلة.