الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الضاحك الحزين

«الكوميديان الأكبر».. هكذا أراه، يضحكنى ببديهيته وطلته المحببة لدىّ فتفرحنى كواحدة من مُسَلمات الحياة، هو الضحكة الصافية.. والحزن المتجذر!



أحب صوته.. نعم! حين يغنى أشعر بودّ وألفة، لى معه حكاية: عندما أوشكت أن ألد ابنى، كان شهر رمضان على الأبواب، بدأت إحدى القنوات التليفزيونية فى إذاعة مسلسل يحكى قصة حياته، وكان تيتر المسلسل بصوته «عينى علينا ..أهل الفن يا عينى علينا» فى المقدمة.

ثم «ما تستعجبشى.. ما تستغربشى.. فيه ناس بتكسب ولا تتعبشى.. وناس بتتعب ولا تكسبشى» فى تيتر النهاية، وكنت مجبرة على البقاء فى السرير، وأنجبت ابنى فبقيت لآخر شهر رمضان طريحة الفراش، وكان المسلسل جميلًا للغاية، حميميّا واستطاع بطله الفنان أشرف عبدالباقى، أن ينقل لى الإحساس بسُمعة.

لم أكن أعرف شيئًا عن طفولته الحزينة، وفرحت بنجاحه، وصرت أنتظر المسلسل كل ليلة ثم أشاهده فى الإعادة نهار اليوم التالى، شعرت أنه صديق يؤنس تلك الأيام التى لم تكن سهلة، ورُغم أننى كنت أعرف مسبقًا أن آخر أيام «سُمعة» لم تكن أحلاها؛ فإننى خدعت نفسى وصرت أتمنى أن يحدث ما هو غير متوقع، وهو ما لم يحدث بالطبع.

 

 

 

أعتقد إسماعيل يس أنه قد يصلح للغناء، قبل أن يعرف أنه سيكون مُخَلدًا فى عالم الكوميديا، لكن صوته أيضًا عاش بمنولوجات صالحة لا تزال حتى أيامنا هذه.

لقد عُرِضَ مسلسل «أبو ضحكة جنان» الذى يحكى سيرته الذاتية منذ عشر سنوات كاملة! وحقق وقتها نجاحًا مدويّا، وعادت منولوجاته لتذاع من جديد، وليبحث عنها مَن لم يعاصروه على «اليوتيوب»، ثم الآن وها قد مرّت السنوات العشر لا تزال محببة، وأنا على ثقة أنه لو أُعيد عرض المسلسل لحقق نجاحًا جديدًا.

وحده الفن الحقيقى يدوم، ووحدها سيرة الفنان الحقيقى تظل حية وصالحة للتعلم منها، وهكذا هى سيرة «سُمعة» الجميل ذى القلب الطيب والضحكة التى تسكن القلب.

من المؤكد أن «يس» هو فنان محظوظ، فقد حقق نجاحًا أسطوريّا، وهو إنسان محظوظ أيضًا، فقد انتقل من شدة الفقر إلى براح الثراء، رُغم أنه لم يستطع الحفاظ عليه ليكون سندًا له فى نهاية حياته، وعن نفسى لا أحب الحديث عن النهايات فى سياق التحسّر على «عزيز قومٍ ذل»، ولا فى إطار محاسبة الأشخاص الذين لم يدخروا «القرش الأبيض لليوم الأسود» و«ما عملوش حساب الزمن».

صاحب المزاج

«قل لى يا صاحب السعادة.. قل لى إيه هى السعادة؟».. أكثر جملة آمنت بأن «يس» ظل يدور فى فلكها، ربما لأنها تليق بمزاج فنان، فهل من فنان لا يشقى بأسئلة بلا أجوبة؟! وربما أنه غناها فى المنولوج الشهير محض صدفة، أو ربما اختار وتعمد أن يغنيها كى تخرج إلى العلن فيشاركها آخرين.. أى آخرين عسى أن يتحلل من ثقلها على روحه فحسب، وإن كنت أشك أنه قد عثر على الإجابة.

«أهل الفن.. يا أهل الفن.. يا عينى علينا» منولوج آخر له، لكنه يحكى حال كثيرين من جيله ومن تبعوه، فهم جيل أعطى الفن حياته عن غير رغبة فى مقابل ينتظرونه سوى حب الناس، ووهبوا أرواحهم فداءً للفن، عاشوا اللحظة فحسب؛ فخلدوها لكنهم عانوا بعدها، بعد أن خفتت الأضواء.. لا لعيبٍ فيهم، ولكنها قوانين السوق، وقد عانى «يس» بالفعل كثيرًا، قبل أن يقرأ المقبل من أيامه، فبالتأكيد أنها لم تكن تلك هى النهاية التى يريد أو التى يتوقعها، ولا العرفان الذى انتظره بعد أن أدى «أمانة» الفن.

«أبو ضحكة جنان».. «سمعة».. مولود برج العذراء الذى لا يعرف سوى العزيمة والإصرار لتحقيق ما يريد، وُلِدَ فى مدينة السويس فى 15سبتمبر 1912، وانتقل إلى القاهرة، باحثًا عن فرصته كمطرب، وهو ما لم يتحقق بالطبع، فلم تكن مواصفات الطرب تنطبق على صوته، ولم يكن وسيمًا ليحفر لنفسه طريقًا فى عالم النجومية فى ذلك الوقت حين حل إلى القاهرة فى ثلاثينيات القرن الماضى، لكن هذا لم يعنِ أن الحظ لم يكن حليفه، فلكل مجتهد نصيب، كانت الحياة تدخر له نجومية من نوع آخر ككوميديان عظيم ومنولوجست درجة أولى، بل أن صُنِفَ كأحد رواد هذا الفن فى مصر.

أكبر رصيد

مائتان واثنان وستون فيلمًا هى الرصيد السينمائى الذى حققه ابن السويس بطولة ودور ثانٍ ومشاركات بسيطة، ونحو ستين مسرحية، كان منها خمسون لفرقته المسرحية التى أسسها من عام 1954 حتى 1966، منذ جاء إلى القاهرة فى بداية الثلاثينيات حتى رحل عن عالمنا فى عام 1972، لم يكن يعلم فى طفولته الفقيرة أنه سيحقق هذا الرصيد الفنى الضخم ولا كل هذه المحبة، وهو الذى نشأ محرومًا منها بعد أن توفيت أمّه فى بداية سنوات طفولته، واضطر لترك الدراسة للعمل، ثم ترك بيته هربًا من زوجة أبيه، ثم مدينته كلها ليهجر بيع الأقمشة متجهًا إلى عاصمة النور العربية فى ذلك الوقت القاهرة، باحثًا عن حلمه الكبير وهولا يزال ابن السابعة عشرة، وقد كان له ما أراد.

ولم تكن رحلة الفتى الوحيد الفقير سهلة فى عاصمة الفن، لم تضحك له الأقدار بسهولة، وهو بلا عائلة ولا مال ولا وسامة، ولم تكن موهبته قد بدت واضحةً بعد، عمل صبيّا فى المقاهى، ومع راقصات الأفراح، عمل فى مكتب للمحاماة، قبل أن يبدأ فى غناء المنولوجات فى الإذاعة، وكان يكتبها له أبو السعود الإبيارى شريك مشواره الفنى.

 

 

 

سنوات طويلة قبل أن يعرف «يس» طريقه إلى شاشة السينما، وهو الأمر الذى حدث بحلول العام 1939، حين شارك فى فيلم «خلف الحبايب» من إخراج فؤاد الجزايرلى، فترة عمله الفنى الذهبية كانت الخمسينيات، فقد وصل به الأمر إلى أنه مَثلَ فى أحد الأعوام ستة عشر فيلمًا، وكانت أفلامه هى الأعلى إيرادًا فى مصر والدول العربية، وبالطبع كان يعنى كل ذلك ثراءً حقيقيّا، لكن هل دومًا يستمر الثراء؟ لا بالطبع، فهو يحتاج لشروط كى يستمر أو ليؤتى ثماره مدى الحياة، وإلا فإن البديل هو الفقر المؤكد الذى يطل دون تمهيد.

فهل جهز ابن السويس الفقيرة نفسه لهذه اللحظة؟ من الواضح أنه لم يفعل، وكان يعيش حاضره وحسب على اعتبار أنه «اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب» انتقامًا من سنوات الفقر الطويلة، ورغبةً فى إسعاد أسرته، زوجته التى يحبها بجنون، وابنه الوحيد الذى أصبح فيما بعد المخرج يس إسماعيل يس.

ترد سيرة إسماعيل يس دومًا ضمن قصص الفنانين الذين انتهت حياتهم نهايات حزينة، بسبب تعرضه للفقر الشديد بعد أن ذاق حياة الثراء، وإحساسه بالحزن الشديد، وشعوره بالخذلان مما حوله، هى قصص يبدو أن الجيل الجديد من الفنانين استوعبها جيدًا؛ فًاصبح يتعامل مع مكاسبه من الفن باعتبارها غير دائمة فيقوم باستثمارها فى مشاريع تجارية، كى لا يكون الفن هو مصدر دخله الوحيد، تحسبًا لتقلبات الزمن.

بعد أن كان إٍسماعيل يس ملء السمع والبصر ونجم الشباك الأول طوال فترة الخمسينيات، تغير الحال بعد أول عامين فى فترة الستينيات، وأصبح عمله أكثر من خلال المسرح، وبمرور السنوات تراكمت الديون بسبب نقصان الدخل، والضرائب، وبيعت عمارته ما أصابه بالحسرة، واضطر للسفر إلى لبنان ليحصل على بعض الأدوار، ثم يعود إلى مصر بعد أن كبرت سِنّه، وخاب أمله، ليغنى منولوجاته مرةً أخرى، كل ذلك كان سببًا كى «تنكسر نفسه» ويصيبه بالمرض.

هى نهاية أكثر حزنًا بكثير من النهايات التى يضعها الموت، وأكثر بؤسًا من النهايات التى تليق بفنانين عظماء، وتراجيديا لا تليق بمن أضحك ملايين العرب ولا يزال.

انكسر قلب إسماعيل يس، فوافته المنية بأزمة قلبية، كانت ختامًا طبيعيّا لحزن استمر معه عدة سنوات وهو يشعر بالحسرة لما آل إليه حاله، واضطراره لتمثيل أدوار صغيرة كى يتقوت فحسب، نهاية حزينة تؤكد حزنًا كان مطلًا بوضوح فى عينيه منذ بداياته حتى وهو يمثل أكثر أدواره كوميدية، وربما أدرك فى لحظة النهاية.. أنه لا إجابة للسؤال الذى ظل يحيره «إيه هى السعادة؟» وأنه لا جدوى من التعب طالما أنه سيظل فى هذه الحياة «ناس بتكسب ولا تتعبشى.. وناس بتتعب ولا تكسبشى».