فرج فودة صدر عارٍ فى مواجهة رصاص التطرف

تقرير: حامد حافظ
فى الثامن من يونيو 1992 قُتل المفكر الدكتور فرج فودة أمام مكتبه برصاص مسلحَين ينتميان للجماعة الإسلامية الإرهابية.
وأثناء التحقيقات أعلن أحد القاتلين أنه قتله لفتوى عمر عبدالرحمن ـ مفتى الجماعةـ بقتل المرتد، وعندما سُئل القاتل من أى كتبه عرفت أنه مرتد؟ أجاب القاتل: أنا لا أقرأ ولا أكتب!
كتابه «الحقيقة الغائبة»، الذى يعتقد أنه جاء ردّا على كتاب محمد عبدالسلام فرج «الفريضة الغائبة» الذى يُعد الأساس الفكرى الأول لتنظيم الجهاد.
يقول فودة: «هذا حديث تاريخ وسياسة وفكر وليس حديث دين وإيمان وعقيدة، وحديث مسلمين لا حديث إسلام، وهو قبل ذلك حديث قارئ يعيش القرن العشرين وينتمى إلى أحداث بعضها يعود إلى الوراء ثلاثة عشر قرنًا أو يزيد، ومن هنا يبدو الحديث صعبًا على مَن يعيشون وينتمون لواقع ما قبل ثلاثة عشر قرنًا، ويقيمون من خلال معايشتهم وتبنيهم لذلك الواقع أحداث حاضر القرن العشرين».
يقدم فودة لكتابه بأنه «حديث سوف ينكره الكثيرون؛ لأنهم يودون أن يسمعوا ما يحبون، فالنفس تأنس لما تهواه، وتعشق ما استقرت عليه، ويصعب عليها أن تستوعب غيره، حتى لو تبينت أنه الحق، أو توسمت أنه الحقيقة».

قصة عقل
فى كتابات فرج فودة تراه يدعو إلى إعمال العقل والمنطق فى وجه دعوات الاستقرار والارتياح لما هو قائم، وعدم إشغال العقل بالاجتهاد.
فى مناظرته الشهيرة بمعرض الكتاب عام 1992 قُبيل اغتياله بأشهُر قليلة تحدّى فودة دعاة الدولة الدينية، وكان فى المناظرة الشيخ محمد الغزالى، والمستشار مأمون الهضيبى مرشد جماعة الإخوان الإرهابية فيما بعد، والكاتب محمد عمارة، بأن يأتوا ببرنامج سياسى للحُكم فى الدولة الدينية بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة.
وكان سؤال فودة محددًا: قدِّمْ لى برنامجًا سياسيّا لحل مشكلات البَطالة والإسكان وفقًا للشريعة التى تنادى بتطبيقها؟
لم يحصل فودة على البرنامج الذى طلبه من دعاة الدولة الإسلامية.
لكن الهضيبى طلب من فودة أن يقوم بكتابة برنامج سياسى للإخوان، فكان رد فودة بإحالة الهضيبى إلى برنامج حزب المستقبل الذى أسّس له فودة بعد استقالته من حزب الوفد ردّا على تحالف الوفد الليبرالى مع الإخوان التنظيم الدينى الإرهابى.

تحدّث فودة فى كتابه «قبل السقوط» عن الشريعة الإسلامية وقضية تطبيقها.
وفى كتابه «الحقيقة الغائبة» تحدّث عن الدولة الدينية فى وجه الدولة المدنية. وحذّر فى «النذير» من خطر تنظيم الإخوان، كما كشف جرائم التيارات الإسلامية فى كتابَيه «الملعوب» و«الإرهابى»؛ حيث فضح ألاعيب شركات توظيف الأموال وسرقتها لمدخرات آلاف المصريين، وفكك الأفكار التى وقفت وراء ظاهرة العنف فى مصر فى تسعينيات القرن الماضى.
ومثل كثيرين غيره كان فصل الدين عن الدولة؛ وفصل الدينى عن السياسى هو القضية الرئيسة لفودة.
فصل الدينى عن السياسى وليس فصل الإسلام عن الحياة وعن المجتمع. تتساءل، إذا كان فودة لم يأتِ بالجديد فلماذا قُتل هو دون غيره من مئات المثقفين والمفكرين من دعاة العلمانية على مَرّ العصور؟ الإجابة: تميزت كتابات فودة عن أقرانه من المجددين برشاقة العبارة، وجَمال الكلمة، ووضوح الفكرة، ونضوج المعنى، ثم والأهم أنه يحاول فعلًا، كما قال، أن يخاطب عقل القارئ عن قصد، ويؤرق ذهنه عن عمد، كما كان فودة أشد تأثيرًا وخطورة على خصومه من غيره من المثقفين.
يرى فودة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع المبدأ للدولة المدنية عندما قال «أنتم أعلم بشئون دنياكم»، كما أن تاريخ دولة الإسلام الأولى وهى دولة الرسول والخلفاء الراشدين تؤكد أن الله تعالى لم يحدد طريقة بعينها لاختيار العنصر الأساسى وهو الحاكم.
فقد اختلفت طريقة الاختيار فى ستة أحوال؛ اختيار أبى بكر اختلف عن عمر عن عثمان عن عليّ عن معاوية عن يزيد، بما يؤكد أن الأمْرَ متروك للاجتهاد والخبرة الإنسانية حتى تنضج الشعوب وتصل إلى نظام للحُكم ولاختيار حاكم ترضاه.
وهو بعد قضية اختيار الحاكم وشروطه التى يرى فيها أن فقهاء السُّلطان أرادوا تفصيل شروط بعينها لمصلحة فئة بعينها كاشتراط أن تكون الخلافة فى قريش، يتجه إلى مبدأ آخر وهو أن العدل لا يتحقق بصلاح الحاكم، ولا يسود بصلاح الرعية، ولا يتأتى بتطبيق الشريعة؛ وإنما يتحقق بوجود نظام حُكم. هنا هو يسرد النماذج من التاريخَين القديم والحديث.
فى التاريخ الحديث أورد نماذج دولة نميرى فى السودان التى عجّلت بتطبيق الحدود فكرّهت السودان كله فى الدولة الدينية وعجّلت بنهايتها.
ودولة الولى الفقيه فى إيران، كما أورد نموذجَين من الدولة الإسلامية الأولى لولايتَى عمر وعثمان، ولم يتحدث عن أبى بكر وعليّ لقصر مدة ولايتيهما ولانشغال الأول بحروب المرتدين والثانى بحروب الخارجين على حُكمه.

دين بلا سياسة
فى ردّه على دعاة الدولة الدينية وتطبيق الشريعة والقائلين بأن تطبيق الشريعة من شأنه إصلاح الأحوال من دون برامج حُكم سياسية، يقول فودة: «فعمر وعثمان من أقرب الصحابة إلى قلب الرسول وفهمه، والاثنان مبشران بالجنة، وللأول منهما وهو عمر مواقف مشهودة فى نصرة الإسلام وإعلاء شأنه، وهى مواقف لا تشهد بها كتب التاريخ فقط؛ بل يشهد بها القرآن نفسه، حين تنزلت بعض آياته تأييدًا لرأيه، وهو شرف لا يدانيه شرف، وللثانى منهما وهو عثمان مواقف إيمان وخير وجود، ويكفيه فخرًا أنه زوج ابنتَى الرسول، هذا عن الحاكم فى كل من العهدين.
أمّا عن المحكومين؛ فهم صحابة الرسول وأهله وعشيرته لا تحدث واقعة إلا تمثل أمامهم للرسول فيها موقف أو حديث ولا يمرون بمكان إلا وتداعت إلى خيالهم ذكرى حدث به أو قول فيه ولا تغمض أعينهم أمام المنبر إلا وتمثلوا الرسول عليه قائمًا ولا يتراصون للصلاة خلف الخليفة إلا وتذكّروا الرسول أمامهم إمامًا، وهم فى قراءتهم للقرآن يعلمون متى نزلت الآية، وأين، ولماذا إن كان هناك سبب للتنزيل، وباختصار يعيشون فى ظل النبوة ويتأسون بالرسول عن قرب وحُب، هذا عن المحكومين، ولا يبقى إلا الشريعة الإسلامية وهى ما لا يشك أحد فى تطبيقها فى كل من العهدين.
ومع ذلك فقد كان عهد عمر شيئًا وعهد عثمان شيئًا آخر.
فقد ارتفع عمر بنفسه وبالمسلمين إلى أصول العقيدة وجوهرها، فسَعِدَ المسلمون به، وصلح حال الدولة على يديه، وترك لمن يليه منهجًا لا يختلف أحد حوله، ولا نتمثل صلاح الحُكم وهيبة الحاكم إلا إذا استشهدنا به، بينما قاد عثمان المسلمين إلى الاختلاف عليه، ودفع أهل الحل والعقد إلى الإجماع على الخلاص منه، واهتزت هيبته فى نظر الرعية إلى الحد الذى دفع البعض إلى خطف السيف من يده وكسره نصفين أو حصبه على المنبر، أو الاعتراض عليه من كبار الصحابة، ووصل الأمْرُ إلى الدعوة الصريحة لقتله؛ حيث يروى عن عائشة قولها: «اقتلوا نعثلًا لعن الله نعثلاً».
يواصل فودة حديثه عن مأساة نهاية حُكم عثمان فيقول:
«وقد تتصور أن قتلة عثمان قد أشفوا غليلهم بمصرعه على أيديهم، وانتهت عداوتهم له بموته، لكن كتب التاريخ تحدثنا برواية غريبة ليس لها نظير سابق أو لاحق، وإن كانت لها دلالة لا تخفى على أريب: فالطبرى يذكر فى كتابه تاريخ الأمم والملوك :(لبث عثمان بعدما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه ثم حمله أربعة «حكيم ابن حزام وجبير بن مطعم ونيار بن مكرم وأبو جهم بن حذيفة» فلمّا وضع ليُصَلّى عليه جاء نفر من الأنصار يمنعوهم الصلاة عليه فيهم أسلم بن أوس بن بجرة الساعدى وأبو حية المازنى ومنعوهم أن يدفن بالبقيع فقال أبوجهم ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته، فقالوا لا والله لا يدفن فى مقابر المسلمين أبدًا، فدفنوه فى حش كوكب (مقابر اليهود) فلمّا ملكت بنى أمية أدخلوا ذلك الحش فى البقيع).
يقول فودة: أىُّ غضب هذا الذى يلاحق الحاكم حتى وهو جسد مُسجَى، ويُنتَقَم منه وهو جثة هامدة، ولا يُراعَى تاريخه فى السبق فى الإسلام والذود عنه، ولا عمره الذى بلغ السادسة والثمانين، ويتجاهل كونه مبشرًا بالجنة وزوجًا لابنتَىّ الرسول، ويرفض حتى الصلاة عليه أو دفنه فى مقابر المسلمين شأنه شأن أفقرهم أو أعصاهم.
هو غضب لا شك عظيم، وخطب لا ريب جليل، وحادث لا تجد أبلغ منه تعبيرًا عن رأى المسلمين، وأمرٌ لا يؤثر فى الإسلام من قريب أو بعيد.
ويكمل: فعثمان رضى الله عنه ليس ركنًا من أركان الإسلام؛ وإنما هو بشر يخطئ ويصيب، لكنك لا تملك إلا أن تتساءل: ألم يكن عثمان وقت اختياره واحدًا من خيار المسلمين، مبشرًا بالجنة وأحد ستة هم أهل الحل والعقد، وأحد اثنين لم يختلف المسلمون على أن الخلافة لن تخرج عنهما وهما عثمان وعليّ؟ .. والإجابة (بلــــى).
ألم يكن المسلمون فى أعلى درجات تمسُّكهم بالعقيدة، وأقرب ما يكونون إلى مصدرها الأول وهو القرآن ومصدرها الثانى وهو السُّنَّة؛ بل كان أغلبهم أصحابًا للرسول وناقلين عنه ما وصلنا من حديث وأحداث؟.. والإجابة (بلــــى).
ألم تكن الشريعة الإسلامية مطبقة فى عهد عثمان (رضى الله عنه)؟.. والإجابة (بلــــى).
هل ترتب على ما سبق (حاكم صالح ومسلمون عدول وشريعة إسلامية مطبقة) أن صلح حال الرعية؟
وتحقق العدل؟ وساد الأمن والأمان؟.. والإجابة (لا)».
هنا يصل فودة إلى النتيجة: «إن العدل لا يتحقق بصلاح الحاكم، ولا يسود بصلاح الرعية، ولا يتأتى بتطبيق الشريعة؛ وإنما يتحقق بوجود ما يمكن أن نسميه (نظام حُكم).
السلف والخلف
يستشهد فودة بعدد من الدعاة المخلصين الذين أقروا بأن ظروف المجتمعات الحديثة تواجه ما لم يواجهه السلف، وأن الديمقراطية بمعناها الحديث، وهو حُكم الشعب بالشعب لا تتناقض مع جوهر الإسلام، وأن اجتهادات المؤمنين الديمقراطية، التى تمخضت عن أساليب الحُكم النيابى، والانتخابات المباشرة، لا يمكن أن تصطدم بجوهر العدل فى الدين الإسلامى، وروح الحرية التى تشمل ويشملها.
ويضيف: «لكنهم واجهوا تيارًا كاسحًا من الرفض لما أملاه عليهم اتساع أفقهم، وفهمهم لجوهر العقيدة الأصيل، وانبرى زعماء التيارات الثورية والتقليدية فى نقد الآراء وتفنيدها، لا فرق فى هذا بين معتدل أو متطرف، ودونك ما نشر على لسان عمر التلمسانى وعمر عبدالرحمن وهو فى مجمله يرفض مقولة حُكم الشعب بدعوى أن الحُكم لله وأن الديمقراطية قد تعطل النص الشرعى بالرأى الشخصى».
يقولون إن المتنبى قتله شِعره، كذلك الحال مع فودة الذى خرج صوته عاليًا فى كتاباته وندواته ومناظراته سواء فى معرض الكتاب الذى حشّد فيه الإسلاميون أنصارهم بالآلاف وكأنها مواجهة لنصرة دين الله، أو فى نقابة المهندسين التى ظلت طويلًا معقلًا للتيار الدينى السياسى.
دخل فودة عُش الدبابير عارى الصدر فأصابته رصاصاتهم بفتوى من مفتيهم عمر عبدالرحمن.
وبعد القبض على قتلة فودة شهد محمد الغزالى أمام المحكمة بأن الدكتور فرج فودة بما قاله وكتبه بات فى حُكم المرتد، وأن تهمة القتلة ليست إلا الافتئات على الحاكم الذى له وحده تنفيذ الحُكم. حُكم الردّة.. الذى أفتى به مفتى الجماعة الإسلامية الإرهابية عمر عبدالرحمن.
إن قضية فودة كانت فصل الدينى عن السياسى.
وهو هنا يقول: «إننا جميعًا فى حاجة لإعادة توزيع الأدوار من جديد.. ليتكلم رجال الدين فى الدين، وليتكلم رجال السياسة فى السياسة. أمّا أن يرفع رجال الدين شعارات السياسة إرهابًا، ويرفع رجال السياسة شعارات الدين استقطابًا؛ فهذا هو الخطر الذى يجب التنبه له».