مائدة فى بيت «الرسول»

تقرير: بسمة مصطفى عمر
التحدى هو أول الطريق إلى المنافسة.. ومع حلول شهر رمضان من كل عام، يتسابق المتنافسون فى أعمال الخيرات برغم تنوعها، وتباينها بين عبادات وطاعات، وطقوس دينية، وعادات، باذلين كل غال ونفيس، والمزيد من الجهد والوقت، من أجل الفوز فى هذا السياق، طامحين فى أن ينالوا الأجر والثواب المضاعف من عند الله.
رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التى يمر بها المصريون، مثل باقى شعوب العالم، نتيجة التغيرات الاقتصادية والمؤثرات المحلية والخارجية، إلا أن ذلك لم يعق أو يثن فاعلى الخير عن الإنفاق فى سبيل الله. وتعتبر «موائد الرحمن» هى أشهر أوجه الإنفاق فى الخير، وأعلاها.
لذلك يحافظ منظموها على إقامتها كل عام، رغم تضاعف حجم الإنفاق نفسه، ولكنهم يسعون إلى تدبير هذا الإنفاق مع تقليل الكميات، مرتكزين على قاعدة «لقمة هنية تكفى 100»، وبما أن أهل الخير، والبر، والتسامح يجتمعون عليها، فإن «الجميع مدعوون لتناول الإفطار»، الغنى بجوار الفقير، فى مشهد لا يتكرر إلا فى فريضتين من فرائض الإسلام، هما «الصلاة والحج»، رغم أن مائدة الرحمن لم تكن فريضة وغير واجبة.

الخير يجمعنا
تنظم موائد الرحمن داخل خيام كبيرة فى الشوارع والأحياء الشعبية، وأمام المساجد، أو داخل دور المناسبات، لتقديم وجبات الإفطار التى تم إعدادها، وتشمل مكوناتها أطباقًا رئيسية ولا تخل مائدة من التمر والمقبلات والماء.
تساهم الجمعيات الخيرية، والأهالى مع بعضهم بهدف استمرار هذه العادة، حيث يعتبرونها واجبًا ألزموا أنفسهم به، وبالتالى لا يمكن التخلى عنه، معبرين عن جزء من ثقافة المجتمع المصرى وطابعه، والذى يحافظ دومًا على طقوسه وحملها ضمن روحانيات رمضان إلى الأجيال القادمة «والذين ما زالوا فى ريعان الطفولة والشباب»، تواصلًا لترسيخ القيم الدينية، ونقلًا للعادات التى تربوا عليها، وهى رسالة آبائهم وأجدادهم.
بدأت الفكرة فى صدر الإسلام، حيث كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يرسل وجبات الإفطار والسحور مع «بلال بن رباح» لأهل «الطائف».
وخطا الخلفاء الراشدون على دربه، حيث أسس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب «دار ضيافة» لإفطار الصائمين، فى حين ظهر مصطلح «مائدة الرحمن» فى عهد «الليث بن سعد»، وكان فقيهًا من الأثرياء ومحبًا لعمل الخير، وحرص على تقديم أشهى أنواع الطعام للصائمين، من خلال مائدة الرحمن التى كان ينظمها فى شهر رمضان، لمساعدة الفقراء والمحتاجين، وأطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى جده «عبدالرحمن».
وكان الخليفة أحمد بن طولون، يقيم مآدب الطعام للصائمين خلال الـ 3 سنوات الأولى من خلافته. وفى السنة الرابعة أعد مأدبة كبيرة للفقراء، ومعهم كبار الأعيان والتجار، وأمر هؤلاء الأعيان بفتح قصورهم، وإثراء موائد طعامهم بأفضل الأصناف وتخصيصها للفقراء، على أن تستمر طوال الشهر الكريم، وعاقب من تجاهل تنفيذ ذلك.
دار الفطرة
استمرت الموائد على هذا المنوال حتى عهد الفاطميين، وعرفت خلالها بـ «دار الفطرة» فكان يخرج من قصر المعز لدين الله ما يقرب من 1100 وجبة، لتوزع على الفقراء، إضافة إلى موائد بطول 500 متر تقريبًا، كما اختص بعض أصحاب الورش والمصانع بإقامة موائد صغيرة لإفطار العمال، والتى كانت تزين شوارع المحروسة.
وتراجعت هذه العادة فى عهد المماليك والعثمانيين، بسبب كثرة الحروب، ليعود إحياؤها مرة أخرى فى العصر الحديث مع المجتمع المدنى متمثلًا فى الجمعيات الخيرية، إلى جانب الموائد التى تنظم أمام الجامع الأزهر، لتنتشر بعدها موائد الرحمن على نطاق واسع فى كافة ربوع مصر، وتتنوع لتضم وزراء، وكبار رجال الدولة والدين والأعمال والسياسة والفنانين، وأصبح الجميع يتنافس فى تقديم أفضل أصناف الطعام فى موائدهم.
وإلى جانب الطابع الدينى والإنسانى الذى تقدمه الموائد، فهى تساهم فى تقليل مظاهر التفاوت فى المجتمع، حيث يجلس الجميع على نفس المائدة، بغض النظر عن وضعهم الاقتصادى أو الاجتماعى، فهى بذلك تخلق نوعًا من الوحدة الاجتماعية، التى تعكس روح الإسلام فى تعزيز التآلف والمساواة، كما تساهم فى دعم الأسر الفقيرة والأكثر احتياجاً، التى لا تستطيع تحمل تكاليف الطعام خلال شهر رمضان، حيث توفر لهم وجبات مجانية.

ضيوف الرحمن
يطلق على عابر السبيل «ضيف الرحمن»، وهو الذى على سفر أو مغترب عن بيته، ولكن خلال شهر رمضان الفضيل، يعتبر «عابر السبيل» هو الشخص الذى لا يستطيع الاستقرار فى مكان محدد خلال وقت الإفطار، سواء كان غنيًا أو فقيرًا، على سفر أو بلا مأوى أو مقيم، فهو ضيف الشرف على موائد الرحمن، حيث يتم استقبال الجميع بترحاب وكرم، لتناول وجبة الإفطار على نفس المائدة مجانًا.
الجديد هى مائدة الرحمن «الطيارى» فقبيل أذان المغرب، تنتشر على الطرقات مجموعات من الأفراد تضم كبارًا وشبابًا وأطفالًا، يوقفون السيارات لإعطاء الركاب وجبات خفيفة، غالبًا ما تتكون من التمر والمياه والعصائر، كما يعطون أيضًا «عابرى السبيل» المارة منها حتى «يكسرون صيامهم»، وينالوا ثواب إفطار صائم.
وهناك متطوعون آخرون يعدون وجبات طعام متكاملة وطازجة بالجهود الذاتية، وتوزع أيضًا بنفس الطريقة على سائقى سيارات النقل، والأجرة، والملاكى، مما يعطى روحًا من المحبة والإنسانية، فى مشاركة الجميع وقت الإفطار.
فنجد أن متطوعى رمضان، يساهمون من خلال هذا الدور الذى يقومون به، فى خلق حالة من الترابط والتماسك المجتمعى، وإزالة الفروق بين الطبقات، ويقرون بأنه شهر العطاء والتراحم، بين الناس، كما نجد مجموعة من هؤلاء الأشخاص يساعدون كبار السن، والمحتاجين فى الوصول إلى أماكن إقامة الموائد الرمضانية، ومشاركة الصائمين أجر الإفطار.