الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
السر وراء «مرسيدس بنز»!

السر وراء «مرسيدس بنز»!

فى العصر الحديث، يُعرف الألمان بأنهم «ملوك المحركات»، لكن هذه العلاقة بين ألمانيا والميكانيكا لم تأتِ من فراغ، فمنذ العصور القديمة، كان الإبداع الهندسى جزءًا من هويتهم، حيث لم تكن الآلات مجرد أدوات، بل كانت جسرًا يربط الأحلام بالواقع.



وسط هذا الإرث الصناعى العريق، ظهرت امرأة لم تكن مجرد شاهدة على التقدم، بل كانت محركه الأساسى، إنها «بيرثا بنز»، الرائدة التى لم تكتفِ بدعم الابتكار، بل خاضت بنفسها رحلة غيرت مسار التاريخ، ومهدت الطريق لثورة النقل الحديثة.

ولدت «بيرثا بنز» فى مدينة «بفورتسهايم» الألمانية، لعائلة تقدر التعليم والعلم. فمنذ صغرها، أظهرت اهتمامًا كبيرًا بالعلوم والتكنولوجيا، ما دفعها لدعم طموحات زوجها «كارل بنز»، فى تطوير أول سيارة تعمل بمحرك احتراق داخلى.

ذكر موقع «مرسيدس بنز»، أن «بيرثا وكارل» خلال فترة الخطوبة، كان وضعه المالى سيئًا جدًا، فاتخذت خطيبته قرارًا مصيريًا وغير أنانى، بأن قامت بسداد جميع ديونه من مهرها -كامل مهرها- حتى يتمكن من اتخاذ جميع القرارات بنفسه.

وبعد عدة سنوات، وبفضل إيمان بيرثا الراسخ بزوجها، واصل بنز عمله بالرغم من النكسات المتكررة.

وفى 1886، حصل على براءة اختراع لمركبته ذات العجلات الثلاث، التى تعمل بمحرك يعمل بالوقود تحت رقم 37435، فكان بمثابة شهادة ميلاد السيارة.

ورغم كل هذا، كان مستقبل السيارة شائكًا، إذ لم يصدق أحد أن العالم مستعد لتلك التجربة، لكن بيرثا رأت الأمر بشكل مختلف.

فى 1888، كانت شوارع مدينة «مانهايم» لا تزال نائمة عندما دخلت «بيرثا بنز» إلى ورشة زوجها، حيث كانت خيوط الفجر الأولى تعبر من خلال شقوق جدرانها، ودون إخبار زوجها، اتخذت قرارًا جريئًا، واصطحبت ولديها، وانطلقت بالسيارة فى رحلة غير مسبوقة لمسافة 106 كيلو مترات من مدينة «مانهايم» إلى مدينة «بفورتسهايم».

خلال الرحلة، تعطل المحرك.. فأصلحته، حيث كانت التلال شديدة الانحدار.. فدفعت السيارة مع أبنائها، ثم نفد الوقود.. وهم فى قرية فايسلوخ، فاضطرت للتوقف عند صيدلية لشراء «ليجروين» -وقود يصلح للسيارة آنذاك- وهو ما جعل تلك الصيدلية أول محطة وقود فى التاريخ.

حين وصلت لوجهتها، كان الخبر قد بدأ ينتشر، لقد تحقق المستحيل، ورأى العالم المستقبل، ولم تكن هناك مساحة للعودة إلى الوراء.

فى وقت لاحق، أدخل بنز تحسينات على تصميمه، وعزز ما أثبتت بيرثا أنه ضرورى، فلم تعد السيارة تجربة هشة؛ بل أصبحت ثورة فى الحركة.

فى الجانب الآخر من ألمانيا، كانت هناك رؤية أخرى تتشكل. حيث كان «جوتليب ديملر» و«فيلهلم مايباخ» يعملان بلا كلل على ابتكاراتهما الخاصة، ويطوران محركات يمكنها تغيير المستقبل.

ومرت السنوات، وتوسعت الطرق، وتسارع العالم.

ثم فى 1926، ورغم أن كلا الطرفين عمل بشكل مستقل، فإن مصائرهما كانت متشابكة، حيث اندمجا معًا لتولد شركة «مرسيدس بنز». إمبراطورية سيارات تشكل -وما زالت- العالم الحديث.

لكن التاريخ لا يُكتب فقط بأسماء أولئك الذين تُختم أسماؤهم على شعارات الشركات، بل إنه ينتمى إلى أولئك الذين يتجرؤون على المخاطرة، والذين يرفضون أن يقف الشك فى طريق الابتكار.

فى 2011، وبحسب موقع «مرسيدس بنز» أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» رسميًا فى سجل ذاكرة العالم براءة الاختراع الخاصة بـ «كارل بنز»، بصفتها رمزًا إلى ما وصل إليه مجتمع النقل فى العصر الحديث.

وفى كل مرة يدور فيها محرك، وفى كل مرة تنطلق فيها سيارة على طريق، فإن صداها يحمل رحلة بيرثا، واختراع بنز، والسعى الدؤوب نحو الابتكار وتحقيق فارق فى الحياة البشرية.