منبه رمضان

تقرير: بسمة مصطفى عمر
تختلف عادات المسحراتى من مجتمع لآخر.. تتباين طقوسه عبر الأزمان، ورغم ذلك يظل اسمه مقترنًا بـ «الطبلة»، فهو المنبه البشرى الذى يوقظ للسحور الرمضانى، لنيل البركة حسب قول الرسول «إن فى السحور بركة»، والقدرة على مواصلة ساعات الصيام بقليل من العناء والمشقة.
مع تطور التكنولوجيا يتلاشى دور المسحراتى عامًا تلو الآخر، ففى العصر الحديث يعتمد المسلمون على الهواتف الذكية لإيقاظهم، وهو ما هدد باختفاء صاحب طبلة رمضان، وبالتالي اختفاء الحرفة نفسها، إلا على استحياء فى المناطق الشعبية، والقرى الريفية التى ما زال المسحراتى معروفًا بها، حيث يحافظ صاحب الحرفة الذى كان شابًا فى بداية الألفية عليها حتى الآن، رغم الشيب الذى اعتراه، لكنه على خلاف الماضى أصبح غير قادر على توريث الشغلانة لأولاده الذين نموا فى عصر التكنولوجيا، معتبرينها عادة قديمة.
تختزن الذاكرة، ويدعمها التراث التليفزيونى، ألحان الفنان الشعبى الكبير الراحل «سيد مكاوى»، والذى سجلها التراث المصرى «مسحراتى منقراتى فى البلد جوال»، ويذيعها التليفزيون المصرى على قنواته الرئيسية فى كل ليلة رمضانية، فى محاولة للحفاظ على هذا التراث، ونقله للأجيال الجديدة، لربطهم بالفولكلور.
وتتردد فى الأفق نغمات مألوفة تحاكى الزمن، وتعيد للأذهان مشهدًا لا يتكرر إلا فى الطقس الرمضانى، ليهيئ الأجيال المتعاقبة لإعادة اكتشاف هذا المشهد كل عام، مع إضفاء أجواء جديدة بنكهات مميزة.

جولة ليلية
مع اقتراب ساعة السحور، ووسط سكون الليل، حين يكسو الظلام الأجواء الهادئة، نسمع صوت نقرة طبلة المسحراتى، مع ألحانه التى يعزفها بنفسه عبر نبرات صوته، التى تتباين بين الارتفاع والانخفاض، مناديًا على الصائمين مطالبهم بالاستيقاظ للسحور، ومداعبًا الأطفال الذين يناديهم بأسمائهم، لينظروا له من النوافذ والبلكونات، لتأكيد استيقاظهم، ومنحه النفحات الرمضانية.. بضعة جنيهات، تعبيرًا عن امتنانهم.
ولكن هل صحيح أن تلك العادة قاربت على الاختفاء؟ أم تغير دور تلك الشخصية الرمضانية القديمة؟
ترصد مجلة «صباح الخير» التحول الذى طرأ على مهمة المسحراتى الرسمية، وجعلته رمزًا للبهجة والفرحة التى ينتظرها الجميع والأطفال بصفة خاصة.
أكد خبراء الفولكلور الشعبى، أن حرفة «المسحراتى» من التراث الإسلامى الذى يرتبط بشهر رمضان الكريم، بدأت منذ العصر العباسى وتحديدًا فى عهد الخليفة هارون الرشيد، حيث كان يتطوع بعض الرجال للنقر على الطبول، لإيقاظ المسلمين من نومهم.
أما الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله، فكان يأمر الجنود بالسير فى شوارع القاهرة ليلًا، لإيقاظ الناس قبيل الفجر لوجبة السحور، ثم تطورت الفكرة وانتشرت فى جميع أنحاء العالم الإسلامى.
واشتهر المسحراتى بلباسه التقليدى، العباءة الفضفاضة وعمامة الرأس، كما تميز بطريقته الخاصة فى النداء، وهو يردد كلمات مثل «اصحى يا نايم وحد الدايم، وقول نويت بكرة إن حييت، الشهر صايم والفجر قايم»، والتى كانت تعزف على ألحان معروفة تتناسب مع جلال الشهر الكريم.
تراث
مع مرور الزمن وتغير العادات، أصبح المسحراتى شخصية رمضانية مميزة فى المدن والقرى على حد سواء. ولكن تغير دوره فلم يعد الشخص الذى يمر وهو ينقر على الطبول فى الليل، ليوقظ الناس لتناول السحور فقط، بل يحتفل الأطفال بجانبه فى الشوارع مهرولين وراءه فى مناطق إقاماتهم، مصفقين وراقصين على نقر الطبلة، ليضفوا طابعًا جديدًا إلى هذا التقليد الرمضانى.
ورغم تغير ملامح الشخصية الرمضانية، إلا أن المسحراتى لا يزال من الطقوس الحية والمتجددة، تعرفه الفئات الشعبية والبسيطة جيدًا، يستمتعون بفقرته الممتعة يوميًا، التى ينتظرها الأطفال بشغف وحماس فى مشهد مليء بالحيوية والتفاعل.
ورغم التطورات التكنولوجية، وتلاشى دور المسحراتى فى بعض المناطق خصوصًا فى المدن، إلا أنه يظل رمز البساطة والتواصل الإنسانى، حيث يتحول إلى حدث يومى يتفاعل معه جميع الفئات العمرية، وتسعى الأسر إلى تعزيز هذا الرابط، حيث تتحول علاقتهم بالمسحراتى إلى ود وشكر، ويجمعون مبلغًا من المال يقدمونه له فى نهاية الشهر، تعبيرًا عن امتنانهم لوجوده، والذكريات الجميلة التى يصنعها مع أطفالهم كل ليلة.