معاوية فى ميزان التاريخ

عادل سعد
لا يعرف التاريخ القهوة ولا يشرب الشاى، يعرف الفتن والمؤامرات الدامية، وبعضها يصعب تصويره، وتلك الروايات من الجاهلية إلى زمن الفتنة الكبرى، ومقتل على بن أبى طالب لينتهى زمن الشورى وخلافة المسلمين ويبدأ عصر الملك العضوض والوراثة.
كانت هند - أم معاوية - بنت عتبة أحد سراة قريش قبل الإسلام وسيد بنى عبد شمس، وكان حكيما كريما إلى درجة أن أحد الأعراب قال عندما عرف أنه مات: والله إن باطن الأرض خير من ظاهرها.

كانت قافلة قريش العائدة من الشام بآلاف الإبل بقيادة أبوسفيان بن حرب لجأت لطريق آخر هربا من احتمال اعتراض المسلمين للتجارة، ونجح فى أن يعود بها سالما إلى مكة، ليصيح طالبا الانتقام ممن يقطعون الطريق.
كانت معظم أموال القافلة التى نجت بفضل أبو سفيان ملكا لصهره عتبة، الذى أبدى رفضا للخروج لمحاربة المسلمين، مبديًا اندهاشًا أن يتحارب أولاد العم، ويجردون السيوف من أجل اعتراض لم يحدث.
عتبة صديق حمزة بن عبد المطلب هو صاحب الحديقة التى لجأ إليها الرسول صلى الله عليه وسلم من العدوان عندما دعا أهل الطائف للإسلام.
لكن صيحات أبو سفيان وأبو جهل تزايدت، وتجمهر القوم وعزموا على تأديب المسلمين وأهل المدينة. وخرج جيش جرار من مكة، معتبرا أن ما سيحدث نزهة، إلى درجة أن خرج مع الجيش مغنيات ونساء بينهن هند بنت عتبة.
وكانت هند خارجة من حادث صار حديث العرب.
تزوجت هند فى الجاهلية من فاكه بن المغيرة سيد قومه والزوج كان يتغيب أحيانا لأسابيع، واعتاد كعادة العرب أن يعقد خيطا فى الشجرحتى يعود لزوجته، فان وجد الخيط معقودًا كان بها، وإن انفك فقد خانته فى غيابه.
عاد الزوج فوجد الخيط منحلا، فأسرع إلى بيت الزوجية ولمح شبحا يخرج من هناك، ولم ينجح فى الإمساك به.فجرى نحو هند ووجدها نائمة. وانتبهت على صياحه بأنها خانت، وبعد تراشقات بين الطرفين حملت هند ملابسها غاضبة إلى بيت أبيها.

وشاعت الحكاية واشتد الخلاف، وأشار البعض على أبيها أن يحتكم إلى كاهن اليمن، المعروف بأنه لا يخطئ.
وهكذا خرج الجميع هند وأبوها، وزوجها وعشيرته، وآخرون، وفى الطريق سألها أبوها أن تتراجع حتى لايفضحهم الكاهن فأقسمت بأنها بريئة.
لجأ عتبة لوضع حبة بر فى إحليل بعير، وبمجرد وصوله سأل الكاهن عنها لاختباره، فأخبره بمكانها.
وعندما جاء الدور على هند الخائفة من الكاهن العجوزالممصوص أوقفها أبوها بين خمس نساء.
فمر الكاهن عليهن واحدة بعد الأخرى حتى وصل لهند فقال لها: انهضى رسحاء غير مسافحة وسوف تلدين ملكا تحتار فيه الجن والإنس.
وعلت الزغاريد ببراءة هند وهرول زوجها معتذرا يريد أن يعيدها بعد أن سمع نبوءة ابنها الملك فقالت: والله لن يكون منك.
وتقدم لهند أربعة من سادات قريش واختارت أبوسفيان سيد قريش.
وفى طفولته قال أبوسفيان عن ابنه وكان عظيم الرأس: سيكون سيدا فى قومه فقالت هند: لا كان ابنى إن لم يكن سيدا لكل العرب.
كانت تتذكر كل أيامها تلك وهى فى طريقها ليثرب لتأديب المسلمين.
كان عتبة يتعرض للسخرية طوال الطريق لأنه لا يريد أن يقاتل، وينصحهم بالعودة، وأن يقولوا أن عتبة يتحمل وزر الرجوع دون قتال، وشاع فى الجيش القرشى أن عتبة لم يكن فى العير ولا النفير، أى لم يكن مع التجارة ولا يريد الحرب.
ووصل الجميع على مشارف يثرب عند بئر بدر وعتبة ينصح القوم بالنكوص عن الحرب ورأى الرسول القادمين فقال: لو سمع هؤلاء لصاحب الجمل، وكان صاحب الجمل عتبة.
وهكذا التقى الجمعان وفوجئ سراة قريش بجيش المسلمين الفقراء والأنصار.
وكعادة الجيوش خرج ثلاثة للمبارزة، ووسط سخرية جيش قريش من أن عتبة حضر للمشاهدة، برز عتبة وأخوه شيبة ومعهم ثالث، واعترض عتبة على المبارزين لأنهم من الأنصار، وطلب مبارزة فرسان من قريش.
عندها دفع الرسول بحمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب وكان شابا حدثا ومعهم ثالث.
وجد حمزة نفسه فى مواجهة صديقه عتبة وكان جسيما ضخم الجثة واضطر لقتله، وقتل على بن أبى طالب شيبة، والثالث تضاربا وقتل القرشى.

أصيبت هند بالذهول قتلوا عمها وأباها ولما بدأت الحرب قتلوا أخاها الوليد، وتمددت جثث المشركين فى بدر وعلى رأسهم أبو جهل عمرو بن هشام وفر أبوسفيان ومن معه مثخنا بالجراح.
فى الليل بكى حمزة متأثرا بقتل صديقه وثار، وسب ولعن، وفى الصباح طيب خاطره الرسول.
عادت هند إلى مكة مكسورة لا هم لها إلا الانتقام لمقتل أهلها، واستنفار المقاتلين للخروج إلى المدينة.
لم تنس هند حمزة وما فعل، وكانت جزيرة العرب بحكم موقعها المنفذ الوحيد لتجارة الشرق والغرب، لوقوف الفرس فى مواجهة الروم، وكل أنواع الأسلحة فى العالم ترد مع القوافل، فكيف الطريق إلى قتل حمزة؟
رأت هند عبدا حبشيا عنده سلاح لا يعرفه أحد، القادم من غابات أفريقيا لديه حربه طولها متر يطلقها نحو الهدف لتقتله من على بعد 20 مترا ولا تخطئ.
استمالت هند وحشى العبد الحبشى، ووعدته بشرائه وإطلاق سراحه إذا نجح فى قتل حمزة بسلاحه الذى لا يتوقعه أحد.
وخرجت قريش يوم أحد وفى المعركة كان حمزة كالجمل الأورق يضرب بسيفين ولا يستطيع مجابهته أحد، لكنه تعثر فى حفرة وسقط على ظهره فانكشفت بطنه والدرع الواقى، فزرقه وحشى الذى ينتظر الفرصة بالحربة فأصابته أسفل بطنه فى مقتل.
وفى تلك المعركة انهزم جيش المسلمين، ويقال إن هندا هجمت على حمزة وشقت بطنه وأكلت كبده لكنها لم تتحمل ولفظتها واتخدت من جلده قلائد لتتزين بها.
وعبرت السنين بهند وزوجها والمسلمين، مرورا بغزوة الخندق وهزيمة الأحزاب حتى أشرق الصباح على خيول المسلمين وقد أحاطت الجبال يوم فتح مكة.
أصبح كل قرشى لا يأمن على رأسه وسرى صوت من يصيح: من دخل بيته فهو آمن ومن دخل بيت أبوسفيان فهو آمن.
كان معاوية طفلا فى العاشرة ولم يدخل الإسلام بعد كما يزعم المسلسل.
وانطلق صوت الرسول الكريم: ماذا تظنون أنى فاعل بكم؟
فقالوا صاغرين: أخ كريم وابن أخ كريم.
فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وبعد فتح مكة اضطر أبوسفيان وولده لدخول الإسلام, أما هند فقد ذهبت متنقبة بين مجموعة من النساء، وعرفها الرسول من مجادلاتها.
وعاهدن الرسول ألا يسرقن ولا يزنين فانبرت قائلة: وهل تزنى الحرة يا رسول الله؟ فتابع: وألا يقتلن أولادهن فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا.
وبدخول الإسلام بدأت صفحة جديدة، ولا صحة لما يقال أن معاوية أحد كتاب الوحى.
أصبح وحشى حرا وامتدت الأيام وانتشر الإسلام، حتى جاء يوم استمع لبعض المسلمين يقرأون: قل يا عبادى الدين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا.
استمع فى ذهول وكأن الآية نزلت على قلبه ومن أجله، فامتطى أسرع ناقة نحو يثرب، وهناك دخل على مجلس رسول الله فى مفاجأة للجميع، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاح متعجبا: أوحشى؟؟ وانتفض الجالسون وتحسسوا أسلحتهم.
فقال: نعم يا رسول الله.
أعلن إسلامه أمامهم جميعا.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اجلس واحكى كيف قتلت حمزة.
استمع الرسول وبكى وقال:
قبلت إسلامك لكن لا ترنى وجهك.
أسلم وحشى وحسن إسلامه، وبعد موت الرسول اندلعت حروب الردة، فخرج لمقاومتها، وكان مسيلمة الكذاب على رأس هؤلاء بعد أن ادعى النبوة وتزوج من سجاح، فأطلق وحشى حربته نحوه فأرداه قتيلا وعاش وحشى يردد: قتلت خير الناس.. وقتلت شر الناس.
عاصر معاوية أبوبكر وعمر، على أن نجم معاوية لم يبدأ فى الظهور إلا فى عهد عثمان رضى الله عنه عندما ولاه الشام ليمد أواصر قديمة عندما هاجر بعض بنى أمية قبل الإسلام للشام واستقروا ليصبحوا عزوة.
وتكشفت الأيام عن مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وتصدر على بن أبى طالب المشهد، طالبا الولاية، وطالب بعضهم وعلى رأسهم معاوية بالقصاص لقتل عثمان أولا، وانقسم صحابة المسلمين، حتى أن طلحة والزبير وقفا فى صف معاوية ضد على ومعهم عائشة أم المؤمنين.
لتبدأ مراسم الفتنة الكبرى, وتقابل جيش على من العراق بجيش معاوية من الشام بعد أن استمال عمرو بن العاص ووعده بولاية مصر.
أول أيام المعركة استشهد عمار بن ياسر، كان شيخا مسنا واندفع للصفوف الأمامية مدافعا عن الحق فقتلوه، وتوقفت الحرب.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بشر عمار قائلا: تقتلك الفئة الباغية.
وعرف الجميع أن جيش معاوية هو الفئة الباغية.وعلى الفور تحركت ثعابين بنى أمية، وصاح عمرو: هدا شيخ مسن هالك مكانه بيته كيف دفعوا به للحرب وللصفوف الأمامية؟ لقد قتله من جاء به.
واشتعلت الحرب من جديد.
وانفرد على بن أبى طالب وكان فارسا مشهودا بعمرو بن العاص، وأراد أن يقضى عليه وهو رأس الفتن، وأيقن عمروأنه مقضى عليه لا محالة ولا قبل له بمواحهة سيف على، فلجأ إلى حيلة وأنزل سرواله.
كان على كرم الله وجهه مشهورا بأنه لم ينظر لعورة أحد. فأدار وجهه وضحك وفر عمروهاربا.
وطلب على بن أبى طالب معاوية لينازله، ويقضى أحدهما على الآخر، لحقن دماء المسلمين، لكن معاوية ادعى الصمم ولم يسمع شيئا.
وأسروا فى موقعة الجمل السيدة عائشة أم المؤمنين، وهى تحض الناس على القتال مع معاوية، وطلب على كرم الله وجهه أن ينفرد بها، وأعادها معززة مكرمة، وبعدها لم تذكره إلا بخير.
وقتل ابن حديج وأنصار معاوية محمد بن أبى بكر فى مصر وكان مواليا لعلى بن أبى طالب وأحرقوا جثته فى جوف حمار، وظلت عائشة تدعو على معاوية طوال حياتها.
نجح على فى تحقيق انتصارات عديدة لكنه لم ينجح فى إيقاف الحرب وسالت دماء المسلمين.

ولجأ أنصار معاوية إلى حيلة رفع المصاحف على أسنة الرماح، وفوجئ أنصار على بأنهم عاجزون عن التقدم خطوة، لأن معناها أن تسقط المصاحف الشريفة وتدوسها الأقدام.
واحتكم الناس لأبى موسى الأشعرى مندوبا عن على وعمرو بن العاص مندوبا عن معاوية، وبعد مداولات اتفق الطرفان على خلع الاثتين على ومعاوية، وانتظر الناس إعلان النتيجة فدفع عمرو بالأشعرى ليعلن رأيه أولا لأنه الأكبر سنا ومقاما فقال: أخلع على ومعاوية، ولما جاء دور عمرو وقف ليقول: أما أنا فأثبت معاوية مثل خاتمى.. واشتعلت الحرب.
وظهر الخوارج والمغالاة فى السلوك والعبادة وقراءة القرآن، ولام فريق منهم على بن أبى طالب لأنه وافق على التحكيم، وغالى فريق آخر وخلع على على صفات النبوة والألوهية، وطالب فريق ثالث بقتله، وبالتدريج بدأ على بن أبى طالب يشعر باليأس، وتفتت جيش الكوفة وزادت الخلافات.
ووسط كل العواصف اجتمع ثلاثة خوارج بقيادة ابن ملجم واتفقوا على قتل الثلاثة على ومعاوية وعمرو فى يوم واحد وتعاهدوا.
فى هذا اليوم غاب عمرو بن العاص وصلى نائبا عنه رئيس الشرطة، فعلا الخارجى رأسه بالسيف فقتله، ولما أمسكوا به حملوه إلى عمرو بن العاص، فقال: من هذا؟ فقالوا عمرو بن العاص، فقال والله ما قصدت إلا قتله, فأمر عمرو بن العاص بقتله.
وأما معاوية فقد أهوى الخارجى بالسيف فسقط على مؤخرته، وكان عظيم الإليتين، واستدعى معاوية الطبيب على عجل، فقال إن السيف مسموم، وأمامنا طريقان إما أن نسخن سيخ بالنار ونضعه مكان الجرح، أو تتجرع دواء يبطل السم لكنك لن تنجب بعدها.
قال معاوية لا أتحمل النار وتجرع الدواء قائلا: يكفى يزيد وعبد لله.
واستدعى المعتدى الدى بشره بأن أخا له يقوم الآن بقتل على.
فأمر معاوية بقطع يديه ورجليه.
وعاش المعتدى سنوات وتزوج وأنجب، حتى تذكره زياد عامل معاوية فاستدعاه وسأله عن أحواله. وصاح متعجبا: أمير المؤمنين عاجز بسببك وأنت تنجب وتتزوج ؟وأمر بقتله.
وأما المكلف بقتل على فقد نزل إلى الكوفة، كان فى صدره غل ضد على لأنه قتل أقاربه فى معركة النهروان، وهناك تقابل مع امرأة جميلة جدا وعرض عليها الزواج، واشترطت مهرًا آلاف الدراهم وعبدًا وجارية، وأن يقتل على بن أبى طالب، لأنه قتل أباها وأخاها، فقال ما جئت هنا إلا لأقتله.
واستمال اثنين لمعاونته، ووقفوا على طريق على داخل المسجد وهو يوقظ الناس الصلاة الصلاة فى رمضان.
وعلا رأسه بالسيف فأصاب رأسه.
وحملوا على وقاتله إلى البيت.
وتعجب على وقال: ألم أحسن إليك ؟
قال: بلى.
وصاحت بنت على: ياعدو الله..لا بأس عليك يا أمير المؤمنين.
فقال بن ملجم: فلم تبكين ؟والله إن سيفى هذا بألف درهم وسممته بألف.وتلك الضربة تكفى لقتل الناس أجمعين.
وبقتل على - 62عاما - ترسخت قواعد الملك العضوض لأول ملوك الإسلام.
كان معاوية أحد دواهى العرب الأربعة مع عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه.
سأل معاوية عمرو يوما: بم أفادك ذكاؤك؟ فقال له ذكائى ما أوقعنى فى مأزق قط إلا وأخرجنى منه. وسأل عمرو معاوية: وأنت بما أفادك ذكاؤك؟
فال: ذكائى ما أوقعنى فى مأزق قط.
وكان حازما وواسع الصدر يحتمل ما يقوله عنه الناس: ابن أكلة الأكباد وعظيم الأليتين، وأحد طلائق فتح مكة.
دخل عليه شريك بن الأعور وكان دميما وسيدا فى قومه وأراد معاوية أن يسخرمنه فقال:شريك والله لا شريك له وأنت بن الأعور وذو العينين خير من الأعور فكيف أصبحت سيدا فى قومك؟
فانتفض شريك قائلا: وأنت معاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت فسميت معاوية، وأنت بن جبل والسهل خير من الجبل، وأنت بن حرب والسلم خير من الحرب،وأنت بن أمية وما أمية إلا تصغير أمة وما الأمة إلا من سبايا الحروب فكيف أصبحت أمير المؤمنين؟
فقال معاوية: واحدة بواحدة.
توفى معاوية فى الثمانين، وكانت مدة خلافته 19عاما وكان أميرا على الشام 20 عاما قبل ذلك، ودفن فى دمشق غير أن ثورة العباسيين على الأمويين أزالت أى أثر ثابت لبني أمية الذين حكموا العالم مئة سنة.