الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

محمد الطالبى: القرآن مكتمل.. والمرويات ناقصة!

لا يمكن إغفال تأثير المفكر التونسى «محمد الطالبى» فى الحركة الفكرية والتنويرية العربية، فالطالبى الذى طالما حفلت المنصات الإعلامية المقروءة والمرئية بآرائه الجريئة والصادمة فكريًا، ظل حتى وفاته فى مايو 2017 مثارًا للجدل والخلاف حول أفكاره التى نشرها فى 30 مؤلفًا باللغتين العربية والفرنسية.



 

تأثر الطالبى بالأجواء الثقافية التى عايشها خلال سنوات دراسته فى فرنسا والزخم الفكرى الذى وجده فى باريس بين التيارات المتعددة فتشكلت شخصيته وفكره؛ محافظًا فى الوقت ذاته؛ على هويته العربية الإسلامية، ودائمًا ما كان يُعَرّف نفسَه بأنه مسلم قرآنى ومفكر حر يقدم آراءه باعتبارها اجتهادات وليست فتاوَى ولا قرارات نهائية.

دعا الرجل المولود فى العاصمة التونسية 1921، منذ بدء رحلته الفكرية إلى إعمال العقل والقراءة النقدية لمصادر التاريخ الإسلامى وتقديم رؤية متجددة له، فمشروعه استهدف التقدم والبناء، وتكمن نقطة انطلاقه فى تجديد الخطاب الدينى محذرًا من توظيف الدين لأغراض سياسية. 

 

 

 

نشأ الطالبى فى عائلة ذات ميول إسلامية دينية، فعملت على تنشئة أبنائها من الصغر على إتقان اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامى، كما أن انتماء عائلته إلى الطريقة القادرية الصوفية قرّبته من مفاهيم محبة آل البيت والأولياء الصالحين وبالطبع أثرت هذه الأجواء على الطالبى صغيرًا؛ حيث امتلأت مكتبة جده بأمهات الكتب والتفاسير والنفائس، وذلك وعلى الرغم من انتشار الثقافة واللغة الفرنسية وكوْن اللغة العربية لغة ثانية بتونس فى هذا الوقت؛ فإن العائلة حرصت على تعليم الأبناء التراث العربى.

إلى السوربون

فى هذه الفترة كان فى الساحة العلمية نجمان لامعان كلاهما أثرى الحركة العلمية والثقافية والفكرية التونسية، وقاما بنفس الدور الذى قدّمه الجامع «الأزهر» فى مصر للحركة التنويرية فكانت جامعة «الزيتونة» التى رسمت ملامح الحركة الثقافية فى أربعينيات القرن الماضى وحافظت على القيم التونسية فى مواجهة موجات «التغريب». 

أمّا المدرسة الصادقية التى بدأ نشاطها فى الأربعينيات بالنخب التونسية واتخذت رسالتها تخريج شباب جمعوا بين الإلمام بالثقافة الفرنسية واللغة العربية وكانت تلك هى نقطة البداية؛ حيث التحق بها الطالبى للدراسة ومنها إلى جامعة السوربون. 

توجَّه الطالبى لاستكمال دراسته فى باريس عام 1947؛ حيث واتته الفرصة للتعرف عن قرب على الحياة الثقافية المتنوعة والمتوهجة والمستنيرة التى تثير شغف الطلاب القادمين من الدول العربية والإسلامية وشمال إفريقيا. 

وتميزت تلك الفترة  بانتشار المدارس الفكرية والفلسفية المختلفة، ووسط هذه الأجواء وجد الطالبى نفسَه متأثرًا بهذا الحوار الفكرى المتأجج وظهر ذلك فى تأثره بعالم النفس سيجموند فرويد.

أدرك الشاب التونسى أن الإنصات إلى مَن يطلق عليهم وقتها فى باريس «العقلانيين»  مسألة مهمة وأمر ضرورى؛ حيث يطرحون أسئلة يمكن وصفها بالاستفزازية للجمهور حتى يكونوا مؤمنين مبصرين لا مؤمنين يسبحون فى ظلمات أفكار معتقة». 

بعد حصوله على شهادة الدكتوراه عاد إلى بلاده وقام بتدريس التاريخ الإسلامى فى كلية الآداب والعلوم الإنسانية فكان أول عميد فى تاريخها وذلك فى عام 1955، واستمر فى السلك الأكاديمى حتى تولى رئاسة الجامعة فى فترة السبعينيات من القرن الماضى فكان أحد أعضاء الجيل المؤسّس للجامعة التونسية الحديثة. 

تلخص نهج الطالبى فى الدعوة إلى القراءة النقدية لمصادر التاريخ الإسلامى مع الأخذ فى الاعتبار مراعاة القصد التاريخى للأحكام القرآنية، ودعا على مدار أكثر من خمسين عامًا إلى رؤية مبتكرة متجددة للفكر الإسلامى، فكان دائمًا ما يردد مقولة «إن الإسلام يمنحنا الحرية». 

اتسم محمد الطالبى بدعواته المستمرة إلى التجديد فى قراءة النصوص الدينية، فكان لا يرى حدًا فاصلاً بين حرية الرأى والعقيدة ودائمًا ما عرّف نفسَه بأنه «المسلم القرآنى» الذى لا ينتمى إلى أى مذهب.. ومن هنا جاء رفضه للشريعة باعتبار أنها ترتبط بالمَذاهب، مفسرًا ومعللاً رأيه أن الشريعة كقانون وأحكام وضعية من صنع البشر فى ظروف محددة سياسية وتاريخية وحضارية يعتبرها المنهج القرآنى مجرد تراث يستأنس به ككل ما كتب فى التاريخ كما أنها نتاج لفكر الإنسان وجرى تدوينها بعد فترة زمنية طويلة من وفاة الرسول «ص». 

 

 

 

ومن هنا جاء الهجوم على الطالبى وأثار غضب واستياء معارضى فكره لطرحه ما سماه «مسألة العودة بالدين إلى الدين نفسه»؛ فكثيرًا ما أوضح أن النص الدينى مجال للاجتهاد والتفكير والتدبر، ودعا إلى القراءة من ناقلات القرآن الكريم وليس من الأحكام التى صدرت فى فترات زمنية سابقة، فهو يؤمن بكل ما جاء بالقرآن الكريم ويُطبّق أركان الإسلام الخمسة قائلاً: «إيمانى قرآنى بحت».. فرأى «أن القرآن الكريم يحث الإنسان على الإيمان عن اقتناع لأنه حر ومسئول عن كل ما يفعله فى حياته».

اعتبر المفكر التونسى أن أحكام الدين الإسلامى جاءت مكتملة فى القرآن الكريم؛ أمّا تفاصيلها وتفاسيرها التى وردت عن الرسول «ص» فيؤخذ منها ما يتوافق ونص القرآن، فجميع المرويات لا قداسة فيها، ولذلك ينسب له أنه صاحب مشروع فكرى نقدى، ففكره الصادم للرأى العام دائمًا ما أحدث ضجة فى قضايا لم يختلف عليها العقل الجمعى الإسلامى، وبالرغم من ذلك فلم يتردد فى إعلانه بصوت عالٍ؛ حيث كانت له آراء صادمة فى قضايا حساسة منها شرب الخمر والردة والرجم وغيرها من الأمور التى أثارت حفيظة حتى مؤيديه قبل مهاجميه؛ خصوصًا بعد إعلانها صراحة فى لقاءات متلفزة. 

دائمًا ما يعقب الطالبى على الأزمات التى تسببها آراؤه وتصريحاته أنه «كمفكر دوره يقتصر على إبداء رأيه وإثارة القضايا للرأى العام لكنه لا يحفز الناس على الأخذ بها، فهى أولاً وآخرًا مجرد رأى وليست فتوى ملزمة».  

وطوال مشواره أكد أن مشروع الحداثة الذى نادَى به تكمن نقطة انطلاقه فى تجديد الخطاب الدينى بوضوح فأسّس «الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين» بهدف العمل على تحقيق هذا الهدف انطلاقًا من معالجات القضايا الدينية معالجة عقلانية باعتماد كتاب الله وحده. 

 

 

 

عيال الله 

من أشهَر مؤلفات الطالبى كتابه «عيال الله»، وفيه طرح أفكارًا جديدة فى علاقة الإنسان المسلم بنفسه وبالآخرين، وسعى إلى إثبات أن الأديان جميعها تتفق على حب الخير للغير كما يحبه المرء لنفسه، إضافة إلى إرساء قاعدة قبول الغير كما يريد أن يكون، ورأى أن الهدف هو أن يشمل الخير كامل الأديان وأن يعم الحوار والتآخى وقبول التعددية والاختلاف واكتشاف القيم المشتركة التى تلتقى حولها وفيها الأديان ومنها محبة الله ورفض العنف والظلم. 

وفى كتابه «أفكار مسلم معاصر» أكد أن ادعاء امتلاك الحقيقة نوع من الإرهاب الفكرى الذى يرفض التسامح؛ داعيًا إلى ضرورة قراءة النص الدينى قراءة معاصرة. 

وعرض الطالبى فى كتابه «ليطمئن قلبى» تساؤلات تخص الإيمان وتناول مَحاور متعددة وجدها مرتبطة بمشروعه الفكرى، منها: ابن خلدون رائد العقل والحداثة، إضافة إلى مصطلح الانسلاخسمية الذى صَكّه ويقصد به «المرتدين» أو من «انسلخ عن الإسلام»، مؤكدًا أن «القرآن هو المرجعية الوحيدة وما رافقه من السُّنَّة وكلما تعارضت الأحاديث مع القران رفضها»، مشيرًا إلى أن الانسلاخسمية باتت ظاهرة خاصة بين النخبة المثقفة ثقافة غربية من دون ثقافة إسلامية موازية فى نفس المستوى.

وطوال مشواره نال محمد الطالبى العديد من الجوائز فى تونس وإيطاليا وألمانيا والسويد عن مؤلفاته وإسهاماته الفكرية، كما حصل على العديد من أوسمة الاستحقاق، منها وسام الاستقلال من تونس ووسام جوقة الشرف من فرنسا ووسام الاستحقاق المدنى من إسبانيا. 

وعمل الطالبى كأستاذ زائر بالعديد من الجامعات العربية والأوروبية، إضافة إلى عضويته فى جمعيات علمية ذات صيت واسع، منها الأكاديمية الملكية للتاريخ والأكاديمية الدولية للثقافات، كما شارك فى أعمال المجلس البابوى للحوار بين الأديان باعتباره أحد مؤسِّسى مجموعة البحوث الإسلامية المسيحية.