الملك على «البسفور» فى رمضان

تقرير: شيرين سمير
فى عهد المماليك وأثناء حكم والى مصر «محمد بك أبوالدهب»، عام 1772، أقام الحاج عبدالله الفيشاوى «بوفيه» صغيرًا، أو ما يُسمى بـ«النَصْبة» لتقديم الشاى والقهوة، وللأصدقاء والمقربين، وبعد فترة توسع قليلًا وأصبح يقدم المشروبات لكل رواد شارع خان الخليلى بحى الأزهر وفى قلب القاهرة الفاطمية.
وكان الاسم الذى يطلق على تلك «النصبة» هو «البسفور».. وظلت تعمل بشكل غير رسمى لمدة تقارب الـ90عامًا، حتى استطاع «الحاج فهمى على الفيشاوى» أن يحصل على أول ترخيص للمقهى فى عهد الخديو «إسماعيل» عام 1863، ليبدأ فى التوسع بشكل أفضل فى المكان، ونجح فى أن يحصل على 400 متر ليزيد من مساحة المقهى ويستوعب عددًا أكبر من الزبائن الذين انضم لهم سائحون أجانب من زائرى المنطقة. ثم أصدرت الحكومة المصرية قرارًا بتوسعة نطاق الحى المحيط بساحة الحسين، وتم ذلك على حساب مساحة المقهى فتقلصت ووصلت إلى أقل أربع مرات من المساحة السابقة. حاول الحاج «فهمى على الفيشاوى» بكل الطرق تغيير هذا القرار، حتى أنه اقترح تقديم تعويضات مالية، ولكن محاولاته كلها باءت بالفشل. وبحسب روايات أحفاد الفيشاوى، فإن الحاج فهمى كان مرتبطًا جدًا بمقهاه، وأحبه بكل جوارحه، ولذلك، أصابته أزمة قلبية شديدة مات على أثرها، بعد قرار إزالة جزء من المقهى. وبررت الحكومة وقتها أنها ترغب فى تحديد معالم الحسين القديمة، وقد أصرت على ذلك رغم أن الصحف المصرية كتبت وطالبت بعدم الاقتراب من المقهى بسبب أهميته التاريخية، وبإزالة جزء من مساحة المقهى أصبحت مساحته 150مترًا بعد أن كانت 400متر. أحفاد الحاج أحفاد الحاج فهمى، يذكرون أيضًا أن جدهم لم يكن مجرد قهوجيًا، بل كان «فتوة» المنطقة من هؤلاء الذين يحمون أحياءهم، وليس من هؤلاء الذين يعتبرون الفتونة نوعًا من أنواع البلطجة، فلقد كان يتصدى لهؤلاء المشاغبين الذين يكونون مصدرًا لإزعاج الزبائن والسياح، بل كان يتصدى لمعاكسات الفتيات ويحميهن من هؤلاء الأشقياء دون تردد، ومن هنا كان يتعاون مع الشرطة حتى يستتب الأمن بين زوار المكان.
ومن أجل هذا لم يكن فى البداية يقدم الشيشة «المعسل» تحاشيًا لوضع مخدر الحشيش عليه، ولذلك كان يقدم «الشيشة العجمى» وهو نوع هادئ جدًا لا يثير الشكوك من حوله، كما كان يمنع اللعب بالدومينو أو الكوتشينة حرصًا على هدوء المكان، والحفاظ على وقاره، خشية المراهنات والمقامرات.

ولم يكن حريصًا على شيء بقدر حرصه على الهدوء والاستمتاع بالصحبة الحلوة، فمجرد امتلاء المكان والطاولات كان يصدر أوامره بغلق الشارع من الجانبين.. لتفادى الزحمة التى من شأنها أن تضايق الزوار بالفعل، حتى كان الفيشاوى المقهى الوحيد الذى يرتاده النساء بأمان واطمئنان منذ أن كن يرتدين البرقع واليشمك.
مقهى الفيشاوى له طابع شرقي خاص يمثل العصر الذى بُني فيه، واستطاع أن يحافظ على هذا الطابع بأجوائه المميزة إلى الآن، حيث الأثاث مصنوع يدويًا بزخارف عربية مع ألواح المشربية الداكنة، والجدران المطلية باللون الأصفر الباهت، بالإضافة للثريات النحاسى القديمة، والستائر الزجاجية من الأحجار الكريمة والمرجان، وأيضًا المرايا المنتشرة فى كل مكان.
وتعود إحدى مرايا المقهى إلى عصر محمد على باشا، حيث استطاع الحاج فهمى الحصول عليها من القصور الملكية التى تجدد مفروشاتها، وبالرغم من كونها تحفة أثرية وتعتبر زينة تخطف أبصار الزوار فور دخولهم المكان.
قيمة تاريخية
يمكنك كزائر وكسائح أن تعتبر مقهى الفيشاوى متحفًا فنيًا صغيرًا، حيث اجتمعت به كل مواصفات المتاحف المعترف بها دوليًا، سواء من حيث المبنى المعمارى، أو القيمة التاريخية والأثرية للمحتوى، فالمكان يضم نقوشًا حجرية ولوحات فنية، وقناديل مضيئة بالزيت، بالإضافة إلى الهدايا التى تلقاها صاحب المقهى من بعض الأمراء والوزراء ومنها التمساح الإفريقى الذى يجلب الحظ وهو مُهدى من رئيس وزراء سابق بالسودان.

ومع كل تلك التفاصيل المهمة، يكون الاستمتاع الحقيقى برائحة الخشب العتيق المختلط بالبخور المحيط بالمكان والسوق المجاورة مع رائحة النرجيلة بنكهة الفواكه المختلفة.
وأثناء تلك الروعة الحسية والبصرية، يتردد صدى أغانى الست «أم كلثوم» حين يؤديها مطرب متجول حاملًا معه «العود» أمام زوار المقهى فيطربهم ويشجيهم.. ويختص المقهى بـ«براد الشاى» (الشاى المغلى) الذى يتم إعداده فى حوض من الرمال، والذى له نكهة مختلفة وخصوصًا أن درجة حرارة الرمال تختلف عن درجة حرارة الفرن.
للمقهى ثلاث غرف رئيسية، الغرفة الأولى يُطلق عليها اسم «غرفة البسفور»، وهى غرفة كانت مخصصة للملك فاروق وضيوفه فى شهر رمضان، وكانت غرفة فخمة مبطنة بالخشب المطعم بالأبنوس، وبها العديد من الأدوات المصنوعة من الفضة والكريستال والصينى.

أما الغرفة الثانية، فيطلقون عليها «التحفة»، وهى غرفة مزينة بالصدف والخشب المزخرف، والأرابيسك وأيضًا العاج، أما المقاعد فهى مبطنة باللون الأخضر، وخُصصت هذه الغرفة للفنانين المترددين على المقهى.
وأما الغرفة الثالثة وأغربها على الإطلاق، فهى غرفة القافية، وهى الغرفة التى كانت تُعقد فيها مسابقات الشعر والقافية، فيبدأ أحد الأشخاص بالشعر ويرد عليه شخص آخر ويستمران فى المنافسة الكلامية وسرعة البديهة وطلاقة اللسان والسخرية.
لعبة القافية كانت تُدار كل خميس من شهر رمضان، وهدفها أن يظهر أكثر الرواد تميزًا بخفة الظل وسرعة البديهة وطلاقة اللسان والسخرية.
اكتسب المقهى شهرة واسعة وعظيمة بسبب ثِقَل رواده من المفكرين والأدباء والسياسيين سواءً كانوا عربًا أو أجانب، ومن أشهر هؤلاء الزوار، نابليون بونابرت، والفيلسوف جان بول سارتر، وسيمون دى بفوار، والإمبراطورة أوجينى التى جاءت إلى المقهى عام 1869 خلال افتتاح قناة السويس.

كما زار الفيشاوى، جمال الدين الأفغانى، والشيخ محمد عبده، والرئيس الجزائرى السابق عبدالعزيز بوتفليقة، والرئيس اليمنى الراحل عبدالله صالح، وعمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية والذى استضاف معه عددًا من وزراء الخارجية العرب، وبالطبع هناك الرئيس جمال عبدالناصر، والشاعر أحمد شوقى، وعباس العقاد، وأم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، ومحمد عبدالوهاب، وتوفيق الحكيم، والشاعران حافظ إبراهيم ومطران خليل مطران.
أما الذى أكسب المقهى شهرة حقيقية، هو الأديب العالمى «نجيب محفوظ» الذى كتب معظم رواياته الشهيرة من داخل المقهى وأهمها الثلاثية «بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية».. فقد كان يحب شرب الشاى الأخضر أثناء الكتابة داخل قاعة معينة تم تسميتها فيما بعد على اسمه.. وهناك شهود يؤكدون أن محفوظ كان يلعب القافية ويتبارى مع الآخرين.

وترفض أسرة الفيشاوى تطوير المكان أو إضافة أى لمسة جمالية، حتى لا يفقد المكان قيمته الأثرية وتميزه التاريخى.. كما يرفضون إدخال التليفزيون أو حتى لعبة البلياردو، فتلك الأشياء لها أماكنها الخاصة، ووجودها فى المقهى سيفقده روعته البصرية.
منطقة خان الخليلى أصبحت تضج بالعديد من المقاهى بمستوياتها المختلفة، ومع ذلك لم ينجح أى مقهى فى المنطقة أو فى القاهرة كلها فى منافسة «الفيشاوى»، ولذا تستطيع أن ترى المقاهى المحيطة به خاوية، فزوار المكان يقصدون الفيشاوى مباشرة لأنها الأشهر والأميز والأعرق على الإطلاق، ولذا لا يوجد مقعد خالٍ فيه.
وسيظل الفيشاوى علامة بارزة فى قلب القاهرة لا يمكن الاستغناء عنها، فهى من العلامات البارزة فى تاريخ مصر كما الأهرامات والقلعة.