الأحد 6 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
جغرافيا الدم على أرض الشام

جغرافيا الدم على أرض الشام

يتصارع فى المشهد الداخلى السورى عدد من الميليشيات العرقية والعشرات من الجماعات الإثنية والطائفية المسلحة التى تحاول أن توجد لها موطئ قدم للسيطرة والنفوذ فى المستقبل السورى غير الواضح ملامحه ونهجه، حيث تتوزع أيديولوجيتها بين اليمين واليسار وبين الإسلام المعتدل والمتطرف بشكل غير مألوف على الأراضى السورية ما قبل العام 2011.



فى الحلقة الثانية من جغرافيا الدم على أرض الشام نستكمل خريطة التجمعات على الأرض السورية.

 فصائل الجنوب

تضم فصائل الجنوب الجماعات الدرزية التى تنتشر فى محافظة السويداء فى الجنوب السورى والتى تسيطر الآن على كامل المراكز الأمنية والمواقع العسكرية بها ورفضت تسليمها إلى هيئة تحرير الشام، وقد نشأت بعد 2011 عقب انتشار الفوضى الأمنية وأعمال الخطف والسلب وهى مستقلة ويبلغ عدد أفرادها قرابة 5 آلاف مقاتل، وشكّلها رجال دين وزعماء محليون لحماية مناطقهم وأبرزها حركة «رجال الكرامة» التى أسّسها الشيخ وحيد البلعوس عام 2014، واستطاع خلال وقت قصير كسب تأييد واسع بين الأهالى، وانضم إليها الكثيرون، وبعد مصرع البلعوس فى 4 سبتمبر 2015، تزعّم الحركة الشيخ يحيى الحجار كما شكّل نجلا البلعوس (ليث وفهد) فصيلًا مستقلًا باسم «رجال الشيخ وحيد البلعوس». 

وشكل هذا الأمر اتجاهًا لتكوين فصائل مسلحة فى مناطق الدروز وريف السويداء الواسع الذى يضم أكثر من 200 بلدة وقرية، ودعّم هذا التوجه هجوم داعش يوم 25 يوليو 2018، السويداء الذى خلف أكثر من 260 قتيلًا من بينهم أطفال ونساء، كما خطف التنظيم 30 شخصًا بما فى ذلك عائلات بأكملها, حيث أعدم بعضهم وأفرج عن آخرين فى صفقة تبادل لاحقة، لذلك أصبح تشكيل الفصائل المسلحة فى السويداء ضرورة وجودية بالنسبة للطائفة الدرزية التى لا يتعدى عدد سكانها 3% من السوريين، للحماية من الفوضى الأمنية، والدفاع عن المنطقة من هجمات الجماعات المتطرفة، ويقدّر الفصائل المسلحة الدرزية عددهم بالآلاف ويتفاوض معها أبو محمد الجولانى- أحمد الشرع قائد الإدارة السورية الجديدة للانضمام إلى الجيش السورى الجديد. 

 

 

 

وفصائل «درعا» التى كانت أولى الكتائب التى وصلت إلى دمشق يوم سقوطها فى8 ديسمبر 2024، واستطاعت تأمين رئيس وزراء النظام السابق، ليتولى مهامه ريثما يتم ترتيب الأوضاع فى سوريا، وأبرز فصائلها لواء «الجيش الحر» و«عمليات المنطقة الجنوبية» وكتيبة «سلطان باشا الأطرش» التى ضمت ضباطا منشقين دروزًا و«اللواء الثامن»، و«الفيلق الخامس» الذى كان من أوائل قوات المعارضة التى وصلت دمشق واستطاعت فى عدة ساعات السيطرة على جميع المواقع العسكرية للنظام السابق. 

أما فصائل البادية وتضم «جيش سوريا الحرة» الذى تقدم من البادية الشرقية لسورية باتجاه الغرب، بعد سيطرت هيئة تحرير الشام على حلب ثم استولى على عدة نقاط من قوات النظام السابق ثم سيطر على مدينة تدمر التابعة لريف حمص، ويتكون هذا الفصيل من مجموعة من المنشقين عن قوات النظام السورى السابق منذ عام 2015، باسم «جيش مغاوير الثورة»، ويتلقى دعمه وتسليحه وتدريبه من القوات الأمريكية فى قاعدة التنف شرقى سوريا، المحاذية للحدود العراقية - السورية غربى الأنبار ويعد رأس حربة التحالف الدولى فى مواجهة داعش فى شرق سوريا.

 

 

 

وبشكل خاص سوف تشكل فصائل الدروز ودرعا والبادية وضعية خاصة فى تعقيدات حل المشهد الفصائلى فى سوريا، فالدروز لا يثقون فى مدى قدرة الإدارة الجديدة على حمايتهم فى حال نشوب صراع بين الفصائل المتطرفة ولا يريدون أن يتركوا فريسة لذلك الصراع كما حدث لهم من قبل داعش فى 2018، ولذلك يرفضون تسليم السلاح قبل اكتمال القدرة الأمنية للجيش الجديد وتبيان قدرته على بسط الأمن على كامل التراب السورى، وفصائل درعا تعد «الأكثر تعقيدًا» لأنها تعتبر نفسها الجهة العسكرية الأقوى فى الجنوب السورى، وتربطها علاقات جيدة مع الروس ولديها زعيم ربما ينافس الشرع على مستقبل سوريا وهو أحمد العودة، وهو الأمر الذى ربما يدفع «الإدارة السورية الجديدة»، إلى الخيار العسكرى فى حال رفضت هذه الفصائل حل نفسها، وهو ما يعنى مزيدًا من الصراع الدموى بالداخل السورى، أمّا فصائل البادية التى يقودها «جيش سوريا الحرة» فستبقى فى مواجهة «فلول داعش» وستكون الحماية الأمريكية ذريعة للبقاء على وضعها التسليحى والقتالى فى البادية السورية. 

تنظيم «داعش» 

يشكل تنظيم داعش الإرهابى الخطر الأكبر داخل الجغرافيا السورية ليس فقط على الإدارة الجديدة فى دمشق وإنما على كل الفصائل السورية والدولة السورية بالكامل؛ حيث لا يزال يشكل خطرًا متناميًا على الدولة السورية وجغرافيتها المتناثرة والموزعة بين القوى الفصائلية والانفصالية المحلية والأخرى المتطرفة والإرهابية، فالبرغم من سقوط معقله الأخير فى الباغوز فى عام 2019 فلا تزال رؤيته حول سوريا والقائمة على البقاء والتمدد ثابتة وراسخة مستفيدًا من حالة الانشغال الوطنى بترسيخ وجود الدولة وتوطيد مواقعها ونفوذها على كامل الأرض السورية. 

 

 

 

ويعمل التنظيم فى سوريا وفق استراتيجيات محددة ينتهجها لتوسيع مناطق نفوذه وانتشاره وتخليق مسارات جديدة للتمدد تضمن له حالة التواجد المستمر والاستمرار والبقاء حتى فى ظل الضغوط الأمنية والعسكرية عليه من جميع الفصائل المنتشرة على التراب السورى ويمكن تحديد تلك الاستراتيجيات والمسارات فى النقاط التالية: 

أولًا: الاستمرار فى الانتشار والتمدد على طول وعمق البادية السورية فى مناطق جبل البشرى بريف الرقة ومناطق آثريا والرهجان وريف حماة الشرقى وشرق وجنوب بادية السخنة وتدمر بريف حمص الشرقى وبادية دير الزور وشرق تدمر والقلمون الشرقى، بالقرب من تلال الصفا؛ معتمدًا على البيئة الصحراوية المكشوفة التى تساعده على تنفيذ عمليات إرهابية بأسلحة خفيفة تعتمد على المباغتة ونشر الألغام ونصب الكمائن، وهو الأمر الذى يعطى إيحاء بأن التنظيم لا يزال قادرًا على شن الهجمات وإعادة تموضع خلاياه وقدرته على إعادة جغرافيته المندثرة.

ثانيًا: العمل على تفعيل وزيادة العمليات المتكررة له بهدف استنزاف خصومه وفق استراتيجية «الاستنزاف» التى ينتهجها التنظيم فى كل مناطق تواجده ضد الفصائل التى تواجهه وتركزت فى مناطق محافظات  دير الزور وحمص وحماة وبشكل كبير إبان دعوة التنظيم لمقاتليه للتوسع فى عملياتهم ضمن ما أطلق عليه داعش فى يناير 2024 غزوة «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»، التى استمرت ما يقارب 4 شهور قاموا بمهاجمة عناصر من الجيش السورى السابق وقوات «الدفاع الوطنى» الرديفة له بعد أساليب على رأسها الكمائن باستخدام الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية والعبوات الناسفة لعرقلة قوات الدعم وزرع العبوات الناسفة فى مناطق بادية تدمر شرق حمص والهجوم على ثكنات الفصائل ونصب الكمائن لعناصر الجيش السورى السابق كما يعمل التنظيم على تفعيل عمل خلاياه فى بلدات سويدان والعزبة بمنطقة (خشام) وقرية (جزرة ميلاج) بمنطقة (كسرة) وبلدة (الحصان) ومنطقة (الحوايج) فى (ذيبان)وبلدة البصيرة، ومنطقة (أبو حمام) وقرية (وادى الرمل) بمنطقة (الحدادية) جنوبى الحسكة وشرق مدينة (السلمية) بحماه وبادية (السخنة)بحمص، وريف دمشق، وريف السويداء ومنطقة (الكرامة) شرقى مدينة الرقة.

 

 

 

ثالثًا: الاستمرار بإصرار فى استهداف قوات سوريا الديمقراطية وتكبيدها أكبر خسائر ممكنة واستنزافها، وذلك بسبب استخدامها كرأس حربة فى القضاء على التنظيم من قبل الولايات المتحدة الامريكية والتحالف الدولى، وهو ما خلق حالة من «الثأر» لدى داعش ضد القوات الكردية باعتبارها قوات مرتدة وعميلة «وفق التنظيم» ويجب القضاء عليها، كما أن التنظيم لا يزال يضع نصب عينيه بقايا الدواعش فى المخيمات؛ وبخاصة ما يطلق عليهم أشبال الخلافة وهم خزان التنظيم البشرى فى المسقبل؛ خصوصًا مع عجز قوات سوريا الديمقراطية عن السيطرة الكاملة عليهم مع عوائلهم وإطلاق سراح بعضهم وضغط الفصائل الموالية لتركيا عليها، وهو الأمر الذى سيكرّر تجربة عودة داعش بشكل أكثر ضرواة كما حدث فى العراق عقب إطلاق سراح عناصر التنظيم من قبل الولايات المتحدة من السجون وتأسيسهم بعد ذلك تنظيم داعش، كما أن الضغط على معسكرات ومخيمات الإيواء من قبل خلايا داعش  الموجودة بالشمال السورى، ربما يدفع إلى هروب بعض الأفراد الخطيرين منهم، وهذا ما تمّ إبان الهجوم التركى على الشمال السورى، ومحاولات هروب عناصر منهم كما أن الاشتباك المستمر مع دوريات الأكراد من قوات «قسد» يجهد قوتها ويجعلها دائما فى حالة استنفار مجهد لها وإظهار تلك القوات بغير القادرة على الاستمرار فى تشكيل حائط صدّ دائم ضدّ داعش؛ بسبب اعتمادها بشكل كامل على الدعم المادى والعسكرى والسياسى من الولايات المتحدة، والاستفادة من تداعيات الضغط التركى الكبير عليها؛ ما يشكل لها أزمة كبيرة عقب الانسحاب الأمريكى شبه الكامل من سوريا.

رابعًا: يشن تنظيم داعش الإرهابى حربًا اقتصادية موسعة على قوات سوريا الديمقراطية منذ عام تقريبا بدأت فى 1-8-2023 ومستمرة حتى الآن، فخلال 400 يوم  حيث شن 22 عملية منها 17 فى محافظة دير الزور و3 فى الرقة و1 فى حماة و1 فى الحسكة تضمنت إعطاب وتضرر 51 صهريجًا وسكب 15 صهريجا استهدف خلالها صهاريج النفط التابعة لقوات قسد فى بلدة (جديد عكيدات) بمنطقة (خشام) بمحافظة دير الزور وفى قرية (العتال) بمنطقة (البصيرة) محافظة دير الزور وقرية (العباس) بمنطقة (البصيرة) محافظة دير الزور وعلى طريق (المناخر) شرقى مدينة الرقة.

 

 

 

خامسًا: لا يزال التنظيم يملك العديد من المواراد المالية، التى تساعده على الاستمرار، والحصول على الإمدادات، سواء الغذائية والطبية والتسليحية، التى تمكنه من الهجوم على مناطق سيطرة الدولة السورية الجديدة، كما يسيطر على شبكة تهريب متشعبة؛ مستغلاً الفساد وحاضنة الخوف التى كونها فى عقول وقلوب السكان المحليين المستفيد بعضهم من وجوده والخائف من انتشارهم.

سادسًا: بالرغم من القيود التى يفرضها الجيش العراقى على طول حدوده مع سوريا وشنه للعديد من الحملات العسكرية ضد التنظيم على طول وامتداد صحراء الانبار؛ فإن ما يوازيها داخل سوريا لا يزال مقاتلو التنظيم لديهم قدرة كبيرة على التنقل والهروب، من جيب إلى آخر، فى صحارى غرب العراق، وشرق سوريا والتى لا تزال تشكّل ملاذًا آمنًا لهم، بسبب طبيعتها الرملية المنبسطة، التى يصعب فيها العمل العسكرى؛ خصوصًا أنّ التنظيم ينوع تواجده بها بين الاختباء فى الخنادق، والتوسع فى عمل أنفاق للإيواء. 

 

 

 

وختامًا؛ تشكل تلك الفصائل فيما عدا داعش «عقدة» كبيرة فى مشهد التغير الدراماتيكى الذى حدث فى سوريا، فالفصائل المسلحة منتشرة فى طول البلاد وعرضها، وتتباين فى التوجهات والخلافات وحتى التبعية، وإمكانية دمجها فى جيش واحد يتبع وزارة الدفاع السورية الجديدة أمرٌ صعبٌ ويستغرق وقتًا طويلًا، ربما يبدد نهج الـ«طمأنة» ورسائله التى لا يكف الحكام الجدد لدمشق عن توجيهها للداخل السورى والمجتمع الدولى، ويبقى داعش هو الخطر الأكبر الذى يهدد كل تلك الفصائل ومستقبل الدولة السورية بالكامل.