الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

المجلة عربية ورئيس التحرير إنجليزى!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

فى لندن عاصمة بريطانيا التى أصبحت عاصمة الصحافة العربية فى الثمانينيات من القرن العشرين وما بعدها، عشت فى عالم غريب عجيب لا علاقة له بالصحافة التى كنت أعمل فيها فى مصر.. فهنا يتم اختيار رئيس التحرير وفق أهواء صاحب الجريدة أو المجلة، بشرط وحيد هو أن يكون مواليا له ولما يريد .. وهنا تصدر سبع صحف يومية عربية وإحدى عشرة مجلة بين أسبوعية وشهرية..سنأتى على ذكرها جميعا، لكن المثير فى الأمر هو رؤساء التحرير، فأحدهم يصمم على وصف ما يكتبه بأنه «أسرار تنشر لأول مرة».. وتم فصله عندما فاحت رائحة أكاذيبه وفبركاته وبلغت صاحب المجلة فطرده على الفور.

 

ورئيس تحرير آخر، حديث العهد بالمهنة لكن أصحاب الشركة التى تصدر أكثر من جريدة ومجلة معجبون به لأسباب كنت أجهلها -وقتها- وتبينت لى مع الوقت، فيقررون تكليفه برئاسة تحرير المجلة السياسية التى يمتلكونها، فيكون أول تصرّف له هو إلغاء القسم الاقتصادى! ما يعنى أنه «غشيم» مهنيا.

ورئيسة تحرير كانت تعمل «جرسونة» فى مطعم فندق شهير، وتعرّف عليها صاحب جريدة عربية من زبائنها فشغّلها محررة صفحة المرأة، وهى لا تعرف من الصحافة سوى أسماء بعض الصحف والمجلات.. ومع الزمن تطوّر بها الحال وتعرّفت على أصحاب الشركة التى تصدر صحفا ومجلات فعينوها رئيسة تحرير! 

 

 

 

وكان هناك صاحب جريدة آخر استطاع أن يستولى عليها من مؤسسها منتهزا تعرضه لأزمة مالية، فأصحبت الجريدة ملكا له وعيّن نفسه رئيسا لتحريرها بينما هو لا يعرف كيف يكتب مقالا!.. ولهذا عيّن صحفيا قديما فى المهنة لا عمل له سوى كتابة المقال اليومى لرئيس التحرير صاحب الجريدة!

ورئيس تحرير جريدة يومية يتلقى التمويل من سبع دول وجهات عربية على حسابه البنكى الخاص فيسدد منه مصروفات الجريدة ويستولى على الباقي! 

 وأتعمّد هنا عدم ذكر أسماء كل هؤلاء، فالهدف هو ما تنطوى عليه الوقائع من دلالات. لكن الأسماء التى يمكننى ذكرها هى لأعلام الصحافة المصرية مثل إحسان عبدالقدوس وأحمد بهاء الدين ومصطفى أمين الذين حرصت بعض الصحف على استكتابهم فى مقالات أسبوعية وأبواب ثابتة.

وفى مجلة «سيدتى» تم الاتفاق مع أحمد بهجت على كتابة باب أسبوعى بعنوان «تفاحة آدم» ففوجئنا بعد فترة بصندوق صغير يصل المجلة وعندما فتحناه وجدنا عشرات المقالات مكتوبة على الآلة الكاتبة هى نصوص باب «تفاحة آدم»!

وتلقى صحفى لبنانى معروف عدة ملايين من صدام حسين ليصدر مجلة سياسية أسبوعية للترويج لسياساته، فأصدر المجلة، كما استجاب لرغبة زوجته الملحة فى أن تكون رئيسة تحرير لمجلة نسائية شهرية مع أنها فى الأصل كانت ممرضة!

وحادثة طريفة لا أنساها تدل على تدهور المهنية فى هذه الصحف إذ فوجئ قراء مجلة أسبوعية سياسية شهيرة تصدر هنا فى لندن بأن نائب رئيس التحرير كتب فى بابه الأسبوعى مقالا يهاجم فيه بسخرية وقحة زميلته مديرة تحرير المجلة نفسها.. دون ذكر اسمها طبعا.. فكانت مهزلة ترتب عليها طرده من المجلة.

 وهنا يمكن إضافة أنه رغم هذه الأوضاع المتدهورة للصحافة العربية فى لندن فقد تيسر لبعض الصحف نشر مقالات وتحقيقات صحفية بل وحملات قوية ومؤثرة وتخدم المصالح العربية.

ومن عجائب كوكب الصحافة العربية التى ظهرت فى لندن بسبب الحرب الأهلية فى لبنان، أن الصحف تكاثرت لكن دون وجود صحفيين، فكان الحل هو تشغيل أى مهاجر عربى «يعرف يفك الخط» محررًا صحفيًا!.. وهؤلاء كنت أطلق عليهم «شاورما» لأن معظمهم جاءوا من محلات بيع بواقى اللحوم المسماة «شاورما».

وقد وقع بعض الكتّاب والأكاديميين فى خطأ فادح هو تسمية الصحافة العربية الصادرة فى لندن: بـ«الصحافة العربية المهاجرة»، وهذا وصف غير صحيح فلم تكن هناك سوى صحيفة واحدة مهاجرة هى مجلة «الحوادث».. بينما البقية وعددها 19 جريدة ومجلة لم تكن مهاجرة بل ولدت فى لندن.

ولا أريد أن أنسى أنه كانت هناك مجلتان شهريتان ثقافيتان يصدرهما اثنان من أصدقائى الشعراء العراقيين على نفقتهما الخاصة هما، مجلة «الاغتراب الأدبى» لصلاح نيازى و«اللحظة الشعرية» لفوزى كريم.. وكانتا تجربتين رفيعتى المستوى.

أموال بالملايين 

من عجائب الصحافة العربية فى لندن أن بعضها صدر بتمويل من صدام حسين وغيره من الحكام العرب، وبعضها اشتراه حكام عرب من أصحابه مقابل ملايين من الجنيهات، وقام أمير يحمل رتبة عسكرية بشراء اسم جريدة لبنانية توقفت عن الصدور لأنها محترمة، ولا تجد التمويل الكافى بعد اغتيال مؤسسها، وصدرت الجريدة وظلت تحافظ على أكبر قدر ممكن من الاحترام إلى أن أمر أمير آخر تولى السلطة فى بلاده بوقفها عن الصدور!

والصحف والمجلات العربية هى: العرب - الشرق الأوسط - القبس (طبعة دولية) - الحياة - الزمان - القدس العربى - الأهرام (طبعة دولية).. وصحيفة «الثورة» التى كان يصدرها المكتب الإعلامى لسفارة العراق، أما المجلات فهى: الحوادث - المجلة - الوسط - الدستور- التضامن - سيدتى - الرجل - المسلمون - الجميلة - الرشاقة.

وهناك مجلة صدر منها عدد واحد ثم أغلقت وكانت تحمل اسم «قمر 14» وكان القائمون عليها يحاولون بطريقة سطحية تقليد «صباح الخير».. فكان نصيبهم الفشل الذريع من العدد الأول الذى كان أيضا آخر عدد!

 

 

 

وأصل إلى المجلة التى أشرت إليها فى عنوان هذا الحديث وهى «المشاهد» ومن واقع اسمها نعرف أنها نشأت كمجلة تابعة لأول محطة تليفزيون عربية فى لندن أطلقتها هيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى» بتمويل إحدى الدول العربية، ولم تستمر طويلا حيث حدث خلاف ترتب عليه وقف التمويل، فدخلت دولة أخرى على الخط واشترت المحطة التليفزيونية وسمتها «الجزيرة» ومعها – بالطبع – المجلة، ثم استقلت المجلة وأصبحت تسمى «المشاهد السياسى» وتم اختيارى مديرا للتحرير، أشرف على كل أقسام المجلة ماعدا القسم السياسى الذى كلّف به مدير تحرير آخر..

الطريف فى الأمر أن مدير التحرير السياسى هذا كان يعمل مصورا صحفيا فى بداياته!

كانت المجلة تتسم بالاستقلال النسبى، ما جعلها مرغوبة فى عدد كبير من البلاد العربية، مع أنه لا يعمل فيها سوى محرر ومحررة ومخرج ومساعد له ومشرف إدارى ونائب رئيس التحرير ومحاسب وعامل يصف الحروف ومصحح.. ويتولى تحرير المجلة صحفيون يعملون بالقطعة أو بمكافأة شهرية ثابتة.

وهناك طبعا كتّاب لهم صفحات ثابتة كل أسبوع كما أن هناك مراسلين فى عدد من العواصم العربية.

كنت سعيدا بهذا العمل بسبب عدم تدخّل أحد فيه، وتمكنت من إشراك بعض أصدقائى من كبار الكتاب والشعراء المصريين فى كتابة مقالات أسبوعية فى صفحات تحمل أسماءهم وهم ألفريد فرج وأحمد عبدالمعطى حجازى وغيرهما، كما اقترحت أسماء عبدالرحمن الأبنودى وصلاح عيسى لكنها لم تقبل لا أدرى لماذا؟ ربما حتى لا يكثر الكتاب المصريون فى المجلة؟.

وطلبت نوال السعداوى كصديقة لى، أن أنشر لها مذكراتها فى المجلة لكن المذكرات لم تكن تصلح للنشر. 

وخلال الفترة التى توليت فيها إدارة التحرير حاولت الفوز بمواد صحفية متميزة ترفع مستوى المجلة وتزيد من الإقبال عليها فأجريت حديثا مع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة نشر على خمس صفحات منها الغلاف وطلبت من صديقى يوسف القعيد التحدث إلى أديب نوبل نجيب محفوظ حول اتهامه بأن فوزه بالجائزة يرجع لتأييده لاتفاقية كامب ديفيد بين السادات ومناحم بيجن.. كما تعاون معنا من القاهرة حمدى رزق وكان وقتها محررا فى دار الهلال.

لكن العجيب فى أمر هذه المجلة التى أغلقت فجأة ومن غير مقدمات، أن رئيس تحريرها لم يكن عربيا، كان صحفيا إنجليزيا عمل مراسلا لإذاعة «بى بى سى» فى عدد من العواصم العربية لمدة طويلة وله كتاب مهم عن غزة.

والعجيب أنه كان يحضر اجتماعات التحرير بانتظام فنضطر نحن أعضاء هيئة التحرير وكلنا عرب من مصر ولبنان والكويت والعراق وفلسطين وسوريا، إلى التحدث باللغة الإنجليزية فى معظم وقت الاجتماع حتى يتيسر له معرفة ما سيحتويه العدد الجديد من المجلة!

والواقع أن «جيرالد بت» وهذا هو اسمه كان إنسانًا سلساً وعلى دراية بالحياة العربية ويعرف بعض الكلمات العربية، فقد عاش فى البحرين والأردن ولبنان والقدس ولم تكن له أى تحفظات أو اعتراضات على ما تتناوله المجلة من قضايا.. بل كان متعاطفًا بشكل ما مع قضية الشعب الفلسطينى بعد أن عايش بنفسه اندلاع الانتفاضة الأولى فى 1987.

وكان أمر توليه رئاسة تحرير مجلة عربية مثيرا لتساؤل واستغراب كل من يعلم به، والحقيقة أننى لا أعرف ظروف تعيينه فقد حدثت قبل التحاقى بالمجلة ولم أستطع التوصّل إلى السبب وإن كنت أظن أن ارتباطه بالمجلة بدأ مع تأسيسها بواسطة «بى بى سى» التى كان يعمل مراسلا لها فى الشرق الأوسط. 

 وفى الأسبوع المقبل نواصل.