اللهم إني ناقد 1
ممالك عبد المالك

د. هانى حجاج
تقرأ هذا الكلام وأنت تبدأ فى مشاهدة «شباب امرأة» و«شهادة معاملة أطفال» لأديب الدراما «محمد سليمان عبد المالك» الذى ترك الطب ليتفرغ للأدب وغادر الأدب بعد كتابة «حياة جديدة» للفن، لكنه لم يتخل عن نباهة الطبيب ولا بداهة الأديب؛ فاختار بالأولى موضوعاته بعناية عملية تجعل مسيرته متوازنة أنيقة تضمن لها الاستقرار بين مسلسلات البذخ البصرى والعائلات التى تأكل بعضها وأرباب السوابق المنتقمين. وبالثانية حرص على تأسيس عمود فقرى لمسيرته ولشكل الدراما عمومًا فى السنوات الأخيرة وإلا مالت كل الميل لرتابة الورش أو التوابل التجارية، فتبنى تحديث وعصرنة دعائم من أعمال الكبار «إمبراطورية ميم، مذكرات زوج، راجعين يا هوى» بجهد مخلص يسهل معه إخفاء العنوان الأصلى ليغدو المحتوى من تأليفه وبموهبته قادرا على إزالة شكوك الاقتباس بحيل كتابية سريعة.

يملك عبد المالك خبرة غير هيّنة بالبناء الدرامى، كل ما يكتبه ملتزم بأصول الصنعة وتقسيم الفصول والعناية بالقفلة والختام فهو من عالم الورق أساسًا، كتب القصة للأطفال وله عدة سلاسل روائية ناجحة، أخفقت المؤسسة العربية الحديثة فى تطويرها برحيل مؤسسها الناشر الكبير حمدى مصطفى، بالرغم من أن مقدمة كتابه الوحيد فى سلسلة «ترانزيت» تُعد من أصدق ما كتب مؤلف شاب عن نفسه ولسان حال الكثيرين، توقف المشروع مع طفرات النشر التى عجزت عن أن تجاريها المؤسسة، وتبدّل ذوق القارئ، وقتها كنا نجرب الكتابة فى وجود د. نبيل فاروق ود. أحمد خالد توفيق، أما الآن فالمنافسة ضد من؟ حتى لا تتكرر النهاية ذاتها، يعى «سليمان» الدرس فيسير على خيط صراع البقاء الرهيب الرهيف فى عالم الدراما بلعبة توازنات هادئة تثير الإعجاب!
هكذا تلمس تمكّن مثالى من الحبكة البوليسية فى مسلسلات «صوت وصورة» و«رقم سرى» تجد فيها موهبة كصدقى صخر النسيج الملائم لحياكة شخصية ورؤية وتشويق لتصبح الجريمة عتبة للدخول فى عالم الحيتان وفتح عدة ملفات مهمة دون شعارات كبيرة، يجب أن يكون تصميم السيناريو والحوار واعيّا لموضوعه حتى تنتبه لبراعة محمد عبده فى دور الانتهازى الظريف. أما لعبة الانتقالات بين الماضى والحاضر فهى سلاح ذو حدين، أحيانًا تجعل العمل يضعك على حافة المقعد يقظًا وكثيرًا ما يشتتك فتتجاهله، لكن عبد المالك أجاد السلاح السرى سالف الذكر عدة مرات بنجاح، فى مسلسلات مثل «رسايل» و«خيط حرير» لمى عز الدين. حتى فى مسلسلات الحركة التى تلعب على تيمة «البطل الغامض وراءه سر ويطارده كل الناس»- الحصان الأسود وفرق توقيت وباب الخلق- تجد العناية بالسيناريو سامحة لأبواب صغيرة يفتحها على مواضيع كبيرة ربما لا يفيد طرحها مباشرة. الأمور ليست ناعمة تمامًا وقد تطرح بعض أعماله، كمسلسل «ممالك النار»، أسئلة جدلية تخص التاريخ ورهانات اليوم، لكنك لا تنكر التزام المؤلف فى تركيب النص لعرض أفكاره ورؤيته الخاصة حتى لو كانت تخالف ما تعتقده أنت. هكذا يُناقش الفن!
خلال رمضان يطرق سليمان باب عدة أنماط بنشاط على شاشة التلفاز ومنصات العرض ولا تندهش عندما تجده يكتب فى سكة الكوميديا «شهادة معاملة أطفال» لمحمد هنيدى شخصيًا، وكلنا بحاجة لأن يستعيد الأخير روحه الشابة المرحة، فهو ظريف يضحكنا من القلب فعلًا، لعل اختياره لنص يكتبه عبد المالك ينسينا خيارات سابقة لم تضحكنا وبقينا نذكر نجاحاته الكبيرة منذ سنوات طويلة، فها هى فرصة للإمساك بتلابيب حكاية «مكتوبة كويس» نضمن أننا لن نمل منها سريعًا. يلعب هنا دور محام يفيق بعد غيبوبة استمرت عشرين عامًا، فكرة دارجة وحيلة منطقية تعادل السفر عبر الزمن، فإذا لم يكن التخصص الأول للمؤلف هو الكوميديا، فها هو يقترح موضوعًا تتدفق منه المفارقات تتخلّق على أوراقه، والباقى على هنيدى!
«شباب امرأة» فيلم خالد فى الوجدان، شخصياته لا تُنسى، القصة الحقيقية لتجربة مر بها صلاح أبو سيف فوضعها أمين يوسف غراب على الورق بمقدرته الفريدة على تصميم الشخصيات شكلًا وموضوعًا «الرواية صدرت بعد الفيلم على عكس السائد!».. فرصة لغادة عبد الرازق بطلة المسلسل لتجديد شبابها «الفنى» فى الدور الذى تحبه كامرأة تغلب الرجال. من سيلعب أى دور وكيف يتفوَّق؟ من العبث طرح أسئلة كهذه، إذا كنت تأمل فى منافسة مع الدلال المتجبِّر لشفاعات/ تحية كاريوكا والاستسلام اللئيم من إمام/ شكرى سرحان والغضب الحانق الحكيم لحسبو/ عبد الوارث عسر، فسوف تنتظر طويلًا! دعنا نتفاءل بأننا على اتصال بتحف الأقدمين دون تكرار مناقشات ضيقة من نوع «إنكم تؤكدون سلطة الرجل فتُعاقب المرأة وحدها» لأن العمل متكامل فعلا من الوجهة الدرامية، فإذا بدأ بتجربة ذاتية للمخرج، لا يغفل حوار نجيب محفوظ البارع التلميح إلى ذاك الظلم المجتمعى: الجرسون يسأل «من سيدفع حق الليلة المشاريب؟» وحسبو يجيب ساخرًا «الست هى اللى هتحاسب!».