السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
إدارة الحروب.. وأخلاق الملوك

إدارة الحروب.. وأخلاق الملوك

وكما كان للأخلاق اتيكيت لدى المصريين القدماء فقد كان أيضا للحرب «أصول وقواعد» وكانت هناك دروس مستفادة من القادة والملوك فى قيادة الدولة فى وقت السلم والحرب وفى عقاب المخطئ ومثيرى الفتن ومحدثى البلبلة. ونتعجب اليوم عندما نرى ذلك النص الذى يعود -أغلب الظن- إلى نهاية الأسرة العاشرة فى مصر القديمة، وينسب إلى الملك مرى كارع الذى يتلقى نصائح من والده الملك خيتى فيقول له فيما معناه «الرجل الذى يثير الفتن ويحدث الفرقة ويتسبب فى تقسيم المجتمع إلى قسمين ساخطين، إذا وجدته بين المواطنين فتخلص منه لأنه بالفعل متمرد، وإذا نشر الأحاديث (الشائعات) فى المدينة واستمر فى إثارة المشاكل فتخلص منه فالمتمرد الواحد يمكنه أن يزعزع الجيش بأكمله، لذلك دعه يلق نهايته فى الفوضى ذاتها التى تسبب فيها». 



ويستمر ليشرح لابنه «مرى كارع» فى توجيهات حازمة، يخالطها الكثير من الإحساس بالمسئولية والعدالة والخشية من الآلهة «وإذا اشتعلت الجماهير فليؤخذوا لدار العمل ولكن.. كن رحيمًا حينما تعاقب، وكن مستقيمًا أمام الألهة وحينها سيقول عنك الناس فى غيابك إنك تطبق العقوبة بعدل». 

 

 

 

تلك النصائح لإدارة الحروب فى زمن الفتن دونها المصرى القديم على برديات، وتم إعادة نسخها فى عصور متتالية، ويعد ذلك النص الذى يتناول نصائح سياسية وإدارية للحاكم تعود للقرن الواحد والعشرين تقريبا قبل الميلاد سابقا بقرون لكتاب «فن الحرب» للحكيم الصينى «صن تزو» والذى يعد من أهم مائة كتاب فى تاريخ البشرية كما تم تصنيفه. وعلى الرغم من أن نصائح صن تزو كانت صالحة لكل زمان ومكان وخاصة فى مجال إدارة الصراع ليس فى المجالات العسكرية فحسب، ولكن أيضا فى المجالات السياسية والإدارية وحتى الرياضية إلا أننا نجد هنا أن المصرى القديم تناولها قبله بعدة قرون ولكن مع وضع البعد الإيمانى والأخلاقى فى الاعتبار.

فيحث الملك ابنه فى مقتطفات من نفس النص قائلا: «لا تفعل الشر؛ فالتسامح فضيلة، اجعل ذكراك تدوم من خلال محبة الناس لك، ازدهِر بالشعب الذى تحتضنه المدينة، أظهر الاحترام الواجب للنبلاء، وساند شعبك…

وحصِّن حدودك ومناطقك العازلة، فمن الحكمة العمل من أجل المستقبل. إن حياة من يتبصَّر فى الأمور ستُحظى بالتقدير، أما من يفرط فى الثقة فسيعانى». 

«اجعل الناس أوفياء لك / بحسن خلقك، ذليلٌ هو من يُخضِع الأرض بالقوة، أحمق هو من يطمع فيما يملكه الآخرون» وفى موضع آخر يظهر مرة أخرى البعد الأخلاقى والعقائدى حين يقول:

«الحياة الدنيا زائلة ولا تدوم، محظوظٌ هو من يُذكَر بخير بسببها، عظيمٌ هو الحاكم الذى يكون مسئولوه عظماء، قويٌّ هو الملك الذى لديه حاشية وفية، وغنيٌّ هو من كثرت لديه الكفاءات. انطق بالحق فى قصرك، حتى يحترمك المسئولون الذين يحكمون البلاد».

المصرى منذ القدم وحتى الآن لم ينس أخلاقه ولم ينس أنه سيبعث بعد الموت ويحاسب، حتى وهو يوصى بالتعامل بحزم مع مثيرى الفتن.