حكايات 60 سنة صحافة ـ الحلقة الثانية عشرة
صحافة ليست على الورق!

منير مطاوع
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
الذى قد لا يعرفه بعض الناس بينما يعلمه أغلبهم، هو أن هناك صحافة أخرى، غير تلك التى نتعامل معها يوميا على الورق.
صحافة ناطقة تتحدث بها الألسن وتنشر الأخبار والشائعات والوقائع، والأخبار الصحيحة والكاذبة فى وقت واحد.. بطريقة فورية، لحظة، بلحظة، وعلى مدار الساعة وبأسرع من سرعة الصوت ربما!.
هى صحافة مفتوحة للجميع ولا تشترط أن يكون صناعها من الصحفيين على الرغم من أن بعض الصحفيين لهم يد فى نشرها.

هذه هى الأخبار والوقائع التى لا تنشرها الصحف الورقية، بحكم آداب ومعايير العمل الصحفى التى تقتضى التأكد من صحة هذه الأخبار قبل نشرها.
والصحفيون تواجههم كل يوم نوعية من الأخبار والوقائع التى لا يمكن نشرها على ورق الجريدة أو المجلة، فما يحدث هو أنهم يرددونها فيما بينهم أو يبلغون بها من يريدون، وهذا أحد مصادر الأخبار والأقاويل والشائعات والأكاذيب، حيث تتداخل الحقائق وتختلط بالأكاذيب والفبركات والدسائس.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى
وفى الماضى كانت هذه «الصحافة» تعتمد على الكلام واللسان، لكنها الآن فى ظل انتشار التكنولوجيا الرقمية والإنترنت والذكاء الاصطناعى أصبحت أكثر رواجا منها فى أى زمن سابق.
وهكذا أصبح كل من هب ودب قادرا على نشر الأسرار والأخبار والأكاذيب والفضائح والوشايات والاتهامات والادعاءات، بلا حدود ولا معايير ولا قيود ولا اعتبارات مهنية أو أخلاقية.

وهذا الحال أساء للحقيقة وأفقد الناس الثقة فى مصادر الأخبار وأدى إلى تدهور ملحوظ فى إقبال الناس على شراء الصحف الورقية فانهارت أرقام توزيع الصحف والمجلات، حيث تحوّل الناس وخاصة الشباب والمراهقين إلى الإنترنت والمواقع الإلكترونية لمتابعة الأخبار أولا بأول «أون لاين» فى لحظة وقوعها.
فماذا تفعل الصحف الورقية التقليدية؟
هذه ورطة تعيشها الصحافة منذ فترة وتبحث لها عن حل، وأصبحنا نسمع من وقت لآخر أخبار صحف توقفت عن الصدور، وأخرى تحولت إلى مجرد مواقع إلكترونية.. وفشل خبراء كبار فى الصحافة فى التوصل إلى حل حاسم لمواجهة هذه الأزمة، لكن مع ذلك لا تزال الصحف والمجلات الورقية موجودة وتصدر كل يوم وكل أسبوع، قل التوزيع طبعا، لكن الصحافة الورقية لم تمت واعتقادى الشخصى أنها لن تموت.
وبسبب انتشار ظاهرة الأخبار الكاذبة أو المزيفة التى يطلقون عليها عالميا وصف «فايك نيوز» وجدت نفسى مستغرقا فى تحرّى هذه الظاهرة المرضية الخطيرة التى اجتاحت العالم عبر مختلف وسائل الاتصال بما فيها الصحافة ومن خلال مواقع الإنترنت أساسا.. إضافة طبعا إلى الصحافة المتداولة على الألسنة، ونشرت على صفحات «صباح الخير» سلسلة من 14 حلقة تناولت فيها مختلف جوانب هذا الوباء، كان ذلك منذ سبع سنوات فى عام 2017 وعندما نويت أن أضع هذا البحث بين دفتى كتاب يسهل الاطلاع على محتوياته، وجدت الناشر يقترح عليّ أن أتوسع فى البحث وجمع الوثائق والبيانات التفصيلية مع استعراض واسع لتاريخ الظاهرة ووقائع ظهورها وانتشارها فى مختلف أنحاء العالم.
وهى فكرة أعجبتنى، وأحاول أن أمنحها القدر المناسب من الوقت والجهد هذه الأيام حتى تخرج على الهيئة التى أتصورها.

وأتوقف قليلا أمام الأخبار الكاذبة التى انتشرت فى مصر فى عهد الرئيس مبارك، ونشرها التليفزيون حيث كان الناس يفاجأون من وقت لآخر بالتليفزيون يعلنهم وفاة شخصية مشهورة جدًا ومحبوبة جدًا مثل فنان الشعب فريد شوقى، ليتبين بعدها أن الرجل حى يرزق!
وبعد فترة يطالعنا التليفزيون بخبر مشابه عن وفاة الفنانة نادية لطفى.. وبعدها بفترة أخرى وفاة سعاد حسنى (وذلك قبل وفاتها الفعلية بسنوات) وأفاجأ فى لندن بجميلة الجميلات تبلغنى بالخبر فأتصل بأحد أصدقائى فى وكالة الأنباء الفرنسية ليقوم بتكذيب الخبر بعد أن يتحدث بنفسه مع سعاد حسنى.. وتنتشر أخبار تسخر من التليفزيون وأخباره الكاذبة الشريرة.. ونهدأ قليلا لنفاجأ بخبر يعلنه التليفزيون أيضا عن وفاة صديقتنا النجمة ليلى علوى فنتصل بها لنتأكد من أن الخبر مزور، وتشكو ليلى فيضطر التليفزيون إلى إجراء حديث معها على الهواء مباشرة ويكلف بهذه المهمة مفيد فوزى.
إذن فالأخبار الكاذبة ليست فقط تلك التى ينشرها مروجو الشائعات أو هواة الكذب.
أما ملك الأخبار الكاذبة فى العالم فهو الرئيس الأمريكى السابق رونالد ترامب المرشح للرئاسة الآن وهو يكذب كما يتنفّس (وهذا الوصف أطلقه عليه أحد أعضاء حزبه الجمهورى) ويواصل الكذب علنا فى مناظراته وخطبه حتى الآن، ومنذ سنوات كان يعلن بكل فخر أنه صاحب مصطلح « فايك نيوز» (الأخبار الكاذبة)!
وقد استطاع باستخدام أخبار كاذبة وإشاعات ضد منافسته فى انتخابات الرئاسة السابقة هيلارى كلينتون، أن يشوه سمعتها ويفوز عليها بأكاذيبه.
حديث شخصى
ومن القضايا المسكوت عنها، قضية أخرى هى «زنى المحارم» أثار انتباهى إليها حديث شخصى جمعنى مع أهم كاتب قصة قصيرة عرفته مصر حتى الآن، يوسف إدريس، كانت قد جمعتنا صداقة من نوع خاص، كاتب كبير لامع وصحفى شاب جديد، والحقيقة أن علاقتنا لم تكن بسبب أننى صحفى، فلم يحدث إطلاقا أن أجريت حديثا مع يوسف إدريس أو نشرت خبرا عنه، طوال تعارفنا الذى كان قائما على حبى للفن الأدبى والصحفى لهذا الكاتب وإعجابى بشخصيته المنفتحة والشجاعة، وترحيبه باهتمامى بالأدب وترديده أننى «فنان» فى مهنتى.
وسمحت لى هذه الصداقة التى جمعتنى مثلها بالفنانة نادرة المثيل سعاد حسنى، وكنت أحدثها وتحدثنى طويلا على التليفون وهى مطمئنة إلى أننى لن أنشر ما جرى، ولم أكتب عنها سطرا، إلا بعد حوالى 30 سنة، عندما وجدت أنها جاءت إلى لندن حيث أعيش وأعمل كمهاجر، وبطلب من رؤوف توفيق رئيس تحرير «صباح الخير» وقتها اتفقنا أن نرصد سيرة حياتها فى حديث طويل أجريه معها لتتواصل مع جمهورها الذى انقطعت عنه إجباريا بسبب مرضها.
نعود ليوسف إدريس، من خلال جلساتنا فى «ريش» وغيرها، وجدتنى مرة أسأله عن الموضوعات التى خاف من تناولها فى قصصه ورواياته على الرغم مما يتمتع به من شجاعة وجسارة.. وهو يعرف أن هذا كلام ليس للنشر، لكن لعلمى الشخصى، فجاءت إجابته بأن أكد لى فكرته عنى من أننى كما يرى هوـ فنان، فعلى الرغم من عشرات الأحاديث الصحفية والتليفزيونية التى أجريت معه، لم يسبق أن سأله أحد هذا السؤال، أما الإجابة فهى، أن من أكثر الموضوعات الشائكة التى لم يجد لديه الشجاعة على تناولها بتركيز فى أعماله الأدبية، ظاهرة عايشها فى حياته فى الريف.. وهى «زنى المحارم».
ظلت فكرة الموضوع فى رأسى إلى أن وجدتنى أستعد لها وأبحث بعض جوانبها، تمهيدا لعرضها فى اجتماع التحرير.. لكن ذلك لسبب غامض تماماـ لم يحدث أبدا!
هل كنت أفتقد الشجاعة؟..
هل خفت من المشايخ كما برر لى يوسف إدريس سبب عدم تعرضه لهذا النوع من المسائل الحساسة جدا؟ـ أم أن عقلى الباطن أغلق الملف حتى لا أجد نفسى فى أزمة مع المجتمع كله وهو أيضا ما برر لى به يوسف إدريس موقفه من مثل هذه القضايا، مؤكدا أن الكاتب يعتقد أنه مطلق الحرية، وهذه أكذوبة، هو حر نعم، لكن فى حدود. وهناك سلطات قوية تفرض نفسها عليه، سلطة الدولة، سلطة الرأى العام، سلطة رجال الدين، سلطة الرقيب الداخلى، وسلطة القيم الراسخة المتخلفة فى مجتمعاتنا، فأنت لا تريد أن تكون فى عداوة مع الجميع.. تكفيك العداوات القائمة.
وفى الأسبوع المقبل نواصل