الثلاثاء 16 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أكاديميات الساحرة المستديرة: «بزنس» أم «رسالة»؟!

«حلم «كابيتانو مصر» يمنح الأمل فى وصول عشرات المحترفين إلى أوروبا وينعكس ذلك على المنتخب الوطنى مستقبلاً.



ما أجمل أن يصبح ابنك مثل النجم «محمد صلاح» أشهر لاعب مصرى خاض تجربة احترافية فى الدورى الإنجليزى بعدما استطاع الفوز بلقب البريميرليج ودورى أبطال أوروبا مع ناديه ليفربول، من هنا يشعر الأب أو الأم أن الحلم قد يتحول إلى حقيقة.

وتستثمر أكاديميات كرة القدم الخاصة هذا الحلم فى أداء الدور الذى لا تؤديه الأندية فى أغلب الأحيان، فتعلن عن فتح الباب لضم الصغار مقابل مبلغ مالى، يتحدد بناء على جودة الأكاديمية وما ستقدمه للصغار من خدمات، وعلى هذا الأساس ينجذب ولى الأمر من أجل تحقيق الحلم، ويخشى أن يتقاعس عن إشراك ابنه فيشعر بالندم فى المستقبل لأنه يرى كيف يربح اللاعب حين ينضم إلى ناد كبير سواء داخل مصر أو خارجها.

 

 

 

تلك المشاعر هى المحرك لأولياء الأمور لتأمين مستقبل «الابن» خاصة إذا كان موهوبا، ويضطرون للتضحية بوقتهم مقابل أن يحصل طفلهم على فرصة الوصول إلى المجد، فأحيانا يستيقظ الأب فجرا لسفر نجله من الأقاليم إلى القاهرة لخوض الحصة التدريبية ثم العودة إلى منزله، على أمل أن يصبح مشهورًا يومًا ما.

وهذه الظاهرة ليست موجودة فى مصر وحسب، وإنما فى الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا، التى ينهال عليها أصحاب البشرة السمراء فى محاولة للبحث عن مكان فى دورى كرة السلة «NBA» الذى يحقق الثراء السريع للاعبيه الذين لا يهتمون كثيرا بالعلوم الدراسية حيث بعضهم ينجح والآخر يفشل.

أنواع الأكاديميات

تنقسم الأكاديميات من حيث المستوى بحسب قوتها، وعلى هذا الأساس يتحدد الاشتراك، فكلما اكتسبت قوة فى التسويق والتأثير وتقديم العلم بجانب تعلم المهارات، أصبح سعرها مرتفعًا.

وتندرج الأكاديميات لتصل إلى الأحياء الشعبية التى تلعب على جذب الأطفال لتعلم اللعبة بدلا من اللعب فى الشوارع والحارات، مقابل مبلغ مالى يتناسب مع قدرات سكان هذه المناطق.

يصل الاشتراك السنوى لبعض الأكاديميات الكبرى إلى 50 ألف جنيه وربما أكثر، حيث تقديم خدمات مثل توفير مدربين يمتلكون خبرات ورخصة دولية للتعامل مع الأطفال وتقسيمهم بحسب قدراتهم إلى فئات مختلفة، والعمل على تحسين جودة تعاملهم مع الكرة وتقديم الخبرات التكتيكية لهم منذ الصغر، وإتاحة الفرص لهم للالتحاق بأندية كبرى بحسب العلاقات ومهارة الناشيء.

 

 

 

أما فى المناطق الشعبية، فالمدرب عادة يكون لاعبًا لم يحالفه الحظ فى استكمال مشوار اللعب، فيتحول إلى التدريب ويجمع الصغار لتعلم اللعبة، وعلى الأرجح لن يصل الأطفال إلى شيء نظرا لضعف الإمكانيات مقارنة بسعر الاشتراك.

ويصل سعر الاشتراك إلى 400 جنيه شهريا، يتم دفعها كل 8 حصص تدريبية، وكل فترة يجرى رفع القيمة المالية مع مطالبة ولى الأمر بشراء ملابس رياضية عن طريق أصحاب هذه الأكاديمية، ليتحول الأمر إلى بيزنس صغير يتسع مع زيادة عدد الأطفال.

ويتطور الأمر قليلاً، فيلجأ «المدرب المغمور» إلى الاستعانة بناد صغير، يحصل من خلاله على فرصة لإلحاق شباب أكاديميته الخاصة بقطاع البراعم والناشئين فيه، مقابل أن تقاضى مقابلاً مادياً من ولى الأمر، بعد أن يمر بمجموعة من الحصص التدريبية عن طريقه وحتى يحصل الطفل على كارنيه بقيده فى منطقة كرة القدم ويتحول إلى لاعب رسمى مقيد فى السجلات.

ويختلف الأمر فى أندية المحافظات الكبرى، التى تبحث عن المواهب فى المناطق الشعبية مثل الإسماعيلى والمصرى والاتحاد والمحلة، وهى بيئة خصبة لاكتشاف المواهب وتمتلك «عيون خبيرة» لانتقاء الصغار الواعدين، والوصول لها أيضا قد يكون عبر الأكاديميات الخاصة.

الغرض الرئيسى فى النهاية هو البحث عن الموهبة، لكن التعامل معها هو محور الحدث، فهناك من يبيعها بسعر مناسب فى سن مبكرة، وآخرون ينتظرون حتى تكتسب الخبرات، بينما يمتلك البعض الصبر كى تذهب بعيدا، كل ذلك يؤكد أن الحظ قد يكون عاملا فى التحكم بالصغار، منهم من يسطع سريعا فيما تعانى الغالبية للبحث عن فرصة حقيقية.

 

 

 

حيرة ولى الأمر

عادة ما يصل الطفل إلى نقطة الصفر إذا لم يستمر والده فى الإنفاق عليه، سواء لتعلم أساسيات اللعبة بجانب تنمية موهبته وتوفير برنامج غذائى مناسب للمجهود الذى يبذله من جانب إضافة للمصاريف الدراسة كى لا يتأثر مستواه العلمى من جانب آخر.

ينجذب بعض أولياء الأمور لمشاريع الأكاديميات، خاصة مع ما تشيعه كل واحدة عن نفسها من قدرتها على إلحاق الأطفال بقطبى كرة القدم الأهلى والزمالك، فضلا عن الأندية الشعبية الشهيرة مثل الإسماعيلى والاتحاد والمصرى والمنصورة والمحلة الموجودة فى محافظات مختلفة.

وإذا كان من يمتلك الأكاديمية لاعبًا كبيرًا فقد يكون حلم الاحتراف فى أوروبا هو ما يشغل ولى الأمر وقتها، لأن الشاب ستتحول حياته جذريًا إذا ما طلب ناد أوروبى سفر الناشيء لخوض فترة معايشة للتعرف على إمكانياته، ومن هنا يبدأ حلم الثروة فى مغازلة العقول.

مؤخرًا، أنفق أحد أولياء الأمور نحو 200 ألف جنيه من أجل سفر ابنه الناشيء إلى إحدى الدول العربية، مقابل الإقامة وتذاكر السفر و«عمولة» لأحد سماسرة التدريب، على أمل الحصول على عقد فى أحد الأندية الخليجية حسب زعم ذلك المدرب، إذ يتطلب الأمر وجود اللاعب من أجل فترة معايشة، لكنه «رجع بخفى حنين» بعد تجربة ووعود غير حقيقية.

يلجأ بعض الآباء إلى توفير مبلغ الاشتراك فى الأكاديمية كى لا يلعب نجله فى الشارع ويحصل على جرعات تدريبية تساهم فى بناء التكوين البدنى، بعيدا عن حلم الاحتراف الذى يراود الغالبية، لكن مقابل ذلك يبتعد على الأرجح عن رفاق السوء ويعتاد على الالتزام، ويدرك أن الاستمرار فى الرياضة يجب معه الابتعاد عن التدخين حيث يكون الطفل عرضة للسقوط فى هذه العادة السيئة خلال عمره الصغير الذى يفتقد فيه للخبرات المناسبة لاتخاذ مثل هذا القرار.

نماذج مختلفة

نظام الأكاديميات فى أوروبا مختلف تمامًا، وأبرز مثال هو ما تقدمه أكاديمية «لا مسيا» التابعة لنادى برشلونة الإسبانى، حيث يجرى البحث عن المواهب للتعاقد معها، أو حتى شرائها ويدخل الطفل للتعلم فى الفصول الدراسية والمبيت فى مراكز السكن ويحصل على يوم متنوع.

يكتسب الطفل فى «لا مسيا» أخلاقيات كرة القدم، ويتلقى ما يحتاجه من علم، ثم يبدأ فى التشبع بدروس كرة القدم النظرية والتدريب العملى داخل الملعب، وتعلم الإنصات للمدرب واحترامه فى سن مبكرة، وإدراك الجانب الاجتماعى للرياضة وما تقدمه من خدمات جليلة للإنسانية، بحيث إذا فشل الناشئ فى الالتحاق إلى فريق كبير، يكون قد حصل على ما يحتاجه فى الحياة ليصبح إنساناً سوياً.

الاعتماد على الصغار فلسفة مهمة لدى برشلونة، ففى عام واحد صعد لاعب من «لا مسيا» يدعى «الأمين جمال» فى عمر 16 عامًا، استطاع خطف أنظار خبراء الكرة أوروبا، حيث «سعى باريس سان جيرمان» الفرنسى لضمه مقابل 200 مليون يورو، لكن النادى الكتالونى رفض العرض لأنه يعتبره نجم المستقبل ولا يمكن التفريط فيه، فقد ضمه وهو طفل واستطاع تطوير موهبته حتى تألق وأصبح عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه فى كتيبه المدرب «تشافى هيرنانديز».

 

 

 

وفى المغرب لا حديث إلا عن «أكاديمية الملك محمد السادس» التى تهدف إلى منح اللاعبين المغاربة الصغار فرصة الالتحاق بناد أوروبى يستكمل من خلاله طريقه كى يعود ذلك بالنفع على المنتخب.

وما قدمه منتخب المغرب فى كأس العالم بقطر 2022 والوصول إلى المربع الذهبى لأول مرة فى تاريخ الدول العربية والأفريقية، خير دليل على التخطيط المميز الذى تسير عليه الكرة المغربية.

وبالتالى، قرر الكثير من الأندية فى أوروبا التوجه إلى قارة أفريقيا للبحث عن المواهب واستقطابها، مع اتباع الأسس العملية المفتقدة هناك، وبدأت أكاديمية هذه الأندية تتمركز فى الدول المشهور عنها تقديم الناشئين الموهوبين لعالم الساحرة المستديرة، مثل مالى والسنغال ونيجيريا وغانا وجنوب أفريقيا، لا سيما أن بعض فرق الدورى الفرنسى نركز على هذه المناطق بسبب اللغة المشتركة.

ويسعى «الأهلى والزمالك» وأندية المحافظات لتفعيل دور الأكاديميات وقطاع الناشئين لجذب الكثير من المواهب ليكونوا نواة للمستقبل، رغم أن الأندية الكبرى فى العالم لا تميل إلى الدفع مباشرة بالواعدين فى الفريق الأول. وتفضل الأندية الكبرى مراقبة الشباب لديها عن طريق خروجهم على سبيل الإعارة إلى أندية أخرى للدخول فى تجارب احتكاك ومعايشة مختلفة، وتعد هذه الوسيلة فعالة ومازالت فى اكتشاف لاعبين مثل محمد عبدالمنعم فى الأهلى ومصطفى محمد بالزمالك، وغيرهم من المميزين.

حلم كابيتانو مصر

تتعاون «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» مع «وزارة الشباب والرياضة» من أجل تحقيق حلم «كابيتانو مصر»، الذى يهدف إلى اكتشاف المواهب المهمشة والصغيرة وتقديم الدعم لهم، لتسهيل وصولهم إلى الاحتراف الأوروبى، مما ينعكس بالإيجاب على مستوى اللاعبين فى منتخبات مصر المختلفة.

وسرعان ما بدأ العمل فى جميع المحافظات، للوصول إلى المواهب الصغيرة لا سيما أنه كلما تم اكتشاف الطفل فى سن مبكرة، استطاع خبراء كرة القدم إكسابه الكثير من المهارات، وتقديمه لعالم كرة القدم بصورة أكبر احترافية تحقق العائد المرجو منها.

ويعد النجم المصرى محمد صلاح مصدر إلهام من أجل الوصول إلى المواهب الصغيرة وتقديمهم، لا سيما أن «مو» الذى حصد الكثير من الجوائز الفردية والجماعية لم يكن مقنعًا للكثير من الأندية فى بداياته.

صناعة وتسويق

فتحى مبروك المدير الفنى لأكاديميات النادى الأهلى، قال لـ«صباح الخير»: الأكاديمية الخاصة أصبحت حاليا تهتم أكثر بالتسويق، وتوقع عقودا مع ولى الأمر كى تضمن نقل نجله عن طريقهم إلى فريق كبير، مع الاعتماد على العلم باعتبار ذلك صناعة مهمة، لا سيما أن تلك المؤسسة ستحصل على نسبة من إعادة البيع والاحتراف، إضافة إلى الدعاية التى ستربحها باعتبارها سببًا فى وصول الصغار إلى المجد الكروى.

وأشار مبروك إلى أن هناك الكثير من أنواع الأكاديميات، لكن على ولى الأمر أن يتحقق جيدا من المؤسسة التى يرغب فى إلحاق نجله بها كى يحافظ على فرص الناشئ فى مستقبل مبهر له إذا كان موهوبا.

وأضاف أن مصطلح الأكاديمية حاليا أصبح واقعًا موجودًا فى عالم كرة القدم، ولكن بشرط أن تحافظ على حق الطفل فى تعلم المهارات التى تضيف له فى المستقبل، وكلما كان الاهتمام بالناشئ معتمدا على العلم أصبح تطوره أسرع.

بيزنس كبير

أكد طارق مصطفى- نجم نادى الزمالك الأسبق لـ«صباح الخير» أنه خاض تجربة التدريب فى المغرب جعلته يقترب أكثر من أكاديمية محمد السادس وما تقدمه للأطفال الموهوبين من خبرات يحتاجونها فى هذه المرحلة العمرية.

وأشار إلى أن أغلب نماذج الأكاديميات فى مصر ما هى إلا بيزنس كبير، الهدف من خلاله تحقيق الأرباح لأصحابها، وعلى ولى الأمر الالتفات إلى ما يكتسبه نجله من خبرات مقابل المال الذى يدفعه، محذرًا من الاندفاع وراء حلم احتراف ابنه فى أوروبا أو ناد كبير ربما لا يتحقق فى المستقبل.

وأوضح «مصطفى» أن أغلب أندية الدورى الممتاز لا تستعين بالناشئين الذين لديها فى خدمة الفريق الأول، وربما يكون نادى إنبى هو المثال الناجح على تصعيد الصغار، لأن هناك نظاما معتمدا على انتقاء المواهب وتنميتها كى تكون نواة لصفقات المستقبل.

وألمح «مصطفى» إلى أن بعض الأندية تفتح الباب أمام إلحاق أكثر من 80 أو 90 طفلاً فى المرحلة العمرية الواحدة فى قطاع الناشئين، ليكون ذلك مصدر دخل للبعض سواء مدربين من داخل أو خارج النادى وأكمل: كلما كان من يمتلك الأكاديمية لديه علاقات متشعبة فى كرة القدم، استطاع إلحاق الصغار بالأندية الكبيرة وصناعة الدعاية لنفسه بأن الطريق عبر مؤسسته سيكون سهلا لتحقيق حلم الشهرة للناشئين وأولياء الأمور يسيرون وراء ذلك.

وشدد مصطفى على أهمية وجود كيان قادر على تقديم الخدمات الرياضية للناشئين بغرض الوصول إلى الاحتراف الأوروبى، وحينها ستكون الفرصة سانحة لصناعة منتخبات قوية فى مختلف المراحل العمرية والوصول إلى المجد الذى تجنيه المغرب حاليا. 

واختتم مصطفى قائلاً: الكثير من مواهب كرة القدم تعانى حتى يتم اكتشافهم وإتاحة الفرصة لهم، وهذا يتطلب الكثير من الأعين الخبيرة فى انتقاء الصغار وتقديم الدعم اللازم لهم.

منجم ذهب

اعتبر ممدوح الساعاتى وكيل اللاعبين فى تصريحات لـ«صباح الخير»: أن اكتشاف الأكاديميات للمواهب، بمثابة منجم ذهب، مشيرًا إلى وجود أكاديمية فى أفريقيا تمتلك لاعبا مميزًا، وكل سنة تحصل على مقابل مادى لإعارته لكل فريق ولا ترغب فى التفريط به مبكرا.

وأضاف الساعاتى أن الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» يحظر احتراف اللاعبين الصغار أقل من 18 عاما إلا فى شروط خاصة محددة، فيما تملك الأكاديميات فرصة للحصول على مقابل مادى حتى مع رحيل لاعبيها إلى فرق أخرى.

 

 

 

ويكفل الفيفا للأكاديميات والأندية حق الرعاية والنشأة للموهبة فى صغرها، بعدما صبرت عليها حتى توهجت، وهى وسيلة لتنمية موارد مكتشفى المواهب ويقرها الاتحاد الدولى لكرة القدم، وقد استفاد الزمالك كثيرا من انتقال نجمه أحمد حسام ميدو للكثير من الأندية الأوروبية وفقا لهذه القاعدة.