الجمعة 21 يونيو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكايات 60 سنة صحافة ـ الحلقة السادسة

«كله فى القهاوى» فن وسياسة وأدب وقصص أخرى

سوق الحميدية
سوق الحميدية

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

 

 

مطلع أغنية شهيرة وقتها للفنانة المتميزة عفاف راضى هو «كله فى الموانى». 

وأذكر أنه دار نقاش حول عنوان التحقيق واقترح البعض أن يكون باللغة العربية الفصحى «كله فى المقاهى» لكننى فضّلت التعبير الشعبى «قهاوى» لأنه أقرب إلى النفس، فنحن لا نصدر- كما قلت وقتها - مجلة مجمع اللغة العربية!

«كله فى القهاوى»

كان عنوان تحقيق طريف كتبته فى صفحات «الأفيش» وهى ملزمة الورق الملون الرخيص التى كانت تبدأ بها المجلة وتنتهى، تبدأ بحكاية قصيرة جدًا.. وتنتهى بالتحقيق الخفيف المصحوب باسكتشات ورسوم من الشارع.

 

 

 

وهذا العنوان فى الحقيقة هو تنويع على «ريش» مقهى الثوار وكان الموضوع طبعا عن مكانة المقهى فى حياة الناس وما يدور فيه من وقائع يومية، وحكايات عن تاريخ المقاهى وهكذا.. والحقيقة هى أننى من محبى حياة المقاهى، وأدعى أننى أمضيت أوقاتًا طويلة فى مقاهٍ عدة منها ما هو مشهور جدًا مثل «ريش» الذى تبين أنه كان يخفى فى البدروم المطبعة السرية لمنشورات ثورة 1919 وكانت تقدم فيه حفلات الآنسة أم كلثوم فى بداياتها، وأنه كان الملتقى المفضل لجمال عبدالناصر وبعض قيادات تنظيم الضباط الأحرار الذى قام بالحركة المباركة التى تحولت إلى ثورة 23 يوليو 1952 وفى مراحل مختلفة كان المكان المفضل لكتَّاب وصحفيين وشعراء وفنانى مسرح وسينما.

ومن حكايات «ريش» أنه كان مركزًا لنشاط وتجمع الأدباء الشبان المسمى «جيل الستينيات» وطبعا كان مقر الندوة الأسبوعية التى يعقدها نجيب محفوظ مع مريديه.

كما كان المكان الذى التقى فيه حسن فؤاد بلويس جريس واكتشفه وقدمه لأحمد بهاء الدين الذى عينه فى «صباح الخير». 

ولو زار أحد «ريش» الآن لوجده ترصّع جدرانه بصور فوتوغرافية لأشهر رواده على مر الزمن، كما سيشاهد لوحات كاريكاتيرية رسمها المبدع فنان «صباح الخير» و«روزاليوسف» جورج البهجورى أحد مشاهير رواد «ريش» حتى الآن.

مقهى «إيزائيفتش»

مقهى آخر.. تمت إزالته وأقيم بدلًا منه مطعم للفراخ!.. هو«إيزائيفتش» على ناصية ميدان التحرير وشارع طلعت حرب، واسم المقهى هو اسم صاحبه اليوغوسلافى الذى هاجر إلى مصر وكان معارضًا للزعيم «تيتو».

 

 

 

عرفت هذا المقهى وهو محل حلوانى فاخر، فى 1964 وكان ملتقى شباب الفنانين والسينمائيين وفيه التقيت لأول مرة بكاتب قدير وشخصية رائعة هو يوسف إدريس، وفيه تعرفت على جيل السينمائيين الجدد، خيرى بشارة، محمد راضى، مدكور ثابت، وغيرهم، وفيه التقيت محمود ياسين لأول مرة، عرّفنى عليه وعلى شهيرة التى تزوجها فيما بعد، المخرج مدكور ثابت رئيس أكاديمية الفنون فيما بعد، وكان وقتها يخرج أول عمل سينمائى درامى بعد فيلمه التسجيلى المدهش «ثورة المكن».. وكان محمود ياسين بطل الفيلم وأمامه البطلة شهيرة، وحضرت تصوير المشاهد الخارجية فى حديقة أرض المعارض فى الجزيرة التى أقيمت عليها الأوبرا الآن، وأتذكر مشهدا خلال التصوير يقتضى أن يسقط مشروب على بدلة محمود ياسين، وتم تنفيذ المشهد بدقة، وبعد التصوير كان محمود يشكو من فقدانه للبدلة التى أفسدها السائل الملون!

 

 

 

وأتذكر أيضًا أن «شهيرة» لم يكن هذا اسمها وقتها، لكنه كان «عائشة حمدى» على ما أذكر.

ومن ذكرياتى عن مقهى «إيزائيفتش» أننى تعرفت فيه على أهم وأخطر ناقد سينمائى فى مصر، وهو سامى السلامونى، وكان مثلى من عشاق طبق حلوى اشتهر به المقهى هو «عيش السرايا».. والغريب أن واحدًا من قدامى السينمائيين كان من رواد المقهى، وكان يحب الجلوس منفردًا وينظر بارتياب لشباب السينمائيين الجدد هو المخرج ذو الصوت الجهورى عباس فارس. 

وفى «إيزائيفتش» كان يتجمع عدد من شعراء العامية الشباب وأذكر منهم محمد سيف. وفيه كان يلتقى بعض محررى مجلة «الشباب العربى» نصر نصار ومحمود ثابت وحسام الدين فرحات، وذلك لقرب المقهى من مقر المجلة فى الطابق الحادى عشر من مبنى الاتحاد الاشتراكى المطل على النيل بجوار المتحف.

 ومن ذكرياتى عن هذا المقهى هو أننى تعرّفت فيه على كاتب قصة سابق لظهور يوسف إدريس هو محمد صدقى، وهو كاتب واقعى اشتراكى على طريقة جوركى الروسى، وكان يشكو من أن ظهور يوسف إدريس ضيّع كل من قبله ومن بعده، ويرجع السبب وراء ذلك إلى الصحافة.

 

 

 

وأذكر أننى كنت أحيانًا أجلس وحدى لأكتب موضوعات سأسلمها للمجلة، وكان من معالم المقهى عم جمعة الجرسون الفاخر الهيئة الطيب السوية الباسم دائما، ومن المعالم أيضا ماسح أحذية شاب كان اسمه «كامل» ولم يكن يكتفى بعمله بل يشارك فى أحاديثنا وملاحظاتنا على الأحوال وكل شيء. 

على بابا

وإذا انتقلنا للحديث عن مقهى آخر مثل «على بابا» المطل أيضا على ميدان التحرير من ناحية شارع التحرير، فسأتذكر الطابق العلوى فيه، حيث كان ينتهى مطاف نجيب محفوظ فى ساعات الصباح الباكر قادما من بيته المطل على النيل فى العجوزة على ناصية محل الفول والفلافل الشهير «نعمة» عابرًا الشوارع والكبارى وأكون فى بعض الصباحات، فى صحبته خارجًا من بيتى المجاور، خلف مستشفى الشرطة فى العجوزة.. أبقى معه طوال المسيرة ولدى وصولنا «على بابا» أظل فترة قصيرة معه نتناول القهوة ثم أتركه مع نفسه، ومع صحف الصباح، قبل أن يبدأ رحلته اليومية الطويلة فى السير على قدميه قاطعًا القاهرة وشوارعها وحواريها لساعات!.. ولو قال لك أحد أن أكثر شيء كان نجيب محفوظ يقوم به طوال حياته هو كتابة الروايات والقصص والسيناريوهات، فعليك ألا تصدقه، أكثر نشاط قام به نجيب محفوظ فى حياته هو..المشى!

 

 

 

سوق الحميدية 

مقهى آخر فى ميدان باب اللوق، هو «سوق الحميدية» كان يجلس فيه فى آخر أيامه ويعقد فيه ندوة أسبوعية، صديقى الناقد الخطير فاروق عبدالقادر، الذى جمع بين الثقافة الرفيعة والجرأة وقوة المنطق وحدة النقد وقسوته أحيانًا، وكنت تعرّفت عليه فى مقهى «ريش» عندما كان رئيسًا للقسم الثقافى لمجلة «الطليعة» اليسارية التى تصدر عن مؤسسة «الأهرام» لكنه اختلف مع رئيس التحرير لطفى الخولى الذى فصله من المجلة فيما بعد، فكان يكتب فى صحف مختلفة داخل وخارج مصر، ومنها «روزاليوسف» التى منعه من الكتابة فيها بعد فترة عبدالرحمن الشرقاوى، لأنه كتب نقدا قاسيا لإحدى مسرحياته!

 وفى سوق الحميدية تعرّفت على عبدالوهاب مطاوع وكان يعمل وقتها فى دار التعاون، قبل أن ينتقل إلى «الأهرام» وتبين لنا أننا من عائلتين متفرعتين من جذر عائلى واحد فى دسوق، وأن فرعًا منه انتقل إلى الإسكندرية هو عائلة أبى، وهذا ما حدث مع كرم مطاوع الذى التقيته عندما عاد من بعثته فى إيطاليا وكان ضمن لجنة تحكيم أول مهرجان لفنانى المسرح الشبان، وعرّفنى عليه صديقنا المشترك فاروق عبدالقادر، كان المهرجان مقامًا فى مدينة كفر الشيخ، وكنت أقوم بتغطية وقائعه، واقترح علىَّ كرم أن نترك المهرجان ونذهب سويا إلى دسوق القريبة منا لنتحرّى حكاية عائلة مطاوع التى ننتمى إليها، وذهبنا وقابلنا عواجيز العائلة وعرفنا أن مطاوع ليس اسم الجد الأكبر لكنه صفته، فقد كان أكبر مريدى الشيخ إبراهيم الدسوقى وسميت مهمته «مطاوع» أى الذى يطيع الشيخ ويشرح تفاسيره ونهجه الصوفى. 

بورصة الحرية

خطوة أو خطوتان تجد نفسك بعدهما فى مقهى آخر، أكبر كثيرًا، وأكثر اتساعًا بحيث تظنه عدة مقاهٍ وليس مقهى واحدًا، بجدرانه العالية وعمارته الخديوية هو «بورصة الحرية».. يهرب إليه من لا يرغب فى خوض معارك «ريش» ويلتقى فيه محبو لعب الطاولة والشطرنج، وتنظم فيه مسابقات وبطولات الشطرنج التى تابعت واحدة منها كان يشرف عليها الرجل الذى لم يفقد ظله والذى اكتشفنى سنة 1961.. فتحى غانم، فهو أستاذ كبير فى هذه اللعبة التى كنت مفتونًا بها وكنت أزوره فى بيته القريب من بيتى ذات يوم فوجدته يخوض معركة شطرنجية حامية مع شخصية فذة هى سعد الدين الشاذلى، كان ذلك قبل حرب أكتوبربسنوات.

 وفى «بورصة الحرية» كانت لى جلسات مع الناقد عبدالرحمن أبو عوف الذى قرأ لى قصة قصيرة نشرت فى باب «حكاية» فى «صباح الخير» فى مطلع السبعينيات، وأعجبه أسلوبى القصصى فأطلعته على غيرها فقال إن لدىَّ لمحات من أسلوب فلوبير.. وطالبنى بالاستمرار بل وإعطاء الأدب أولوية على الصحافة، وهو مالم يحدث إلا فى وقت متأخر.

وضاعت فرصة أحمد زكى  فى «العالمية»! 

أول فنان سينمائى التقيته وأجريت معه حديثًا صحفيًا هو أحمد رمزى، كان ذلك سنة 1958 تقريبًا وكان عمرى 13 سنة ونشرت الحديث فى مجلة أحررها وأصممها وأرسمها.. مجلة «صوت عتاقة» وهى مجلة حائط تصدر كل يوم أربعاء وأعلقها فى لوحة ضخمة فى قلب سوق المدينة السكنية لمصانع السماد فى عتاقة السويس. وأعجبنى فى أحمد رمزى بعد تميزه على الشاشة وشقاوته وتعبيره عن الشباب، فى أفلام كل أبطالها عواجيز!.. أنه فى حياته الخاصة رجل مرح وبسيط ولطيف ويكفى أنه وافق على أن يتحدث فى لقاء صحفى مع تلميذ فى المدرسة الإعدادية، مع علمه أن الحديث سينشر فى مجلة حائط!

وكان هذا الحديث الذى جرى مصادفة عندما كان أحمد رمزى يمضى فترة راحة على شاطئ الكابانون فى السويس، وعرّفنى عليه صاحب الفندق المطل على البحر هناك والذى كان معجبا بنشاطى فى إصدار المجلة ويوالينى بالأخبار ولا أنسى اسمه: السيد غطاس.. ومن بعد هذا الحديث أصبحت معتادًا على لقاء الفنانين والفنانات من زوار الكابانون.. وأصبح عالم الفن السينمائى والمسرحى والموسيقى والغنائى من مجالات اهتمامى، من وقتها وحتى الآن.

.. ولا أنسى أن أول فنان رأيته فى حياتى بعيدا عن الشاشة كان ملك الكوميديا التلقائية اسماعيل ياسين.

كانت أولى سنواتى فى مدرسة السويس الإعدادية بنين، وذات يوم فى الطريق إلى المدرسة شاهدت على ناصية أحد الشوارع الداخلية محلا توضع على أرففه عدة سلطانيات زبادى.. ولم يكن المشهد غريبا، إلى أن لاحظت أن هذه السلطانيات ليس فيها زبادى، فقط ورق أبيض يغطيها ليبدو كما لو كان زبادى!..

ونظرت حولى فإذا بى محاطًا بكاميرات ضخمة وعاكسات ضوء وفريق من العاملين فى إعداد المكان كمشهد للتصوير السينمائى.

 

 

 

 وجذب كل هذا انتباهى، ودهشتى، فهذه أول مرة فى حياتى أشاهد فيها ديكورات سينمائية، شاهدت بعد ذلك الكثير وعايشت عمليات إعداد وإخراج وتصميم ديكورات وكتابة سيناريوهات وماكياج نجوم ونجمات وكلاكيتات. 

المهم أنه لم تمض سوى لحظات سريعة قبل أن يظهر إسماعيل ياسين بنفسه لحما ودما وحوله واحد أو اثنان من الممثلين ليؤدوا المشهد. 

ولم يكن منى إلا أن انفجرت بالضحك.. فهذا هو إسماعيل ياسين الذى يضحكنى فى أفلامه وهو إنسان يثير الضحك لمجرد رؤيتك له.

الضحك فى عمر مكرم!

ولو انتقلت لمشهد آخر بعد ذلك بسنوات طويلة وكنت محررًا جديدًا فى «صباح الخير» وذهبت فى صحبة عدلى فهيم إلى جامع عمر مكرم للتعزية فى وفاة الفنان الكوميدى محمد عبدالقدوس والد إحسان، ليس من عادتى حضور هذه المناسبات، إلا فيما ندر.. جلست فى مقعد بجوار عدلى فهيم وكان معنا زملاء من «روزاليوسف» و«صباح الخير» وكان فى مواجهتنا صف آخر من الكراسى لمعزين لم يصلوا بعد وبدأت تلاوات القرآن الكريم، وبدأ توافد المعزين ومنهم شخصيات بارزة فى عالم الفن والمسرح والصحافة والأدب.. وكان توافد هؤلاء المشاهير يسلينى، إلى أن جاء شخص وجلس فى المقعد المواجه لى، نظرت إليه متأملا ثم وجدت نفسى ووجدنى من حولى وقد أصبت بكريزة ضحك لاتتوقف، ولا أستطيع وقفها.

فلم يكن الرجل سوى هذا الذى يضحكك مجرد ظهوره أمامك: إسماعيل ياسين!

 

 

 

وكان الحل هو أن يسحبنى عم عدلى ويخرج بى من عمر مكرم، فورا.

عرفت فيما بعد أن الرجل الوحيد الذى حملت عدة أفلام اسمه فى عناوينها، من أبناء السويس، وأنه وإن كان يفجّر الضحك فى كل مكان، إلا أنه عانى حياة شاقة من الفقر والحرمان، تجاوزها ببطولة ليصبح إسماعيل ياسين.

للأسف لم يتيسر لى فى حياته أن أتعرّف عليه من قرب.

الوجه الجديد أحمد زكى

ومن الفنانين الذين تعرّفت عليهم وأصبحنا أصدقاء، أحمد زكى. كان قد تخرّج لتوه من معهد الفنون المسرحية سنة 1968 وأتيحت له فرصة أولى للقيام ببطولة مسرحية صغيرة من فصل واحد أمام الوجه الجديد ماجدة الخطيب، المسرحية ترجمها عبدالمنعم سليم، شقيق جمال سليم الصحفى فى مجلة  «روزاليوسف» وأحمد فؤاد سليم الفنان التشكيلى ومدير المركز الثقافى التشيكوسلوفاكى فى شارع 26 يوليو، وكنت من رواد هذا المركز المتميز بالنشاط والحيوية، وحضرت عرض المسرحية وتعرّفت على بطليها، وأجريت مع كل منهما حديثًا للتعريف به كوجه جديد.. ونشأت بينى وبين أحمد زكى صداقة جميلة، لكنه أمسك فى خناقى غاضبًا بعدما نشرت حديث ماجدة الخطيب.. واتهمنى بأننى أغازل الجميلات ولا يهمنى تشجيع شاب أسمر مجهول مثله!

ظل هذا الغضب مستمرا لمدة أسبوع واحد فقط، تلاشى بعده وتحوّل لصداقة قوية بعد أن نشرت حديثى وتعريفى بالفنان الشاب الصاعد والحساس أحمد زكى.

كان أحمد يختفى فترات ويظهر ليعلن لى أنه سيعمل مع فرقة المتحدين فى مسرحية اقتبسها على سالم بعنوان «مدرسة المشاغبين»

ويختفى ليظهر فى «لاباس» معلنا أنه سيلعب دور البطولة فى فيلم سينمائى عن رواية نجيب محفوظ «الكرنك» أمام نجمة النجوم سعاد حسنى.. فنحتفل معا بهذه الخطوة الكبيرة فى طريقه، ونمضى نهارا كاملا فى «فلفلة» نأكل ونشرب ونتحدث عن المستقبل، وقد انفتحت أبوابه الواسعة أمامه خاصة وأن المخرج هو على بدرخان. 

ولا يمر وقت طويل قبل أن يعود أحمد زكى للقائى خائبا هذه المرة، معلنا أن دور البطولة أمام سعاد حسنى قد سحب منه وأعطى لنور الشريف.. وأن سعاد رفضت أن تمثل أمام هذا الولد الأسود المجهول!

(علمت فيما بعد ذلك بسنوات طوال ومن سعاد حسنى نفسها، أن ما رددّه أحمد لم يكن دقيقا، فهى لم ترفضه، من رفضه هو المنتج جمال الليثى، ليس لأنه ولد أسود مجهول، ولكن لأن نور كان وقتها قد بدأ يصبح اسما تجاريا يعرفه كل بيت من خلال مسلسل «القاهرة والناس» على شاشات التليفزيون).

وكان أحمد زكى من الوجوه التى يشاهدها كل الزملاء فى «صباح الخير» جالسا معى عندما كنت سكرتير التحرير، ويأتى كثيرًا ويبقى طويلًا، وكانت زوجتى زهرة تحضر بعض جلساتنا ومناقشاتنا فى «لاباس» وفى المجلة، وفى فلفلة و«ريش» وغيرها.

 وكنا أحمد وأنا، نحضر سويا عروض مسرحية تقوم ببطولتها عفاف راضى وإسعاد يونس أمام حسن يوسف، كان أحمد يحضر لسبب لا علاقة له بالمسرحية، ففى مسرح الأندلس الصيفى الجميل كانت تتوفر له فرصة ملاقاة فتاة جميلة وهادئة وجديدة فى عالم التمثيل هى هالة ابنة المخرج أحمد فؤاد، وكان مفهومًا أن أحمد، جاد فى العلاقة وعندما كان يحدثنى عنها كان قلبه يخرج من صدره من شدة التهلل والابتهاج. وقد تحققت له سعادة غامرة بزواجه منها. 

لكن عندما جاء يزورنى فى مرة تالية عبّر لى من جديد عن ضيقه منى، لماذا؟

لأنه رآنى أكتب عن حسن يوسف ودوره فى المسرحية فى «صباح الخير» وهتف بما معناه أننى لا أحترم صداقتنا، وسألني: لماذا تكتب عن الآخرين بينما أنا جالس معك طوال الوقت؟!.. متى ستكتب عن صديقك أحمد زكى؟

هدّأت من سخطه وقلت: سيحدث هذا عندما تذهب وتعمل وأشاهد عملك، فأكتب عنه. هل تريدنى أن أكتب أنك جالس هنا بجوارى فى «صباح الخير»؟ 

أحمد يسرق الكاميرا

ذهب أحمد وعمل وتجلى ولا أنسى يومًا كان الصديقان مجيد طوبيا ومحمد راضى قد وجها لى دعوة لمعايشة فيلم كتبه مجيد ويخرجه محمد، هو «أبناء الصمت» ويشارك فى بطولته محمود ياسين ورشدى أباظة ونور الشريف وأحمد زكى وسعيد صالح، وسهير رمزى. عايشت كل المراحل من قراءة وتعديل السيناريو إلى اختيار الممثلين والمواقع.. وفى أحد مشاهد الفيلم استطاع الممثل الشاب أحمد زكى أن «يسرق الكاميرا» وهو التعبير السينمائى الذى يشير إلى تميّز ممثل على الآخرين المشاركين فى اللقطة مِن مَن سرق أحمد زكى الكاميرا؟.. من أشهر نجم سينمائى وقتها، محمود ياسين.

المهم أننا أمضينا شهورا جميلة فى رفقة هذه النخبة الممتازة ويكفى أن تعايش شخصية مثل رشدى أباظه الأمير غير المتوج، النبيل المدهش بتواضعه وثقافته وإقباله على الحياة ومحبته لكل من حوله وقدرته الفائقة على الاندماج فى الدور رغم أنه كان منذ لحظات فى حالة مختلفة تمامًا من المرح والمهيصة

منذ هذه اللقطة وأنا أرى أحمد زكى نجمًا رائعًا فى التعبير بحساسية واستغراق، وتوقعت له كما توقع عمر الشريف وكبار آخرون أن يتألق عالميًا. والطريف أنه كان بطلا لفيلم حدّثنى عنه مخرجه صديقى داوود عبدالسيد هو «أرض الخوف» وكان الفيلم مرشحا لجائزة الأوسكار للفيلم الأجنبى، لولا فشل الشركة المنتجة فى إرساله للأكاديمية الأمريكية فى الوقت المناسب، وهكذا حرم أحمد زكى من فرصة «العالمية».

وأتذكر الآن أننى كنت أشاهد فيلم «طار فوق عش المجانين» مع أحمد فى سينما «راديو» على ما أظن، ولإعجابنا بالفيلم وبأجوائه وأداء نجومه، قررنا برغبة ملحة منه، مشاهدته كل يوم طوال مدة عرضه.. ما يجعلنى أشعر بأن هذا «الولد الأسود المجهول» كان يمكنه أن يكون عمر شريف آخر يغزو هوليوود.

وبلغنى أن روبرت دى نيرو النجم الشهير عندما شاهد فيلمًا لأحمد زكى فى أحد المهرجانات الدولية قال إنه وجه مطلوب فى هوليوود!

فى الأسبوع المقبل نكمل.