الثلاثاء 16 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الملاك الناقد!

لم أكن يومًا أديبًا ولا كاتبًا.. ولا حتى حكواتيًا.. عرفنى القراء رسامًا صحفيًا ومخرجًا فنيًا.. فعمرى كله أمضيته أرسم الكاريكاتير بين جنبات صاحبة الجلالة.. لكن مع رحلاتى المتعددة.. وهجرتى إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. وجدتنى أكتب وأدون كل ما رأت عينى وأتذكر.. الأحداث التى تملأ رأسى المزدحم بالأفكار.. فإليكم بعضًا مما كتبت من الذكريات والأحداث.. لعل ما دونت فى يومياتى يكون زاد المسافر ودليله فى السفر. 



 

كانت بداياتى مع فن الكاريكاتير عبر جريدة «لو بروجريه إجيبسيان» الفرنسية، التى صدرت أولى أعدادها عام 1993.. وكان ذلك مع نهاية حقبة الثمانينيات من القرن العشرين.. حيث كنت طالبًا بالمدرسة، لم أتعد الرابعة عشرة من عمرى بعد. وقد تعلمت الكثير هناك.. فهى واحدة من أوئل الصحف التى أدخلت التقنيات الحديثة فى إخراج الصفحات وتصميمها.. وهذا أفادنى كثيرًا.. لذلك أقدمت على تقديم أول تجربة رسم ديجيتال فى الصحافة المصرية على الإطلاق فى هذا الوقت.. إلا أننى بعد عدة سنوات.. وجدت أن ثمة شيئًا ما ينقصني.. وأن ما أقدمه من رسوم كاريكاتورية ما هى إلا أعمال منمقة ومدروسة للغاية ومرسومة بدقة.. أعمال تشبه المطبخ الفرنسى!.

 

لذلك وجدتنى غير مكتف بما أقدم.. فأنا متعطش للكاريكاتير الساخن ذي النكهة المصرية الأصيلة.. فى حاجة للثقافة المصرية فى الموضوعات التى أرسمها.. متشوق للأفكار ذات التوابل الشرقية الحارة.. والتعليقات اللاذعة.. بل أفتقد اللغة العربية الدارجة فى الكتابة والتعليق على أعمالى الكاريكاتورية.

وأتذكر دكتور محمد نصر الطبيب المتخصص فى جراحة القلب.. الذى كان يعد بابًا طبيًا بالجريدة كل أسبوع.. وكيف كان خفيف الظل جدًا ومتواضع إلى أبعد الحدود فى نفس الوقت.. ولن أنسى أبدًا يوم الخميس من كل أسبوع.. حينما كنت أتوسل إليه أن يعفينى من دعوته الكريمة على الغذاء.. حيث كان يدعو الجميع على وجبة كشري.. مضاف إليها البيض المسلوق.. والجبنة الرومي!.

كان هذا الخليط العجيب يشبه تمامًا ما كنت أبحث عنه فى الكاريكاتير.. خلطة مصرية حريفة.. لها مذاق الكشرى المنغمس فى صلصة الطماطم والشطة.. ودقة الخل والثوم.. وعلى قمته بعضًا من الحمص والبصل المحمر.

لذلك وجدتنى كسائر أبناء جيلى من رسامى الكاريكاتير أسعى جاهدًا لأنضم إلى مدرسة صباح الخير.. تلك المجلة الأسبوعية العريقة التى صدرت أولى أعدادها عام 1956 وضمت بين جنباتها رواد فن الكاريكاتير أمثال زهدى وعبد السميع وصلاح جاهين وجورج وناجى كامل ورجائى وحجازى وبهجت واللباد واسماعيل دياب والليثى ورمسيس زخارى ورؤوف عياد ومحسن جابر ومحمد حاكم وجمعة فرحات وعادل البطراوى وغيرهم الكثير من عمالقة هذا الفن فى مصر والعالم العربي.. حيث قدموا وجبات مكثفة من الكاريكاتير اللاذع.. بنكهة الكشرى الحار. قدمنى صديقى العزيز - الفنان الراحل رؤوف عياد - إلى الأستاذ رؤوف توفيق رئيس تحرير المجلة وقتها.. وبدوره قدمنى إلى الراحل فوزى الهوارى المخرج الفنى للمجلة. وما أن عرضت عليهم أعمالى حتى تحمسوا لي.. وتم تقديمى فى نفس الأسبوع عبر صفحات المجلة.. حيث خصصوا لى بابًا اسبوعيًا تحت اسم «منوعات تامر يوسف». وطلبوا منى أن آتى أسبوعيًا وأن أحضر معى المزيد من الأعمال.

 

 

 

توالت الأعداد.. وكنت أحضر أعمالى وأسلمها إلى القسم الفنى وأرحل فى هدوء كعادتى إلى اليوم.. إلا أن فى أحد الأيام طلب منى الأستاذ فوزى الهوارى أن أعد رسمًا لأحد الموضوعات المتأخرة على الفور.. فتجولت بين غرف المجلة باحثًا عن مكان مناسب وطاولة حيث يمكننى أن أرسم.. فوجدت إحدى الغرف التى استحسنتها لهدوئها.. وكبر مساحتها.. وكانت فارغة.. لم يحضر أصحابها بعد.. كانت تلك الغرفة تضم ثلاثة مكاتب خشبية.. ومكتبة وبعض الأعمال الفنية. كما كانت مختلفة عن المكاتب الأخرى الموجودة بالمجلة.. فهى تشعرك بالدفء مباشرة ما أن تطأ قدماك بداخلها.. ربما بسبب لون الخشب الداكن الذى كان يحيط جنبات الغرفة ويشبه خشب الجوز.

توجهت مباشرة نحو المكتب الخشبى الذى ينتصف المكتبين الآخرين ناحية الشمال.. فجلست وفتحت حقيبتى وأخرجت أقلامى وأوراقى.. وبدأت فى وضع خطوطى الأولى للرسم.. وما هى إلا لحظات حتى اندمجت فى عملي.. وكنت فى حالة استمتاع غير عادية.. فأنا من من يرسمون للمتعة الشخصية..

إلا أن صوتًا قاطع حالة الهدوء التى كنت أنعم بها.. وعزلنى عن حالة التناغم والمتعة التى كنت أعيشها أثناء الرسم.. لم يكن الصوت عاليًا.. لكنه مميز جدًا.. شديد الاتزان.. التفت على الفور إلى مصدره.. فوجدت رجلًا متوسط القامة.. ذى بشرة خمرية.. له شارب مميز.. وشعر طويل.. فى يده سيجارة محلية..  وكان واقفًا فى ثبات يدخن سيجارته بمدخل الغرفة.

أيقنت على الفور أنه وبكل تأكيد صاحب المكتب الذى أجلس عليه.. وهممت ألملم أدواتى وأقلامى وأضعهم فى الحقيبة حتى أجد لنفسى مكتبا آخر أرسم عليه.. إلا أن حديثه الذى لم ينقطع جعلنى فى قمة التوتر.. فلقد أخذ يوجه الكلام لى وأخذ ينتقدنى بشكل لاذع كأنه يعرفنى منذ زمن بعيد.. تحول النقد إلى اتهامات بادرنى بها بشكل متواصل ومتتابع.. بالرغم من أن ملامح وجهه لم تتغير على الإطلاق.. فكان يحتفظ بنفس هدوئه وبنفس طبقة الصوت المتزنة.

لكن سرعان ما تغير أسلوبه وكلماته.. وهدأت نبرته الناقدة.. وذلك عندما قمت من على مقعد المكتب وتركت حقيبتى وأدواتى وتوجهت نحوه. وحينها أخذ يشرح لى أنه مهتم بى وبفني.. وأنه متابع لأعمالى منذ زمن بعيد.. لكنه يرى أنى ضيعت سنوات طويلة من عمرى ما بين الجرائد والمجلات الفرنسية والإنجليزية والألمانية.. وهو ما جعلنى بعيدًا عن الساحة ولم يتابعنى أحد ولم أحظ بالشهرة التى حصل عليها أبناء جيلى من الرسامين.. وأختتم كلامه بأنه يوبخ كل من يحبهم.. وأنه حرص على توبيخى من باب الحب والاهتمام!.

 

 

 

وجدتها فرصة جيدة أن أبدأ معه مباراة حامية كالتى بدأها معى منذ قليل.. لكنى سألعبها هذه المرة بأسلوبى وبطريقتي.. فرددت عليه بأنى أحترم كل ما قاله.. لكن أود أن أعرفك بنفسى فأنت تعرفنى فقط عبر ما ينشر لى من أعمال كاريكاتورية.. لكنك لا تعرف أننى بطل من أبطال القارة الافريقية فى ألعاب القوى وبالأخص فى دفع الجلة.. شعرت بأننى تم اقتيادى إلى منطقة مظلمة فى الحوار لم أكن معتادًا عليها.

لكن سرعان ما راجعت نفسى فيما قلت.. ولعل هذا الموقف كان بداية علاقة قوية ومتينة مع هذا الفنان الذى تبينت فيما بعد كما هو بسيط وودود ومتواضع.. علاقة مبنية على الود والاحترام.. فبالرغم من أننى لم أكن أعرفه شكلًا من قبل.. إلا أننى من عاشقى فنه.. ومن المتابعين لكتاباته.. ولكم شعرت بالغيرة وتمنيت أن يكتب عنى وعن أعمالى.. فهو وبحق يكتب بحب.. دون أى أغراض أو أهواء شخصية.. ويرى أعمال الفنانين بيعن العاشق الحالم.. ولم أقرأ له أبدًا أى نقد به تهجم على أى فنان أو أعماله.. فهو فقط يكتب ما يحب.. ويحب ما يكتب ويلفظ ما لا يراه مناسبًا.. والجميل أنى رافقت هذا الرجل أينما وجد.. فلقد كان يشركنى معه فى أى جريدة جديدة يعمل بها.. حتى صرت أعمل معه كظله.

كما شاركته فى عدة معارض وسافرت معه مرارًا إلى مدينة الإسكندرية.. وكنت من أول الحاضرين لمعارضه المستمرة التى أسماها «سنوات الحب» والتى أضاف إليها أرقام متتالية عامًا تلو الآخر وكأنها دورات متصلة.. أو كأنها فى حالة تسلسل وتتابع فى صورة فصول لكتاب ضخم مليء بالحب والعطاء.

وعندما عدت إلى مصر بعد طول غياب بالولايات المتحدة الأمريكية.. كان من أوائل الأصدقاء الذين سألت عنهم.. فهو صديقى الصدوق.. بل هو أستاذى الذى دعمنى وساندنى فى الكثير من الموقف التى مرت على بالصحافة.. فأخبرنى كل من سالتهم بأنه مريض جدًا.. ولا أحد يعرف عنه أى أخبار.. لأنه ببساطة يرفض الزيارات ويرفض أن يراه أى مخلوق فى هذه الحالة.

وحينها تحدثت إلى ابنه كريم.. هذا الفنان الواعد.. الذى ينطبق عليه المثل العامى الشعبى القديم – إبن الوز عوام – أجابنى بلهفة الابن المشتاق.. «أبويا واحشنى قوي».. وجدتنى أبكى على حاله.. ولا أجد ما أقدمه له فى محنته... سوى تلك السطور!.

أنه الملاك الناقد.. الفنان إبراهيم عبد الملاك.