السبت 25 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

واحة الغروب

قمت بالتوجه لبدء مغامرتى بصحبة دراجتى، استمتعت بجمال الخضرة والأراضى الزراعية ونسمات الصباح الجميلة قبل شدة الحرارة، فنحن فى أجواء صيفية فى الطريق لسيوة، مرورًا بمدن وقرى محافظة القليوبية كمدينة قها وطوخ، وفى الساعات الأولى من اليوم وحركة المواطنين قليلة, كان أول توقف لى عند مدينة بنها لبضع دقائق تناولت بعضًا من ثمار التمر وشربت الماء وتوجهت لاستكمال الرحلة بعد ما قضيت ما يقرب من ثلاث ساعات على الطريق أستمتع بالهدوء والخضرة والريف المصرى.



 

توجهت لمدينة طنطا والتى تقع على بعد 40 كيلومترًا من مدينة بنها.

درجة الحرارة بدأت فى تزايد مستمر، واشتد علىّ العطش، ولكن جمال الطريق والخضرة كانوا رفاق الرحلة التى تهون عليك مشاقها، وبعد مسافة 90 كيلومترًا كانت مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية فى استقبالى، وكانت وجهتى لزيارة مسجد سيدى أحمد البدوى أحد المعالم السياحية فى محافظة طنطا، فهو إمام صوفى وينتهى نسبه إلى سيدنا الحسين بن على بن أبى طالب، من مواليد مدينة فاس بالمغرب وسمى بالبدوى لأنه دائمًا كان يغطى وجهه باللثام مثل أهل البادية.

 

 

 

هاجر مع أسرته لمكة وقضى ما يقرب من ثلاث سنوات فى مصر وعاد فى آخر عمره ليكمل حياته فى مدينة طنطا.

جلست وسط الأجواء الروحانية التى تحيط بالمكان، على أحد المقاهى لتناول وجبة الفطار الشعبية الجميلة لدى المصريين من خبز وفول وطعمية وتناول مشروب الشاى بالحليب، جلست ما يقرب من ساعة، فقد أنهكنى التعب من الطريق ولكن كان لابد علىّ من الحركة لاستكمال الرحلة.

كان أذان الظهر قد رفع فتوجهت لأقرب مسجد لأداء الصلاة واستكمال الطريق فقد كسرت قواعد الترحال، فلابد على من التوقف عن القيادة فترة الذروة ولكن لضيق الوقت استكملت، وكان على أخذ الإجراءات الاحترازية، فقد قمت بارتداء غطاء للرأس مبللًا بالماء للوقاية من ضربة الشمس.

قمت بالتحرك فى طريق طويل جدًا، وأغشى ظلام الليل علىّ فتوقفت فى آخر مدن محافظة الغربية كفر الزيات، وتناولت وجبة الغداء وكوبًا من عصير القصب لتنشيط الدورة الدموية واستعادة نشاطى.

استكملت الطريق لتكون مدينة إيتاى البارود فى استقبالى، وقبل الوصول بخمسة كيلو مترات حدث ما لم أتوقعه، انفجر الإطار الداخلى للدراجة من شدة الحرارة فكان لا بد من وضع بعض الماء البارد على الإطار أثناء الرحلة لخفض حرارته والوقاية من التلف.

قمت بالاسترخاء لبعض الوقت، فالمجهود البدنى أصبح فى انخفاض شديد، فمدينة الإسكندرية على بعد 65 كيلو مترًا، ومع غروب الشمس وأذان المغرب كانت لحظة الوصول لمدينة دمنهور.

وهنا جلست جلسة مع النفس.. هل أستكمل ما تبقى من رحلتى والوصول لمدينة الإسكندرية وأنا على دراجتى؟ أم أتخذ من وسائل المواصلات العامة وسيلة للوصول؟

وبعد تفكير طويل قمت باستكمال الرحلة بصحبة دراجتى، وأنا أفضل دخول المدينة على دراجتى والظلام يصحبنى، ولكن الأضواء الخافتة على يمين ويسار الطريق كانت دليلًا لى.

فيتميز الطريق الزراعى بالونس والألفة بخلاف الطريق الصحراوى، وفى الحادية عشرة كانت لحظة الوصول واستقبال صديقى لى على كورنيش الإسكندرية, كان التعب والإرهاق قد وصلا إلى المنتهى، توجهنا لمنزله للمبيت وجلسة سمر حول رحلتى، واصلت الرحلة وقيادة الدراجة ما يقرب من 16 ساعة فى أجواء شديدة الحرارة قمت خلالها بتناول ما يقرب من تسعة لترات ماء.

 

 

 

وفى الصباح استضافنى صديقى لجولة فى ربوع المدينة، وعلى شاطئ البحر تناولنا الإفطار وتجولنا لزيارة الكثير من المعالم السياحية بالإسكندرية ككوبرى ستانلى الذى سمى نسبة للرحال الإنجليزى هنرى مورتون ستانلى، ومنه إلى أعرق المكتبات.. مكتبة الإسكندرية، ومرورًا بأحد المساجد التاريخية مسجد المرسى أبو العباس والذى لقب بالمرسى نسبة إلى مدينة ميلاده وهى مرسيه فى الأندلس.

أتى المرسى إلى مصر برفقة والده فى رحلته للحج ولكن غرقت سفينتهم بالقرب من تونس، والعناية الإلهية حفظت المرسى أبو العباس وأخاه، واتخذا من تونس مقرًا لهما حتى قابلا أبوالحسن الشاذلى، وجاءا إلى مصر برفقته ليقيما فيها.

تشتهر الإسكندرية كمدينة بالأسماك فتوجهنا لتناول وجبة من السمك بمختلف أنواعه، وفى المساء تناولنا أحد أنواع الحلوى المعروفة كالفريسكا، تجدها تباع على شاطئ البحر المتوسط. عدت للمنزل للاستعداد للرحيل وبدأت رحلتى مع منتصف الليل متوجهًا إلى الجهة الغربية بمحازاة البحر المتوسط ومرورًا بمناطق الإسكندرية حتى العجمى ليقبل الفجر مع دخولى لقرى الساحل الشمالى.

هى مغامرة شديدة الخطورة، السير بالدراجة ليلًا.

يتميز الطريق فى هذه الفترة بالأجواء الحيوية وكثرة الاستراحات، فالكثير من المواطنين يذهبون لقضاء بعض الأيام فى المصيف والاستمتاع بجمال البحر، مما يجعلك تجد الكثير من الاستراحات والمطاعم على طول الطريق.

أشرقت الشمس ومع ضوء النهار سرت بصحبة الشاطئ والقرى السياحية حتى أصبحنا على مقربة من مدينة العلمين والتى تبعد ما يقرب من 100 كيلو متر عن مدينة الإسكندرية.

استرحنا بعض الوقت ثم قمنا بالتحرك متوجهين لمدينة الضبعة.

الصحراء وسرعة الرياح هى أحد العوائق التى نواجهها فى الطريق وتجعل الرحلة شديدة الصعوبة وعند مدينة بدوية بالقرب من رأس الحكمة جلسنا بمقربة من أحد المساجد للاستحمام وتغيير ملابسنا والراحة لبعض الوقت، فقد قطعنا ما يقرب من 150 كيلو، واستكملنا رحلتنا لمسافة 65 كيلو مترًا حتى الوصول لمدينة مطروح وكان منتصف الليل هو لحظة الوصول.

 

 

 

المدينة مزدحمة هروبًا من شدة الحرارة فى العاصمة والاستمتاع بجمال البحر والمعالم الجميلة للمحافظة لم نجد مكانًا، جلسنا برفقة الدراجة على أحد أرصفة الطريق وقمنا بوضع الخيمة لأخذ قسط من النوم والراحة حتى أذان الفجر.

وقت الفجر كان نقطة الانطلاق لاستكمال الرحلة، عدنا مسافة ما يقرب من عشرين كيلومترًا حتى الوصول لبوابة المدينة ومنها لنسلك طريقنا نحو الجنوب لبدء الجزء الثالث من رحلتى.

وبعد ما يقرب من 500 كيلو متر على مدار ثلاثة أيام على الطريق سلكنا اتجاه الجنوب الغربى بمحاذاة الصحراء. اليوم بدأ بتعب ومشقة شديدة فلم نأخذ قسطًا كافيًا من الراحة والنوم والشمس بدأت فى السطوع وحرارتها فى تزايد مستمر وحركة عربات النقل الثقيل بدأت فى الظهور.

قمنا بوضع الخيمة على بعد خمسين مترًا من الطريق والنوم فيها حتى أذن لصلاة العصر، كان الهدف هو إعطاء الجسم راحة من التعب وإعطاءه النوم الكافى والهدف الثانى تجنب حركة عربات النقل الثقيل. قمنا لاستكمال الرحلة تخطينا نقطة أمنية واستكملنا بعد مسافة 75 كيلو مترًا، هلَّ علينا المساء وسرنا على يمين الطريق مستدلين بكشافات الإنارة حتى ينتبه المارة.

وصلنا إلى (كمين بئر النص) بعد مسافة 150 كيلومترًا وهى نصف المسافة بين مدينة مرسى مطروح وسيوة. الساعة العاشرة مساء قمنا بالراحة لمدة ساعتين حتى منتصف الليل، وتناولنا وجبة الغداء وشراء بعض الأغراض كى نستطيع استكمال المسافة المتبقية.

اليوم الخامس على الطريق ومع منتصف الليل بدأنا فى السير مستمتعين بالطريق وهو فارغ، فحركة عربات النقل الثقيل تتوقف من منتصف الليل حتى السادسة صباحًا.. قضينا أجمل ست ساعات فى رحلتى، فقد أخذنا كفايتنا من النوم والطعام لذلك قطعنا مسافة كبيرة تقرب من 80 كيلو مترًا حتى بدأت الشمس فى السطوع وحرارتها فى تزايد والمتبقى ما يقرب من خمسين كيلو مترًا حتى الدخول للمدينة العاشرة لأجمل بقاع الأرض وجنة الله فى أرضه إنها واحة سيوة.

الحرارة شديدة، فالتوقيت الذى قمنا فيه بالوصول غير مناسب لأنها مدينة شتوية.

توجهنا للحجز فى أحد الفنادق للراحة والنوم وتركنا دراجتنا بالخارج، فقضينا رحلة شاقة دامت لمدة 5 أيام.

 

 

 

فى المدينة قمنا بزيارة أول المعالم السياحية فى الواحة وهو جبل الدكرور أو جبل الصلح، والذى تتم عليه الاحتفالية السنوية لتصالح أهالى سيوة الغربية وسيوة الشرقية، فالجميع فى تلك الأيام من شهر أكتوبر يقومون بإحضار الطعام ويأتى السياح من كل مكان لحضور الاحتفالية والمبيت فى الخيام.

وتجد أيضًا المنتجات اليدوية فى معرض مفتوح ثلاثة أيام من شهر أكتوبر يقام فيه الاحتفال سنويًا.

فى صباح اليوم التالى ومع شروق الشمس قبل شدة الحرارة ذهبنا لزيارة البحيرات المالحة والتى لها كثافة عالية مما يجعلك تطفو فوق سطح الماء، والتى يقومون بحفرها من باطن الأرض.

جمال الماء ولونه يجعلك تعيش لحظات استرخاء جميلة وعليك أن تأخذ حذرك من أن تلمس يدك عينيك من شدة الملوحة.

انتهينا من الجولة السياحية وتوجهنا لمزار آخر وهو عين كليوباترا على مقربة من البحيرات المالحة وتناول المشروب المشهور لدى السيويين المانجو المحلى بالريحان.

حان وقت الظهيرة وكان علينا الهروب من الحرارة الزائدة بالتوجه لمكان الإقامة حتى قبيل العصر للتجول فى المدينة والصعود إلى قلعة شالى والتى تعد معلمًا من معالم السياحة، فعند زيارتك إليها فأنت تسافر عبر الزمان وتعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، وقد أنشئت القلعة لصد الهجمات من قبل القبائل العربية المارة، وتسمى قلعة شالى بهذا الاسم الذى يعنى المدينة باللغة الأمازيغية، فسكان الواحة هم من أصول أمازيغية يعيشون على طول ساحل البحر المتوسط فى دول شمال أفريقيا.

 

 

 

- تقع شالى فى قلب الواحة وتشاهد من فوقها جميع المناطق السكنية والمزارع والقرى والملاحات والبحيرات فى ظل ارتفاعها وكشفها لجمال سيوة ومناظرها الخلابة.

ومن شالى توجهنا إلى جزيرة فطناس والتى تعد مكانًا خلابًا مع الماء والهدوء تستطيع منه مشاهدة الغروب والجلوس على بحيرة سيوة المالحة، إذ تناولنا مشروبًا مميزًا وهو التمر باللبن، ثم توجهنا مع المساء للتجول فى شوارع المدينة وشراء الهدايا، وتناولنا وجبة شهيرة فى مطعم قلعة شالى وهو الدجاج بالزيتون أشهر الأكلات فى الواحة لينتهى يومنا ونتوجه لمكان الإقامة. 

وفى صباح يوم جديد على أرض الجمال والسحر ذهبنا لزيارة معبد الإسكندر ومعبد التنبؤات، ويعد من أشهر المعابد حيث يرتبط بتنبؤات الإله أمون وزيارة الإسكندر الأكبر واختفاء جيش قمبيز، فقد أرسل قمبيز ملك الفرس جيشًا من خمسين ألف محارب لهدم المعبد، ولكن التاريخ وثق أن الجيش اختفى بأكمله وقيل إنه اختفى بعد ما واجهته عاصفة رملية شديدة، ومنها توجهنا إلى رحلة فريدة فى عمق الصحراء عبر سيارات الدفع الرباعى لتناول الغذاء المدفون فى الرمال والاستمتاع بالموسيقى والأجواء الصحراوية والجبل المزين بالنيران.

 

 

 

جلسنا حتى منتصف الليل فى أجمل سهرات الواحة.

وفى الصباح كانت لحظة الفراق التى نغادر فيها واحة الغروب بعد رحلة دامت 7 أيام قمنا بزيارة أهم معالم سيوة السياحية والتعرف على عاداتها وتقاليدها إضافة إلى التعرف على أشهر الأكلات البدوية.