السبت 25 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

«القوة الناعمة» تضرب من جديد

لا يمكن لوطنى مخلص القبول بأن يظهر أبطال وبطولات مصر وجيشها بصورة أقل مما رأيته فى فيلم «السرب» المُخلد البديع.. إتقان صناعة «التاريخ» لم تعد رفاهية أو اختيار؛ بل هى «فرض عين» على كل مبدع وطنى.. وفى ظنى كان هذا هو الهدف الأول والأسمى لصنَّاع الفيلم البديع «السرب» الذى يدخل بالسينما المصرية عالمًا جديدًا من الفن والإبداع والجمال فى الصورة والديكور والموسيقى التصويرية والإخراج والتمثيل.. فالسينما أحيانًا كثيرة تعمل كذاكرة أبدية تحفظ وقائع التاريخ وتجسدها.. وأقوى جملتين فى فيلم السرب قالهما لواءات فى جهاز المخابرات «لازم العالم كله يعرف أن العشرين مصرى اللى ماتوا لهم أهل مش هيسكتوا».



 

 

 

على مدار 90 دقيقة، رصد فيلم «السرب» قصة الأقباط المصريين الذين قُتلوا على يد تنظيم داعش الإرهابى فى ليبيا قبل سنوات، وكيف قامت القوات المسلحة المصرية بضرب مواقع التنظيم بليبيا لتقول للعالم كله أن الدم المصرى خط أحمر وأن جيشنا قادر على حماية شعبه داخل وخارج حدودنا.

الفيلم المستوحى عن قصة حقيقية حدثت بالفعل عام 2015 فى ليبيا صُوِّرت بشكل احترافى لاختطاف وذبح 21 مواطنًا قبطيًا من مصر على شاطئ البحر المتوسط من قبل جماعة داعش الإرهابية التى كانت رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب على حد قولهم وفى تحدٍّ سافر لمصر وحكومتها والتى كانت بمثابة النقطة المحورية للفيلم وقمته الدرامية.. فمنها تصاعدت الصراعات والأحداث للأخذ بالثأر وهى قصة حساسة ومؤلمة تناولها المؤلف بشكل جرىء تدور حولها الأحداث والشخصيات بترتيب منطقى وسرد محكم مشوق ومبهر وأبدع فى تصويره السينمائى للمناورات الجوية واستخدام التقنيات الحديثة فى المعارك الأرضية بطريقة احترافية تنافس الأفلام العالمية.

 

 

 

وكشفت أحداث الفيلم ما كان يدور فى الكواليس من خلال شخصية «على المصرى» الذى يعمل فى مجال البترول، وعلى الجانب الآخر فهو من أهم العناصر التى زرعتها العبقرية الأمنية المصرية فى قلب تنظيم داعش لينقل تحركاتهم وخطتهم فى إشارة مهمة عن دقة المعلومات التى استخدمتها القوات الجوية المصرية فى توجيه الضربة القاصمة وأنها أبدًا لم تكن مهمة سهلة أو جاءت بطريقة غير مدروسة.. ولذلك أنتجت أثرًا كبيرًا فى العالم كله.. ولم نسمع بعدها عن أفعال شيطانية جديدة يمارسها التنظيم الإرهابى ضد المصريين فقد تعلموا الدرس جيدًا ووصلتهم الرسالة كاملة «الدم المصرى غالى ونستطيع أن نصل إليكم.. هى فقط مسافة السكة».. والرسالة نفسها وصلت للعالم كله.. الطيارون المصريون قادرون على التعامل فى أصعب الظروف.. ويكفى أن نعرف أن الضربة القوية شاركت فيها حوالى 60 طيارة مصرية مختلفة المهام على أفواج ودون التنسيق مع أى جهة إلا الجهة الليبية.. رغم حاملات الطائرات التى فى البحر الأبيض المتوسط.. والقوى الحربية الكثيرة التى تعمل فى ليبيا وقتها.

فى الأحداث يلتقى «على» بقائد التنظيم، ويكشف هويته ثم يعرف بعدها بواقعة اختطافهم لـ21 قبطيًا مصريًا، فيحاول الوصول إليهم، إلا أنه لم يتمكن من ذلك بمفرده، ليفاجأ العالم بمقطع فيديو -وُصف بالسينمائى- نشره تنظيم داعش أثناء ذبح هؤلاء الضحايا.

 

 

 

وتتوالى أحداث العمل لترصد تخطيط القوات المسلحة المصرية لقصف مواقع داعش بالطائرات الرافال، وكيف نُفذت تلك الضربة.. ويكشف أيضًا كيف تم تصوير فيديو جريمة الذبح الذى أخرجته داعش وقامت بأعمال المونتاج له لإضافة أجواء سينمائية لذبح المصريين. 

وفى رأيى فيلم «السرب» هو أهم وأصعب عمل جاء متكاملًا فى كل عناصره.. صنَّاع الفيلم لم يستخدموا الجرافيكس فى مشاهد الطائرات الحربية الموجودة بالفيلم، فكل ما تم عرضه على الشاشة هى مشاهد حقيقة، نظرًا لاستعانة فريق العمل بطائرات ومقاتلات حقيقية حتى يكون الفيلم على قدر قيمة الحدث الذى يتحدث عنه.. ويعد أرشفة لحادث هام لن ينساه التاريخ، كما تكشف أحداثه ما كان يدور فى الكواليس ولم يطلع عليه العالم، لذلك فـ«السرب» ليس مجرد فيلم سينمائى عابر ولكنه عمل للتاريخ.

ومثلما كان الفيلم أسطورة فى كل تفاصيله كان نجومه بدءًا من المؤلف عمر عبدالحليم.. والنجوم أحمد السقا ومحمد ممدوح ونيللى كريم وصبا مبارك ودياب وشريف منير والمخرج أحمد نادر جلال، وحتى العدد الكبير من ضيوف الشرف وعلى رأسهم آسر ياسين ومحمد فراج وأحمد صلاح حسنى ومصطفى فهمى وكريم فهمى وأحمد حاتم وآخرون..على قدر المسئولية.. وأخرجوا أفضل ما لديهم فنيًا فى عمل سيحسب لهم وسيظل أيقونة خالدة فى تاريخ كل من شارك فيه.

وقبل سنوات بدأ التحضير والإعداد لفيلم «السرب» الذى يقدم صنَّاعه المعركة التى نفذها الأبطال المصريون للثأر، وفى عام 2021 طرح البرومو الأول للفيلم بتعليق يقول: «عملنا الاختيار وخافوا منه وعملنا السرب وهيخافوا منه، رئيس مصر وعد بالقصاص فأوفى، السرب قريبا فى دور العرض».

 

 

 

ولأن العمل ضخم فقد استغرقت صناعته وقتًا طويلًا فى التحضيرات ولذلك خرجت المؤثرات البصرية والخدع السينمائية تليق بالحدث.. كما أن هناك أيضا الكثير من التدريبات التى تلقاها بطل الفيلم أحمد السقا فكانت هناك جلسات مع بعض رجال القوات المسلحة للتدريب على مسك السلاح، كما تم تدريب كل من جسد دور طيار فى الفيلم فى قاعدة جوية مصرية بحسب تصريحات نجوم الفيلم.. لذلك ظهرت جميع العمليات العسكرية التى تمت بالفيلم فى أماكن مشابهة تمامًا للأحداث الحقيقية.

وفى رأيى أن عملًا سينمائيًا ضخمًا كـفيلم السرب سيتم وضعه على الميزان ليقاس قدرات صُناعه فى تقديم شكل جيد، فهو ليس عملًا وطنيًا صلبًا فحسب، وإنما يقدم ملحمة بطولية للجمهور فى إطار تشويقى واقعى لحادثة مؤلمة للغاية وأوجعت قلوب المصريين وقلوب كل رحماء العالم.. وحقيقة هذا العمل يؤرخ الواقعة الكاملة لبطولة استثنائية بتوقيع القوات المسلحة وبالأخص القوات الجوية، وهو شيء جيد ومطلوب، فالمشاعر الوطنية لا بد أن تُناقش، وأقول وأكرر دائمًا إننا نحتاج لمثل تلك الأعمال الوطنية التى تأخذ حقها من التحضير واختيار أماكن الديكورات والتصوير بشكل جيد لتطلعنا وتحفظ للجمهور المصرى والعربى أحداثًا تاريخية كان ولا بُد أن تُؤرَّخ.

والحقيقة استمتعت جدا بمشاهدة الفيلم ليس لأنه عمل فنى ضخم فقط وليس لأنه عن قصة حقيقية مؤلمة وبشعة محفورة بعمق فى ذاكرتنا القريبة ولكن هو إجابة لأسئلة كثيرة تدور فى رؤوسنا تحت وطأة الظروف الاقتصادية الحالية والأخطار المحيطة بنا ليذكرنا هذا الفيلم بأن وحدتنا الوطنية ليست مجرد شعار، بل هى واجب والتزام نتشاركه جميعًا كنسيج واحد فوحدتنا هى جسر إلى قوتنا وعبور إلى سيادتنا.

ومن أكثر المشاهد المؤلمة فى الفيلم وذات بعد إنسانى كبير ذكر أسماء الضحايا فى سياق خطاب يبعثه أحد الشهداء إلى والدته زادت من حدتها الموسيقى التصويرية للمبدع الفنان عمرو إسماعيل ولكنه حقق هدفًا واجبًا وأخلاقيًا بتذكيرنا بأن خلف كل ضحية شخصًا لديه قصة، وأن كل اسم يحمل وراءه حياة مليئة بالأحلام والطموحات المحطمة لنحترم أرواحهم.

 

 

 

وحتى لا ننسى القصة الحقيقية التى استوحى منها الفيلم قصته.. ففى 15 فبراير عام 2015، بثّ تنظيم داعش الإرهابى فيديو لعملية ذبح المصريين الأقباط الـ 21 المختطفين، وأظهرت الصور معاملة مشينة من عناصر التنظيم للأسرى، حيث ساقوهم واحدًا واحدًا، وأظهرت إحدى الصور تلون مياه البحر بلون الدم، فى استعراض متوقع من التنظيم الدموى من خلال مشاهد وُصفت بالـ«سينمائية» هزت العالم كله وقتها.. وجاء كل ذلك عنوان «رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب» بث التنظيم الإرهابى «داعش» فيديو دمويًا يسجل لحظات قطع رؤوس 21 قبطيًا مصريًا على إحدى السواحل فى ليبيا.. وهم فقراء مصريون قرروا المخاطرة بحياتهم من أجل لقمة العيش رغم الأحداث الفوضوية التى تشهدها ليبيا منذ 2011 ليكون مصيرهم الذبح على يد التنظيم المتشدد.

 وعقب الحادث، دعا الرئيس عبدالفتاح السيسى مجلس الدفاع الوطنى لاجتماع عاجل لبحث إعدام الرهائن، وأصدر الرئيس وقتها بيانًا نعى فيه إعدام هؤلاء الرهائن على يد داعش، وأعلن الحداد بالبلاد.. وقال إن مصر تحتفظ بحق الرد فالدم المصرى خط أحمر.

ولأن الدم المصرى غالٍ.. أعلن الرئيس فى كلمة طارئة ردًا على مقتلهم وقال أنه حان التعامل مع الإرهاب دون ازدواجية فى المعايير وشدد على أن مصر تمتلك حق الرد، وقدم العزاء للشعب المصرى وأسر الضحايا، وقال إن هذه الأعمال التى وصفها بالجبانة لن تنال من عزيمة مصر.. وتابع الرئيس فى كلمته: «وجهت أجهزة الدولة لاتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لعودة المصريين الراغبين فى العودة لأرض الوطن».

لم تمر ساعات على العملية الدموية التى تعرض لها الأقباط المصريون على يد التنظيم الدموى حتى قامت القوات المصرية الجوية بغارات على مواقع تنظيم داعش فى ليبيا فى مدينة سرت ودرنة.. الجولة الأولى قتلت 64 من مقاتلى التنظيم الدموى، بينهم ثلاثة من القيادات.

وقال بيان صدر عن الجيش المصرى وقتها إن القوات المسلحة قامت فجر الاثنين الموافق السادس عشر من فبراير بتوجيه ضربة جوية مركزة ضد معسكرات ومناطق تمركز وتدريب ومخازن أسلحة وذخائر تنظيم داعش الإرهابى بالأراضى الليبية.

ونقل التلفزيون المصرى عن «صقر الجروشي» قائد القوات الجوية الليبية بطبرق أن الضربات الجوية المصرية تمت بالاتفاق مع ليبيا، وأشار متحدث باسم الجيش المصرى أن الضربات حققت أهدافها بدقة.

 

 

 

الخلاصة.. دعونا لا ننسى أن الأمن الذى ينعم به المواطن المصرى اليوم، والاستقرار الذى تحقق على مر العقود، لم يأتِ من فراغ بل كان ثمرة تضحيات جسام قدمها شهداء وأبطال هذا الجيش العظيم لقد كان لكل بطل دوره فى رسم ملامح مستقبل هذا الوطن، وكل قطرة دم سُكبت على تراب هذه الأرض كانت شاهدة على إخلاص وتفانى أبناء جيش مصر فى الدفاع عن ارضها وابنائها.

وعلينا أن نقر ونعترف أن فيلم «السرب» استطاع بحرفية شديدة تجسيد العملية التى قامت بها القوات المصرية من أجل الثأر لدماء المصريين الأبرياء والعزل، ويعد استمرارًا حقيقيًا لاهتمام الشركة المتحدة بصناعة السينما فى الآونة الأخيرة وإصرارها المحمود على عودة الأفلام التى تخلد المعارك الحربية المصرية، فالسينما لا تنفصل عن الواقع، فإلى جانب الخيال والأعمال الممتعة، هناك أيضًا السينما التى تهتم بتوثيق المعارك الحربية لتظل خالدة فى الذاكرة وتمتد لأجيال وأجيال.. فالسرب وغيره من الإنتاجات الوطنية قادر على جعل الملحمة باقية يقظة فى القلوب والعقول دائمًا.