الإثنين 22 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

مفاتيح شخصيات صوتية ومديح على الناى والعود

الإنشاد على «النوتة»؟!

محمد الكحلاوى شيخ المداحين
محمد الكحلاوى شيخ المداحين

هنا رحلة مع أكابر المداحين الذين عرفتهم مصر والوطن العربى والإسلامى، كل له أسلوب مميز وقصائد يتكئ عليها فى مدائحه الدينية، وطريقته فى التلحين وحتى الارتجال قد يستعصى على غيره تقليدها.



محمد الكحلاوى وأحمد التونى والعربى فرحان البلبيسى والعطوانى وياسين التهامى وخضرة محمد خضر وأحمد برين.. هذه الأسماء تحديدًا تركت آثارًا واسعة النطاق فى الأقاليم المصرية، وانحاز لهم الناس بحُكم أصالتهم وطريقة إنشادهم وتمثيلهم للأقاليم فى الدلتا والصعيد. 

الحاجة نعمة
الحاجة نعمة

 

نبدأ رحلتنا مع الإنشاد من تتبع معانيه. يدلنا الباحث الجزائرى محمد هيشور، فى دراسته «إسهام الإنشاد الدينى فى الاستنهاض الحضارى» إن ما يرادف الإنشاد من حيث اللغة هو النداء لطلب الضال ومحاولة معرفته، والإنشاد هو التعريف بإلقاء الشِّعْر وإسماع بعضهم البعض له بصوت متميز بالترنم والتنغيم بقصد التأثير والاعتزاز.

صالح عبدالحى
صالح عبدالحى

 

وتمضى الدراسة مؤكدة أن النشيد الإسلامى لم ينشأ من العصر الحديث أو من الحركة الإسلامية بل له ما يناظره كالطرب والترانيم فى العصور القديمة فى غير المذاهب الإسلامية، حيث عرف الإنشاد فى أعرق الحضارات منذ أقدم حقب التاريخ من منطلق عقيدى وارتبط بأماكن العبادات، ولذا لم يكن الإنشاد فى تقاليد الحضارات وأعراف الأمم والشعوب والدول نسخًا طبق الأصل لبعضها عن البعض وإنما نسخ متميزة بخصوصياتها وصفاتها فى كل أمة من حيثيات كثيرة كالمصطلح والشكل والمضمون والاستهداف مثلما يسمى الإنشاد الترانيم أو التراتيل أو المزامير أو الغناء.

ويبدأ الإنشاد الدينى الإسلامى مع الأذان، تبعًا لما ذهب إليه كثير من الباحثين، حيث كان بلال بن رباح يجوّد فى الأذان كل يوم خمس مرات ويرتله ترتيلا حسنًا بصوت جميل، ومن هنا جاءت فكرة الأصوات النادية فى التغنى بالأشعار الإسلامية، حتى تطور الأمر كثيرًا فى عهد الدولتين الأموية والفاطمية وصولًا إلى العصر الحديث.

وفى العصر المملوكى، يقول عمر موسى باشا فى كتابه «الأدب فى العصور المتتابعة»: عرفت مصر عددًا كبيرًا جدًّا من أعلام المديح النبوى، حيث كان المديح هو سيد الفنون ودفع الشعراء إلى هذا الإسهام الكبير سلاطين الدولة الثانية ساعدوا على توجه الناس إليه، وشجعوا التصوف واهتموا بالمواسم الدينية ومواسم الحج، وظهرت المحامل وما رافقها من احتفالات دينية فى الذهاب والإياب، وكان السلاطين يحضرون هذه المواسم بأنفسهم، خصوصًا مواسم المولد النبوى ويحيطونها بهالة من التقديس والتكريم بتوزيع الأطعمة والملابس ومنح المال كهبات للفقراء.

الشيخ أحمد التونى
الشيخ أحمد التونى

 

من السكة الحديد

أقف الآن أمام واحد من كبار المداحين الذين عرفتهم الإذاعة والتليفزيون والشاشات العربية جميعها هو الشيخ محمد الكحلاوى، الذى بدأ موظفًا صغير السن فى السكة الحديد، واستقال مبكرًا عام 1934 ليلحق بفرقة عكاشة المسرحية مجرد كومبارس ويعمل بالإذاعة منذ نشأتها، وهو ولد يتيم الأم فى 1 أكتوبر 1912 وبعد فترة قليلة مات أبوه، لكنه تربى فى أسرة فنية لدى خاله الفنان محمد مجاهد الكحلاوى، وحضر معه حفلاته التى كان يؤديها فى فرقة صالح عبدالحى.. يراقبه ويتلمس طريقه ويحب أداءه.

حين كبر الفتى قليلا، كف عن لعب الكرة وترك رئاسة فريق نادى السكة الحديد.. تأخر مطرب الفرقة زكى عكاشة فطلب منظم الحفلة من الكحلاوى الغناء لتسلية الجمهور، وقد كانت فرصته الذهبية ليكشف عن موهبته فى الغناء.

وقف الشاب الصغير أمام الجمهور وبدأ يغنى، فتجاوب معه السميعة بصخب شديد لدرجة أفزعته وجعلته يهرب من الحفل.

الشيخ عبدالرحيم البرعى
الشيخ عبدالرحيم البرعى

 

ومنذ هذا التاريخ لازم الفرقة حتى سافر معها للشام دون علم خاله، فى رحلة قضتها الفرقة لمدة شهرين فقط، بينما تخلف الصبى محمد عن الفرقة ليمكث فى بلاد الشام ثمانية أعوام تعلم فيها الغناء العربى وأتقن اللهجات البدوية وإيقاعاتها ثم عاد إلى مصر شابًا فى العشرين من عمره.

تتوزع نصف أعمال الكحلاوى الغنائية فى المدائح النبوية والإنشاد الدينى، حيث لحن أكثر من 600 لحن دينى من مجمل إنتاجه الذى يقارب الـ 1200 لحن.

ومصدر اهتمام المؤرخين الموسيقيين بالكحلاوى أنه استطاع تطوير التواشيح الدينية، ووضع أسسًا للأغنية الدينية التى أصبحت تغنى بنوتة موسيقية وفرقة كاملة، وقد تلون فى غنائه بين الإنشاد والغناء والسير والملاحم والأوبريتات، حيث قدم سيرة محمد وسيرة عيسى وإبراهيم الخليل، ولمع الكحلاوى فى الغناء الدينى حتى تغنى بأغنيته ذائعة الشهرة «لاجل النبى».

فى عام 2007، جمع أحمد معروف الباحث بجامعة بنها 10 أغانٍ لمحمد الكحلاوى، تم اختبارها على أساس التنوع المقامى، وتبين إمكانية الاستفادة منها فى مجال الأغنية الدينية والصولفيج العربى، وعرض فيه أهم سمات أسلوب الكحلاوى فى صياغة مؤلفاته الدينية.

وأحمد التونى

هناك مقولة رائجة أن الإنشاد فى مصر نوعان: الإنشاد الدينى و«أحمد التونى»!

هذا الرجل لا يشبه أحدًا قبله، ولا أحد بعده صار يشبهه. حتى تلميذه ياسين التهامى لا علاقة فنية تربط بينهما باستثناء استلهام أشعار سلاطين العشق الإلهى كابن الفارض والحلاج.

أحد أهم مفاتيح التونى، إنشاده للأديرة والصلبان والقساوسة حتى تسمعه فى أحد مدائحه فلا تكاد تعرف إن كان يمتدح سيدنا النبى أم سيدنا المسيح عيسى.

ينشد التونى «ضرب ناقوسى فى ديرى تحركت الصلبان.. ولراهب الدير أكلمه كلمة واحدة يكلمنى الكلمة على كل لسان.. قال لى موسى وعيسى المسيح والأنبياء كلهم يهدوا إلى طريق الرحمن».

وفى قصيدة أخرى للشيخ عبدالغنى النابلسى، بعنوان «قف جانب الدير سل عنها القساسيسا» يؤدى بفرقته الموسيقية التقليدية:

«قف جانب الدير سل عنها القساسيسا مدامة قدستها القوم تقديسًا، بكرًا إذا ما انجلت فى الكاس تحسبها من فوق عرش من الياقوت بلقيسا، رقت فراقت وطابت فهى مطربة كأنها بيننا دقت نواقيسا، مالت بها القوم صرعى عندما برزت بها البطارق تسقيها الشماميسا».

أمّا لماذا ينشد التونى بمفردات يغلب عليها طابع الزهد بمسحته المسيحية، فتتوافر إجابات عديدة لدى باحثى الفلسفة الصوفية حيث يروى الباحث أبو العلا عفيفى أن الزهد ظهر فى الإسلام فى ظروف سياسية قاسية عاشها المسلمون فى عهد بنى أمية، فقد كان العصر مليئًا بالحروب والفتن المستمرة والاضطرابات، وفيه دخلت النظريات السياسية إلى العقائد الدينية، وتدخل الحكام فى آراء الناس الدينية ومعتقداتهم، فاضطهدت الحرية وكبت التفكير الحر، وشعر من لم يميلوا إلى اعتزال الناس بضرورة العزلة، وزهدوا فى الدنيا وفى الحكم.

وكان للرهبنة المسيحية أثر فى الزهد الإسلامى من حيث إنه تسرب إلى طريقة المسلمين فى الزهد كثير من تقاليد الرهبان المسيحيين وعاداتهم وطقوسهم، بل إن القرن الثانى شهدت نهاياته حركة الزهد الإسلامى داخل الأديرة. ويقول عبدالرحمن جامى فى كتابه «نفحات الأنس» إن أول خانقاه أسست فى الإسلام كانت بالرملة بفلسطين أسسها فى القرن الثانى راهب مسيحى.

ولد التونى فى عشرينيات القرن الماضى فى الحواتكة، التابعة لمركز منفلوط بمحافظة أسيوط. خرج التونى من مصر لأول مرة منشدًا إلى باريس، ثم انتشر صوته فى عموم أوروبا وبعدها الولايات المتحدة قبل أن يتجه جنوبًا فينشد فى البرازيل والأرجنتين، وسائر دول شمال إفريقيا بالإضافة إلى سوريا.

زكى عكاشة
زكى عكاشة

 

رحل التونى فى عام 2014 وترك إرثا من المديح الشعبى الذى يغلب عليه طابع الارتجال والصدق، يحتاج للجمع والدراسة الموسيقية النقدية.

الكمان والعود

يتحاور الناى والأرغول مع الكمان والعود فى وصلة موسيقية ممطوطة شديدة الحزن، كأنها تفتش عن مصدر الآلام فى صدرى فلا أعرف إجابة واضحة إلا أننى أدمع وسط صخب الميكروفونات والسيارات والأوتوبيسات وباعة يفترشون الأرصفة فى منطقة المؤسسة بشبرا الخيمة.

المشهد فى أواخر الثمانينيات، وبعد ثوان من تلك الوصلة الموسيقية سيكمل العربى فرحان البلبيسى إنشاده فى مديحه الأشهر «قصدت بابك»، وسيمتد هذا المديح وغيره من أغنيات البلبيسى منذ الثمانينيات ويعبر التسعينيات ويستمر إلى الآن.. صوت من الدلتا مستقل يشبه آلام ومواجع الفلاحين منذ آلاف السنين وحتى اللحظة الراهنة.

إذا كنت من مواليد الثمانينيات أو السبعينيات ستميز صوت البلبيسى حتمًا قادمًا من عمق ذاكرتك وتاريخك الشخصى مع الموسيقى والأغانى، وإن كنت أصغر سنًا فمؤكد أنك سمعت البلبيسى أيضًا خارجًا من «توك توك» أو موتوسيكل أو سيارة أجرة أو ملاكى. لكن المشترك بين هذه الذكريات جميعًا كونها تتسم بمسحة حزن وتوسل إلى الله وسيدنا النبى وآل بيته بطابع «المسكنة» و«الغلب».

العربى فرحان
العربى فرحان

 

لا تكاد تتوافر أى معلومات عن العربى فرحان البلبيسى باستثناء أنه ابن محافظة الشرقية، وأنه قدم الفن الصوفى فى قالب شعبى وأشياء من هذا القبيل، إلا أن أغانيه منتشرة على مواقع مثل «يو تيوب» و«ساوند كلاود» وتُحقق انتشارًا واسعًا جدًّا.

يقول البلبيسى: «من حبى فى الحبيب النبى عينونى مداح لآل البيت»، وفى مقطع آخر ينشد: «من حب أبويا ف الحبيب النبى..سمانى عربى فرحان.. وقال ودعتك يا ولدى.. مداح للنبى العدنان.. وكل ما تصلى ع الحبيب النبى روحى.. حاتزيد م المديح راسمال.. كلام حاقوله لك يا ولدى.. احرص من الدنيا.. أصل الدنيا مالها أمان.. دنيا غرورة وكل ساعة بحال.. واللى يآمن لها يبقى يبات عيان.. دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطب نفسًا إذا حَكم القضاء».

يغنى البلبيسى للغلابة والمكلومين والمظاليم ولا شك: «ياما كان عالدنيا فتوات قبلنا بيقولم إحنا أحسن ناس.. صبحم رمايم يا خويا ويدهوسم عليهم الناس»، ثم إنه محب لآل بيت النبى حبًا شديدًا «يا آل بيت النبى أنا هانديكم بأساميكم.. طمعان فى نظرة رضا ليا العشم فيكم.. أنا ليا أربعة فى وقت الضيق بناديهم.. سيدنا الحسن والحسين والسيدة والإمام على أبيهم»، ثم يتبعها بقوله «يا آل بيت النبى أمانة ماتفتونيش.. عايز أنول مطلبى بس فى حماكم أعيش»، ويوصى آل بيت النبى وهو يردد كلمة «أمانة» أكثر من 7 مرات متبعًا إياها بقوله «أمانة عليكم تخلوا بالكو معايا إذا رحت والا جيت».

حتى يدخل الرجل فى وصلة للمظاليم «الناس شافونى بابكى قالو لى ماتبكيش.. أنا قلت بابكى على حالى.. يا خلق ماتلومنيش.. ضيعت مالى على جرحى وعايز أعيش.. وبدل ما ألبس حرير يعجبنى لبس الخيش.. آكل بملح حصى.. وأغمسه بالعيش». ثم ينتقل إلى الشكوى من الزمن «أنا شلت لك يا زمن الحمل ما خليت.. ومشيت معاك يا زمن لفيت ولا خليت». 

قدم البلبيسى رحلة الحجاج مثل العديد من الفنانين الشعبيين الذين قدموا رحلة الحج فى قالب غنائى يطلق عليه فى الفن الشعبى «تحنين الحجيج»، أمثال نعمة القناوية وربيع البركة، كما غنى بعض القصائد بالفصحى مثل «ليس الغريب»، ومدائح أخرى من بينها «الوصايا» و«على باب سيدنا الحسين» و«مدح النبى» و«يا عاصى توب».

من الحواتكة

سنعود الآن إلى قرية الحواتكة، التى أنجبت ياسين التهامى أسيوطى النشأة والمولد وصعيدى الهوى بامتياز، حتى إن الملايين يسمعونه ويحفظ بعضهم الأشعار التى تغنى بها عن ظهر قلب، خصوصًا فى الصعيد وأيضًا من خارج الحدود المصرية.

وُلد التهامى عام 1949، وتلقى تعليمه فى المعاهد الأزهرية حتى انقطع عن الدراسة لظروف خاصة، وخلال سن الثانوية كان شديد الانجذاب للشِّعر الصوفى، وما كان يسمعه من والده وممن يحضرون ليالى الذِّكر التى كان يقيمها والده، ثم ظل عامين متأملا ومنقطعًا لقراءة أشعار المتصوفة الكبار أمثال عمر بن الفارض والحلاج والسهروردى ومحيى الدين بن عربى وغيرهم ممن كان لهم الفضل والأثر الأكبر فى تكوين شخصيته فى تلك الفترة.

يمتلك التهامى مساحة صوتية هائلة، جعلت الباحث الأمريكى «مايكل فروشكوف» يتخصص فى وضع دراسة كاملة عن أدائه الصوتى، ودفعت المستشرق الألمانى «كولن» إلى أن يفرد له قسمًا مستقلًا فى كتابه عن الموسيقى الشرقية، باعتباره مرتجلًا لنغم صوفى جديد من دون تعليم أو دراسة أكاديمية.

فى هذا السياق، قضى الأب الكاثوليكى جوزيبى سكاتولين 7 سنوات فى تحقيق ديوان ابن الفارض‏،‏ وعندما انتهى من دراسة المخطوطات قال الكاهن الأوروبى: لا يمكن أن نعتبر أنفسنا قد انتهينا من دراسة ابن الفارض إلا إذا سمعنا أشعاره عبر صوت الشيخ ياسين التهامى‏،‏ فهو موصل جيد لحرارة الصوفية‏،‏ وهو مشهور جدًّا فى أوروبا بموسيقاه وإنشاده‏.

ينشد التهامى القصائد بمقامات لم يؤد بها إلا كبار الفنانين أمثال أم كلثوم وصباح فخرى، بمزج فريد بين إيقاعات النغم الشرقى والنغم الشعبى، كما أدخل الآلات الموسيقية على اختلاف أنواعها.

وحينما سُئل التهامى فى إحدى محطات الإذاعة الفرنسية عن تعريفه للشعر الصوفى قال: «تزين ألفاظه معانيه... وألفاظه زائنات المعانى».

سيظل سلطان المداحين مدرسة خاصة فى عالم الإنشاد الدينى، وسيظل مسموعًا لدى محلات عصير القصب التى يملكها الصعايدة فى القاهرة، ولدى المقاهى وفى مولد سيدى أحمد البدوى وسيدى شبل الأسود والسيدة زينب، حيث أصبح أيقونة شعبية حقيقية فى دولة الإنشاد الصوفى.

المندرة المفتوحة

من شوادر اللحوم استقبالا لعيد الأضحى، إلى داخل المنازل التى تشهد رسومات لباخرة أو طائرة مكتوب أسفلها «حج مبرور وذنب مغفور»، تنبئ أن داخل هذا المنزل أو ذاك حاجًا أو حاجة يهمون بأداء فريضة الحج، إلى مندرة مفتوحة تسلم على المهنئين بـ «الحج المبرور إن شاء الله».. وسط هذه الأجواء الاحتفالية بقدوم عيد الأضحى وموسم الحج، من الصعب ألا تجد صوت الحاجة نعمة القناوية يصدح من هنا أو هناك بأغنيتها الأشهر التى عرفت بها عن الحجيج ومشاهد ومظاهر وطقوس الحج كاملة بدءًا من تجهيز الحاجة إلى ركوب الباخرة وحتى الوصول إلى بئر زمزم والعودة سالمة.

المعلومات المتوافرة عن الحاجة نعمة أنها «قناوية» كما يظهر من اسمها، وأنها أشهر من غنت للحجيج، أو بمعنى أدق أكثر المنشدات شهرة بتحنين الحجيج فى عصرنا هذا. 

تتميز الحاجة نعمة بصوت قوى شعبى جدًا، يصعب على المستمع للمرة الأولى تمييز إن كان لفلاحة أم صعيدية، وربما لهذا السبب أحبها أبناء الدلتا وتلقف شريطها الخاص بالحجيج الدلتاوية أكثر من أبناء الجنوب وتحديدًا قنا، التى انحدرت منها، فأهالى الصعيد لديهم العديد من المنشدين الذين أنشدوا للحجاج أمثال ربيع البركة وجابر العزب ومن قبل شوقى القناوى والريس متقال وغيرهم، أما الدلتاوية فلم يظهر لهم شيخة تغنى للحجاج وتباع أشرطتها فى كل مكان إلا نعمة القناوية.

وتحنين الحجيج هو فن شعبى خالص مرتبط برحلة الحج إلى الأراضى المقدسة، وهو حجر زاوية مهم فى الوجدان المصرى والعربى بصفة عامة، إلا أن المصريين استطاعوا «تمصيره» وجعله طقسًا مصريًا رسخته الطرق الصوفية، محاطًا بعشرات الأغنيات عن الحج ووداع الذاهبين إلى بيت الله الحرام.

ونص الأغنية كاملة كما وردت فى كتاب الدكتور رجب النجار «رحلة الحجيج»: «يا فاطمة يا فاطمة.. يا بنت نبينا.. افتحى البوابة يا فاطمة أبوكى داعينا»، ثم تستكمل: «ما تقوم يا عاصى وبلاش معاصى.. ده القبر ضيق والحساب قاسى.. يا زايرين النبى محمد خدونى معاكم.. مشتاقة لزيارة النبى وأسوى غداكم.. يا رب ما أموت وانزل ترابى.. إلا أما أزور النبى وأبلغ مرادى.. وإن عطانى ربى لأبيعك توبى.. وأشرق عالنبى وأبلك يا شوقى».

وتصف الأغنية مشهد وداع الحجاج ذروة المشهد الاحتفالى، لذا فهو من أكثر المشاهد تأثيرًا فى النفوس: «يا وابور السفر.. ما توقف شوية.. خلى أبويا الغالى.. يسلم عليا.. وادعى لى يا مه ودعاكى قبلته.. ده حجرك ربانى يامه ولبنك رضعته».

السؤال الآن هو متى بدأ غناء هذا الفن الشعبى الأصيل؟

يقول البعض إن الشيخ عبدالرحيم البرعى هو أول من أنشد مديحًا خاصة بالحجيج، فهو الذى وضع أصوله، وهو أحد أبرز شيوخ الصوفية العاملين فى مصر والسودان، كما أنه تنقل كثيرًا فى العالم الإسلامى. أسس والده الطريقة السمانية عام 1900 وخلفه البرعى، وتوالى من بعده ظهور المداحين المتخصصين فى تحنين الحجيج حتى يومنى هذا. إلا أن أغنيات تحنين الحجيج الشهيرة قيلت على لسان امرأة وليس رجلا، كما أنه من المرجح ظهور مداحين قبل البرعى أسقطتهم الذاكرة.

وتوالى ظهور المداحين خاصة فى الصعيد من بينهم أم عبود، التى انتشر اسمها فى ستينيات القرن الماضى، وكانت أم عبود من أوائل السيدات اللاتى قمن بإحياء ليلة مديح كاملة، ومن بعدها جاءت الحاجة نورا صبحى، وهى من أكثر السيدات اللاتى صدرت لهن شرائط كاسيت للمديح، ثم الحاجة نعمة القناوية.

منوفى وأقصرى

شابان صغيرا السن فى المرحلة الجامعية، عرفتهما منذ أيام قليلة فى غرفة الضيوف بإحدى الفضائيات. يتأهب الشابان للإنشاد، أحدهما منوفى والآخر أقصرى.. أخرج لأسأل عن شىء ما فأسمع قصيدة يتبادلها الشابان «قمر سيدنا النبى قمر.. وجميل سيدنا النبى وجميل.. وأجمل منك لم ترَ قط عين.. وأطيب منك لم تلد النساء.. خلقت مبرءًا من كل عيب.. كأنك قد خلقت كما تشاء».

يملك الشابان صوتًا جهوريّا عظيمًا ينبئ بمستقبل بارز فى دنيا الإنشاد، فأعود لأسألهما عن طبيعة دراستهما فى مدرسة الإنشاد الدينى التى أسسها الشيخ الشاب محمود التهامى، ابن التهامى الكبير.. يجيب أحدهما بأنها «حكايتها حكاية.. مهمة جدّا لكل أبناء جيلنا، وللأجانب اللى عايشين فى مصر ولأبناء المحافظات».

الشابان يتملكهما طموح كبير فى الوصول إلى الاحتراف والإنشاد فى حفلات رسمية كأصوات منفردة، وعرفت منهما أن مدرسة التهامى تصقل الموهبة وتتميز بالمناهج العلمية فى التدريس، وتشترط للالتحاق بها أن يكون صوت المتقدم جميلا، صاحب أذن موسيقية، وموهبة، وليس هناك سن معينة للالتحاق بالمدرسة، فبعض الدارسين عمرهم ستون عامًا.

تأسست مدرسة الإنشاد الدينى على يد محمود التهامى عام 2014، وترعى المواهب فى الإنشاد والابتهالات، وتقوم بتثقيفهم وتدريبهم وتعليمهم المقامات الموسيقية وفن التواشيح والتجويد والعروض والصولفيج والأداء الحركى وتدريبات النَّفَس، كما تقوم بدعم المتفوقين وتخصيص الحفلات لهم.. ويبدو أنها ستكون رئة جديدة ومهمة للمنشدين الدينيين فى مصر والعالم الإسلامى كله.