السبت 2 مارس 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكايات فلسطينية من حى الدرج

من وسط  حى الشجاعية شرق قطاع غزة قدم إلى مصر الشاب أسامة أنس ليلتحق بكلية الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر.. يعيش أنس فى القاهرة الآن على أمل الرجاء.. ولو أن الحزن لا يضاهيه حزن على ما يحدث للأهل والأقارب والأصدقاء فى غزة.. بعد بداية أحداث أكتوبر الماضى.



 

يقول أنس: « قبل 7 أكتوبر كانت الحياة تسير.. لكن منذ ذلك اليوم انقلب الحال رأسًا على عقب، إحساسى بالعجز حاصرنى، عرفت إن عيلتى كلهم نزحوا إلى جنوب غزة، بعدما حاصرت قوات الاحتلال الصهيونى منطقتنا وأمروا بإخلاء البيوت.. وبعد فترة عرفت من أحد أصدقائى أن بيتنا تم قصفه.. وهو البيت الذى دفعنا فيه كل ما نملك.. هذا أمر الله وقدره.. ولكنى استقبلت الخبر بحزن شديد».

 

 

 

يكمل: «كان بيت طفولتى.. بنيت فيه ذكريات حلوة كثيرة.. لكن الآن صار رمادًا واستشهد عمى، وأولاده.. ومنهم شاب فى بداية حياته.. والآخر طفل.. وكثير من أصدقائى استشهدوا.. لكنى فى النهاية أقول إنهم يليقون بالشهادة».

يقول: «الاتصالات مع أهلى فى غزة أغلب الأوقات مش متاحة.. وكل يوم أسمع خبر استشهاد من أعرف.. أقول هنيئًا له.. وكثيرًا ما لا أستطيع أن أعرف إذا عندهم قصف.. ولا أكل ولا شرب.. حتى ما بعرف لفترة طويلة.. ما إذا عايشين ولا استشهدوا.. نحن فى مأساة».

وبمزيج من الألم والحسرة والإحساس بالعجز يكمل أنس من القاهرة: «قبل الحرب أبى كان يرسل لى فلوس لكن منذ وقت التدمير لا أحد يرسل لى شىء..». 

أنس من أسرة مكونة من 6.. إخوته أربعة شباب كما قال.. أصغرهم هو أنس نفسه.. قال: «وجودى فى مصر قلل إحساسى كثيرًا بالغربة واليأس.. أتذكر تفاصيل آخر مكالمة بينى وبين والدى.. وكانت لا تتعدى دقيقتين عبارة عن أنه وصانى أخد بالى من دراستى واللى كاتبوا الله بيصير.. وانقطع الاتصال».

وعن مصر ودعمها قال أنس: «المصريون أهلنا أهل كرم وبنشكرهم على دعمهم لنا.. وأشكر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر على دعمه لنا ماديا ومعنويا استفدت أكيد بالمنحة المقدمة لى فى الدراسة واستكمال المعيشة فى القاهرة فى تلك الظروف». 

انقلبت الموازين

وينهى أنس كلامه قائلاً: «نحن شعب خلقه الله للصمود.. والصبر فنحن أرض الأنبياء ونعيش فى رباط وجهاد حتى النصر.. وما النصر إلا صبر».

أما راكان ماجد.. من شمال غزة.. فهو طالب فى القاهرة بكلية الشريعة والقانون. جاء إلى القاهرة سبتمبر الماضى حيث بدأ عاما دراسيا جديدا.. قال : «بعد أسبوعين فقط عن وصولى انقلبت الموازين.. وكانت غير متوقعة».

أضاف: «مع بداية الحرب.. كان أهلى من أوائل النازحين، تفرقت عائلتى على عدة مناطق حتى إذا استشهد أحد تذكره الآخرون بالدعاء.. فأخواتى المتزوجات مازلن محاصرات بمنطقة الزيتون.. والدبابات لم تنقطع عن تلك المنطقة منذ السابع من أكتوبر». 

 

 

 

قال: «عن أبى وأمى وإخوتى.. فعرفت أنهم لجأوا لإحدى مدارس الأنروا.. وحصلت على عدة صور من هناك.. سواء لمنطقتنا.. أو لبيتنا بعد أن تهدم.. صعبة على تلك الصور.. وكان صعبًا عندما علمت أن أخى الأكبر محاصر مع زوجته وأطفاله بمنطقة دير البلح.. بينما أخى الآخر.. نزح مع زوجته إلى الجنوب.. ونحن لا نعرف هل مازالوا على قيد الحياة أم صاروا فى عداد الشهداء». 

يقول راكان عن آخر مكالمة بينه وبين والده: «قال إنه لا يعرف أى أخبار عن إخوتى، فالوضع صعب جدا، أمراض وأوبئة والسلع صارت بأضعاف ثمنها».

أضاف راكان: «بعد نزوح أهلى بساعات من منطقتنا.. تحولت المنطقة إلى مكان غير معروف الملامح.. نتيجة حزام نارى من جهة الاحتلال الصهيونى ساواها بالأرض.. بما فيها بيتنا.. وأقارب لنا نجوا من القصف بأعجوبة.. لكن فى نفس الوقت فقدنا جيرانا كثيرين تحت الركام».

يقول راكان: «بيت عمى قصفه الاحتلال الصهيونى بمنطقة الصبرة.. وطلعوهم من تحت الركام وعائلة عمى الآن نازحون بالجنوب مقيمون بمعسكرات الإيواء، للأسف ما عندى أى خبر عنهم حتى الاتصال الدولى أصبح صعبًا بعد محاولات كثيرة لا تحصى تلقط مرة.. كانت آخر مكالمة تقريبا منذ 3 أسابيع».

أما عن وضع أصدقائه فيقول راكان: «يوميًا يصلنا خبر استشهاد أحد أصدقائى لا يعلم أحد بأى أرض يموت.. وأتذكر معنا زميلة غزاوية فقدت كل عيلتها.. وما يقارب 80 من الأقارب.. لكنها صامدة.. وبقية أهلها متمسكون بالأرض الفلسطينية.. فإما أن نموت.. أو نعود لديارنا».

يقول راكان: «لولا المنح المصرية للطلبة الفلسطينيين ما كنا نعرف كيف ستكون حياتنا.. ولولا شهامة مصر.. لما كان يمكن أن نعرف كيف كانت سوف تسير الأمور».

يقول راكان أن أسرته لم تعد ترسل له حوالته الشهرية منذ القصف.. ولولا مساعدات الأزهر.. ما كان يمكن أن يستمر.

لم أستوعب ما حدث  من حى الدرج جاء حسام الجعرور ليلتحق بكلية الطب جامعة الأزهر. كانت القاهرة مكان تحقيق الحلم.. وحلم الأسرة بأن يصبح طبيبًا ليساهم فى بناء بلده وتطويره يقول: «جئت إلى مصر من أجل الحصول على تعليم جيد وأتمنى أن أعود إلى غزة الآن.. لكن الأمور هناك صعبة.. وبالنسبة لى أنا مصر على إكمال دراستى.. رغم أن إحساسى بالحزن لا يفارقنى.. لأنى اضطررت إلى ترك عائلتى وأصدقائى». 

يقول حسام: «استفدت بمنحة شيخ الأزهر لطلاب فلسطين، أما عنى فقررت دراسة الطب نظرًا لحاجة فلسطين إلى أطباء». 

يضيف:  «من بداية الحرب نشهد أن الكوادر الطبية هم أكثر المستهدفين».

يقول أيضًا: «لما علمت ببداية الحرب لم أصدق نفسى خصوصًا لما بدأت أسمع عنه من مآسٍ.. أول يوم الحرب صحيت على خبر أعز أصدقائى وقتها ما استوعبت الخبر حاولت التأكد أكثر من مرة.. مشاعر فقد الأهل والأصدقاء تحرق القلب.. وقتها قلت لنفسى إننى لن أنام.. ظللت 3 أيام بلا نوم.. ولم أتحمل ونمت.. صحيت على خبر استشهاد رفيق دربى وصديقى بالجامعة فى غزة وكان فى الفرقة الثالثة كلية الإعلام تواصلت معه منذ فترة قصيرة حكى لى إنه اشتاق لقعدتنا، وحكيت له راح أرجع، لكنه سبق واستشهد». عن الأهل قال حسام: «كنت أرتاح لما أسمع صوتهم، لكن الآن للأسف الآن نادرًا ما نستطيع التواصل.. لكنى عرفت أن أهلى تركوا الطوابق العليا فى بنايتنا.. وسكنوا فى الطوابق السلفى أول الحرب لأن الاحتلال كان يقصف الطوابق العلوية.. وأذكر لما كان الاتصال ممكن إنى صحيت على مكالمة من أمى تبكى بحرقة شديدة وعرفت أن بيت أخواتى اتقصف». 

 

 

 

تابع حسام قائلاً: «ابن خالى استشهد أبوه وأمه وأخواته.. وهو يدرس فى كلية الطب جامعة المنصورة سافرت إليه منذ علمت الخبر وكان فى حالة انهيار تام خاصة لما علم أن عائلته بالكامل مازالت تحت الأنقاض».

أضاف: « باقى عيلتى نزحوا إلى بيت خالتى واليوم التالى تم قصف شارعهم.. واستشهد زوج خالتى.. عمى أصيب بفقدان ذاكرة، وأخى أصيب فى يده نتيجة قصف عليهم بشكل مباشر أثناء ذهابهم إلى المستشفى وأولاد عمى أصيبوا بشظايا الصواريخ.. وكانوا بالمستشفى المعمدانى عندما هجمت قوات الاحتلال وقاموا بطردهم خارج المستشفى». 

قال حسام: «قصف بيتنا وخسارة كبيرة فى عمل أبى فقدنا ما يقارب 5000 كاش إضافة إلى شيكات خاصة بالشغل كانت ما يقارب 50 آلاف دولار الوضع الحالى موت وخراب ديار خسرنا المعرض والبيت والسيارة وعيلتى وتعليم أخواتى لا يوجد لا ماء ولا كهرباء ولا أى شىء». 

 

آخر مكالمة

أما مصطفى علاء فهو من حى الدرج أيضًا.. فهو خريج كلية الصيدلة جامعة الأزهر، لكنه جاء إلى مصر أغسطس الماضى ليلتحق بكلية الدراسات العليا جامعة الأزهر مستفيدًا من منحة شيخ الأزهر».

قال مصطفى: «فى بداية الحرب نزح أهلى من شمال غزة إلى الشرق ثم إلى الغرب.. أتذكر تفاصيل آخر مكالمة كانت إحنا بخير وإن اللى ربنا كاتبه هنشوفه، عندى أخوين فى الجامعة منهم واحد مريض بالسرطان وكان يتابع علاجه قبل الحرب وبعد الحرب للأسف المتابعة صعبة.. وبدأت الصعوبة بعد أن تمركز جيش الاحتلال فى حى الدرج والشجاعية وانسحبوا من تل الهوا وحى الرمال».

يقول مصطفى: «عيلتى كلهم نزحوا.. وكتير من جيرانى وأصدقائى كلهم استشهدوا».. وعن حياته فى مصر فى تلك الظروف الصعبة قال مصطفى: «المصريون أهل كرم.. كل الود والرحمة نراه هنا.. دايمًا يحاولون مواساتى ودكاترة الجامعة يوميًا يتواصلون معى للاطمئنان على وعلى أخبار عائلتى .. ما قصروا، نشكرهم على كامل دعهم لنا».