الثلاثاء 16 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

بعد 31 سنة من التجميد: إعادة اكتشاف «الحب فى الثلاجة»

شهدت بدايات شهر ديسمبر عام 1992، عرض فيلم «الحب فى الثلاجة» الذى يُعد واحدًا ضمن قائمة ليست بالكبيرة لأفلام الفانتازيا فى السينما المصرية، للمخرج سعيد حامد فى أولى تجاربه الإخراجية والكاتب ماهر عواد، وتصدر بطولته كل من النجوم يحيى الفخرانى وعبلة كامل ولوسى وإنعام سالوسة وخالد الصاوى ومحمد يوسف والوجه الجديد محمد هنيدى.



 

لم يحقق فيلم «الحب فى الثلاجة» نجاحًا وقت عرضه السينمائى مطلع التسعينيات، ولكن ما يثير الدهشة، هو إعادة اكتشاف الفيلم مؤخرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وحالة الاحتفاء الواضحة التى يحظى بها لدى النشطاء الذين أعادوا تصديره للجمهور الحالى، والذى اختلف قطعًا عن جمهور العرض الأصلى، حيث إن عددًا كبيرًا من المحتفين بالفيلم لم يكونوا قد ولدوا أصلًا وقت طرحه فى دور العرض. والغريب أن مقاطع الفيلم التى يتم اقتطاعها تلقى ترحيبًا وحفاوة بين جمهور السوشيال ميديا حاليًا، وربما كان اقتطاع الفيلم من سياقه أحد أبرز أسباب نجاحه.

 

 

تستعرض مجلة «صباح الخير» فى هذا التقرير رحلة مكونة من جزأين يبلغان 31 عامًا، هى مقدار المدة الفاصلة بين توقيت عرض الفيلم وإعادة اكتشافه على السوشيال ميديا..

مآسى «مهدى» والصبر

استعرض الفيلم بنظرة كوميدية سوداء شديدة القتامة وضع الشاب «مهدى» الموظف المهمش الذى يعانى من كل شيء فى حياته، بداية من سكنه المتواضع فى غرفة بالدور السابع على سطح عمارة فاخرة لا يصل إليها الماء، إلى معاناته الوظيفية مع مديره فى العمل وراتبه الذى لا يكفيه بينما تتم سرقته علنًا فى وضح النهار من أحد مهرجى السيرك، إلى اضطهاد السكان له، فضلا عن كراهية أهل خطيبته الشديدة لشخصه.

الجميع يطالب مهدى بالصبر لأنه «مفتاح الفرج» وهى الجملة التى تتكرر على مسامعه، حتى عام 2000 مع وعد بحل جميع مشاكله، ونجد مهدى صابرا لا يشكو ولا يتذمر ويصدق جميع الوعود التى يقدمها له من حوله، حتى يصادف إعلانًا عن فرصة تجميد نفسه فى الثلاجة لعدة سنوات قبل أن يتمكن العلماء من إعادته إلى الحياة من جديد، فيحظى بجميع الفرص التى تنتظره عام 2000 ويتزوج من خطيبته بدون تعب.

بعد دخول مهدى الثلاجة التى يطلق عليها اسم «سفينة نوح»، يواجه سلبيته وضعف شخصيته عندما يفاجأ بديك شجاع يلحق به، ويعطيه درسًا فى الإقدام والشجاعة، قبل أن يتورط فى جريمة قتل رغم عدم اتصاله بالعالم الخارجى الذى ظل يلاحقه بمصائبه حتى وهو فى حالة تجميد، ليخرج من ثلاجته إلى ثلاجة الموتى بعد أن يتم إعدامه شنقًا، وعليه يعود من عالم الموتى قائدًا لثورة ضد عالم الأحياء.

عرض الفيلم فى إطار كوميدى ذى نظرة تشاؤمية سوداء، حالة من الفانتازيا التى جسدت تجميد أحلام الشاب مهدى من وظيفة وراتب يكفى احتياجاته وزواج وتكوين أسرة مستقرة، بعد رفض المجتمع قبوله على أنه فرد فيه، ومعاملته طوال الوقت كشخص منبوذ، وربما كانت هذه النظرة التشاؤمية شديدة السواد والإحباط ضمن أسباب فشل الفيلم تجارياً وقت عرضه، فغالبية جمهور السينما بشكل عام فى كل الأوقات يبحث عن المتعة والتسلية، بينما عرض فكرة جادة بشكل أقرب للهستيريا أو التهريف دفع الجمهور للعزوف عن مشاهدته، ما أدى إلى رفعه من السينما بشكل سريع.

لم يحقق فيلم «الحب فى الثلاجة» سوى ستة آلاف جنيه وقت عرضه فى السينما، وهذا الرقم كان الأضعف بين إيرادات أفلام المؤلف ماهر عواد الذى سبق أن نجح بفيلميه «سمع هس» و«يا مهلبية يا» اللذين حققا إيرادات كبيرة مقارنة بهذا الفيلم، الذى عزف الجمهور عن مشاهدته ولاقى انتقادات واسعة من النقاد، ربما بسبب طريقة العرض غير المألوفة فى ذلك الوقت.

قال المخرج سعيد حامد فى حوار سابق، إن سبب فشل فيلمه الأول كمخرج «الحب فى الثلاجة» على الصعيد الجماهيرى، يعود إلى توقيت عرضه غير الملائم، لافتا إلى أن هذا الفشل يشبه كثيرًا ما حدث مع فيلم المخرج رضوان الكاشف «عرق البلح»، فكلاهما من الأفلام الخاصة التى تتطلب جمهورًا معينًا يهدف إلى مشاهدة هذه الفئة من الأفلام.

أضاف سعيد حامد أن توقيت عرض الفيلم إلى جانب الدعاية الضعيفة تسببا فى فشله جماهيريًا وعدم وصوله إلى الفئة المرجوة بصورة مناسبة، موضحًا أن هذا الفشل بالطبع قد أثر على مسيرته المهنية، ودفعه للاختفاء عن الساحة والبقاء فى منزله لبضع سنوات، لا سيما أنه شارك فى إنتاجه مما جعل الخسارة مكثفة.

 

 

 

إعادة اكتشاف الفيلم

واحدة من مميزات السوشيال هى إعادة اكتشاف الأشياء المفقودة فى ذاكرة الزمن، وإلقاء الضوء عليها بنظرة مختلفة، بسبب حالة التنافسية الشديدة التى تؤججها الصفحات المتشابهة فى عرض مضمون يحصد تفاعلًا كبيرًا مما يزيد النشاط عليها، وهو ما جعل إعادة اكتشاف «الحب فى الثلاجة» كقبلة الحياة الأخيرة التى حصل عليها الفيلم لتعيده إلى الأذهان بصورة أنجح مما عرض عليها أول مرة.

بداية مصطلح «الكوميكس» أو الصور التعبيرية عن قصة مصورة، اتخذ منحى جديدًا على السوشيال ميديا، وأصبح يدور فى إطار كوميدى كتعبير عن النكتة فى أحدث أشكالها، ومن أجل إنتاج المزيد من الكوميكس المضحكة، لجأ صناع هذا الفن لانتزاع الضحك من الأفلام القديمة والحديثة على حد سواء، ومن ثم بدأ تداول بعض اللقطات من الفيلم كصورة تعبيرية عن الضحك، مثل المشهد الذى يدور بين يحيى الفخرانى وعبلة كامل، على سلم العمارة وهو متردد فى الإمساك بيدها ليقوم الاثنان بدعوة البواب والمارة حتى يشهدوا هذه اللحظة.

تصدير الاسكتشات

اقتطاع مشاهد معينة من الفيلم للحصول على حوار يبدو ساخرًا، على شكل اسكتش كوميدى، من أكثر العوامل التى تساعد على نجاح أى فكرة، لا نستثنى منها فيلم «الحب فى الثلاجة»، حيث تم اقتطاع أجزاء ومشاهد من الفيلم على شكل اسكتشات كوميدية قصيرة أعيد تصديرها لرواد مواقع التواصل الاجتماعى، ولاقت رواجًا كبيرًا بهذا الشكل.

«فشل العمل تجاريًا لا يعنى فشلى كمخرج» هذا التصريح لسعيد حامد فى أحد الحوارات السابقة، هو تقييم صحيح لموهبته التى تجلّت فيما بعد فى تجربته مع محمد هنيدى سواء فى «صعيدى فى الجامعة الأمريكية» أو «همام فى أمستردام» وغيرهما من الأعمال الفنية الفارقة، ولأن الفكرة لم تكن سيئة، ولأن طبيعة المتلقى تغيرت، فقد التقت بعض المعايير التى عملت على إنجاح اسكتشات الفيلم عبر السوشيال ميديا ليتم إنعاشه بعد سنوات من التجميد.

 

 

 

 

الخروج من الكآبة

رغم أن «الحب فى الثلاجة» مصنف كوميدى، فإن الصورة مع الأحداث وضعاه فى خانة الكوميديا السوداء، وهذه الجرعة المكثفة من الكآبة التى أدت لفشل الفيلم وقت عرضه، تجنبها صناع الاسكتشات والكوميكس الضاحكة، فاستخرجوا بعض الجمل الحوارية المضحكة من قلب الفيلم دون التركيز على الأجواء المقبضة للتصوير وتسلسل الأحداث، مما أفقده الجانب الكئيب وأظهر فقط الجانب الكوميدى الذى يفضله رواد مواقع التواصل الاجتماعى، حتى فى طريقة عرض الأزمات.