الثلاثاء 16 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حكايات «أحمد عبدالوارث» فى ذكراه

رغم إجماع مُحبيه وعشاقه على طلته المبهجة، فإنهم لم يختلفوا كذلك على موهبته الفائقة وقدرته المتميزة على تجسيد المُثل والمبادئ والقيم المجتمعية الرصينة، وحرصه الدائم على إرسائها فى كل أعماله.



هى مبادئ لا بد أن تروى فى ذكرى وفاته.

وعند سماع زوجته وابنته وهما تتحدثان عنه وعن ذكرياتهما معه لا تستطيع حبس دموع عينيك من شدة ارتباطهما وفخرهما به.

إنه الفنان الراحل أحمد عبد الوارث الذى تحل ذكراه هذا الشهر، الذكرى الخامسة لوفاته فى 15 أكتوبر، أو الميلاد الذى يوافق الثامن عشر من الشهر ذاته.

 

 

 

اللقاء الأول

فى حديثها لـ«صباح الخير» تستعيد السيدة سوسن العطار تفاصيل لقائها الأول بزوجها الراحل أحمد عبد الوارث، قائلة: «قصتى مع أحمد كانت طويلة، فاللقاء الأول لنا كان فى عمّان أثناء تصويره مسلسل (آن الأوان) لجامعة الدول العربية الذى تناول القضية الفلسطينية، وكنت ذاهبة لحضور حفل زفاف بالفندق الذى يُقيم فيه، وشاء القدر أن يرانى وطلب رؤيتى مرة أخرى بحجة أن الفنانة سناء جميل رحمة الله عليها تريد رؤيتي».

تابعت: «استمر هذا الوضع ثلاثة أشهر وهى الفترة التى مكث بها فى الأردن، والتقينا مرات عديدة ثم سافر إلى مصر بعد الانتهاء من عمله. واستمرت علاقتى به لمدة عام كامل من خلال المكالمات التليفونية والخطابات الغرامية.. كان يكتب لى جوابات غرامية لمست قلبى وأحتفظ بها حتى الآن، وتزوجنا فى مارس 1991».

وأشارت إلى أنه كان كثير العطاء، وحبه لها فاق كل الصعوبات والمُشكلات التى تعرضا لها، مما جعلها لا تشعر بصعوبة أو غُربة خلال سنوات زواجها، قائلة: «أنا وأحمد كنا أصحاب قبل أن نكون زوجين، وهو ما جعل العلاقة تستمر بيننا على مدار 27 عاما حتى وفاته».

توضح سوسن العطار أن الحياة بينهما كانت قائمة على المُشاركة والتشاور فكان يستشيرها فى جميع أموره، خاصة الفنية، فكانت تقرأ سيناريوهات أعماله، وتُحضر معه ملابس الشخصيات التى يُقدمها. كما كانت لا تُفارقه إلا للضرورة القصوى، فكان يأخذها معه فى لقاءاته التليفزيونية، وعند سفره خارج البلاد للتصوير أو لحضور فاعليات فنية.

وأوضحت أنه كان يجلس فى مكتبه كثيرًا للمذاكرة والتحضير للأدوار، لكن لم يصل الأمر لعزله عنها أوعن بناته (آلاء وميران)، فعمله الفنى لم يؤثر على دوره كزوج وأب، لأنه كان مُحباً لعائلته كثيرًا، ويُحب الخروج والسفر بصحبتها.

وبسؤالها حول أسباب قلة ظهوره فنيًا، أوضحت العطّار أن الفنان الراحل كان يضع جمهوره فى أولويات حساباته، لذلك كان معيار اختياره الأول هو الجمهور، فيرفض تجسيد أى دور يؤذى مشاعرهم أو يزعجهم أو يمس أخلاق البيوت، كما أنه كان يرفض التنازلات مهما كانت الأسباب، ولا يحب التواجد من أجل الأموال فقط، فكان من الضرورى أن يكون تواجده له قيمة وإضافة.

وواصلت: «بكل تأكيد رفضه هذا كان يُسبب لنا عثرات مادية، ولكنه كان يفضل أن نتأثر ماديًا لفترة محددة بدلا من تواجده لأجل الأموال فى عمل غير راض عنه، ولا يشعُر به ولا يحبه ولا يتحمس للمشاركة فيه». مُخرجه المُفضّل

 

 

 

أكدت أرملة الفنان أحمد عبد الوارث أنه حقق نجاحات كبيرة مع مُخرجين كبار مثل يحيى العلمى ورائد لبيب، إلا أنه كان يحب العمل مع المخرج إبراهيم الشقنقيري، فهو صاحب علامات فريدة فى تاريخه الفنى مثل «وعاد النهار»، ففى توقيت عرض هذا المسلسل كانت الجماهير لا تنزل إلى الشوارع إطلاقا بسبب «هاشم ويُسرية»، لذلك كان مميزًا للغاية بالنسبة له.

وتحدثت سوسن العطار عن هوايات الفنان الراحل بجانب التمثيل، قائلة: «أحمد كان محبًا للقراءة بشكل كبير فكان يقرأ كثيرًا، ومن كُتّابه المفضلين الكاتب الراحل إحسان عبد القدوس، فكان لديه مكتبة كبيرة وكان يقرأ فى كل شيء وليس فى الفن فقط، كما كان مهموماً ومُهتماً بالوطن، ويُحب السباحة والسفر وسماع الموسيقى».

وتطرقت «العطار» فى حوارها لتفاصيل فترة مرضه، مشيرة إلى أنه لم يجلس فترة طويلة فى المُستشفى، فقد عانى من مرض فى صدره لعدة أشهر، والألم اشتد عليه فى الأيام الأخيرة فى حياته، ولكن قبل ذلك كان مُتعايشا مع ألمه ومرضه، قائلة: «وكأن الله استجاب لدعوته الدائمة فكان يقول (يارب لما أموت أموت وأنا واقف وبالفعل لم يعان كثيراً فى مرضه)».

وتابعت: «لم أتوقع وفاته بل كانت مفاجئة لي، فقد دخل فى غيبوبة يوم واحد وأفاق منها فى اليوم الثاني، وتوقعت أنه شُفى لأنه كان بصحة جيدة هذا اليوم، ولكنه أفاق ليودعنا وتوفى فى اليوم الثالث، لذلك لم يترك وصيته، فقد توفى فجأة، ولكنه كان مطمئناً على بناته، فقد أنهين دراستهن فى حياته».

أشادت سوسن العطار بدعم نجوم ونجمات الوسط الفني، قائلة: «لم نر قلة الأصل من الوسط الفني، فجميعهم راعوا العشرة والعيش والملح، والدكتور أشرف زكى كان داعماً لنا فى فترة مرض أحمد. كما أن الفنانة سُهير المُرشدى والفنانين رياض الخولى وأحمد ماهر وسامى مغاورى ما زالوا على تواصل معنا حتى هذه اللحظة، والراحل أحمد راتب والمُخرج رائد لبيب كانوا حريصين على الدعم والتواصل الدائم».

 

 

 

فى نفس السياق، أكدت أن مرضه لم يحرمه من العمل على الإطلاق، فآخر أعماله التى قدمها كان العرض المسرحى «شباب فى عيون الرسول»، وكانت تُعرض فى فترة مرضه، إذ عُرضت على مسرح «البالون» ثم ذهبوا لعرضها على أحد المسارح بالإسكندرية.

وبسؤالها عن علاقة الفنان الراحل بأولاده من الفنانة الراحلة سُعاد نصر «طارق وفيروز»، قالت إن العلاقة بينهم كانت أكثر من جيدة، فلم يتركهما على الإطلاق، وبالأخص طارق، فقد جلس معهما 4 سنوات منذ أن كان بالمرحلة الإعدادية إلى أن انتهى من الثانوية، بينما فيروز كانت مع والدتها وكان عمرها 4 سنوات، وكان يراها دائمًا. وفى فترة مرضه لم يتركاه وكانا معه، وعلاقة بناتى آلاء وميران بـ فيروز وطارق علاقة أشقاء من أم واحدة، ولا يفرقهم شىء.

وتصف الابنة الصغرى والفنانة الشابة ميران عبد الوارث والدها الراحل بـ «الأب المثالي»، قائلة: «أبى بالنسبة لى كان مثاليًا فى كل شيء، فعلاقتى به كان بها حزم ولكن معها حنان واحتواء وتوجيه واستيعاب للمرحلة العُمرية التى أعيشها، فقد سمح لى بمصارحته بمشاعرى تجاه شخص وأننى أحبه وأريد الارتباط به، فكان مستوعبا لمراهقتى بشكل كبير».

وأضافت ميران: «وكان مُثقفاً للغاية، ففى كُل مرة أجلس معه فيها كنت أتعلم منه شيئًا جديدًا، وعندما كبرت أصبحت لدى حكمة بسبب نظرة والدى الفلسفية للحياة، كما أنه كان يحرص على قربه من الله سبحانه وتعالى مما جعل منزلنا تسوده الراحة والبركة والسلام والأمان، فوالدى كان حازماً فى أداء الفروض الخمسة، ويُصر على أن يصطحبنا معه إلى المسجد لنُصلى الفرائض، ولا يقبل ولا يسمح أن نترك فرضًا، فأصبحنا نُحافظ على ذلك حتى الآن».

وعن نصيحة والدها الدائمة لها، أشارت إلى أنه كان دائمًا ينصحها بالتوكل على الله لأنه صانع كل شيء وبيده كل الأقدار.

 

 

 

مضيفة: «كان يقول عليكِ بالسعى دائما ولا تحسبى الأمور بحسابك، لأننا لا نستوعب قدرته سبحانه وتعالى، فأصبح لدى إيمان بأن أى شيء يحدث عكس رغبتى فهو خير. لذلك فموت والدى أحيانى على الرغم من أنه أصعب موقف تعرضت له فى حياتي، واعتقدت أننى لن أتألم على شىء مثلما تألمت على فراقه، فالله سبحانه وتعالى يُرسل العوض أضعاف الألم الذى نتعرض له، فطريقتى ونظرتى للحياة تغيرت بعد وفاة والدى».

وتابعت: «فقدان والدى كان من أكثر مخاوفى فى الحياة، وكنت أشعر دائما بأنه سيموت قريبا وحلمت 3 مرات بوفاته؛ الأولى حين كان عمرى 7 سنوات، والثانية وعمرى 14 عاما، والثالثة كان عمرى 22 عامًا قبل وفاته بيوم واحد».

 

 

 

واختتمت ميران أحمد عبد الوارث حديثها قائلة: «إن الله سبحانه وتعالى كان يستخدم والدى فى كسب الخير، وأعتقد أن ذلك معناه أن والدى يُحبه الله كثيرًا، فهو يستخدمه كأداة تهون على الجمهور تجاربهم القاسية.

وأتمنى أن أستكمل مسيرته بنفس النهج، وأن يكون لدىّ رسالة حتى أترك أثراً طيباً مثله، وأنا ممتنة كثيراً لكونى ابنته فقد أشبعنى حُبًا ونضجًا وحكمة وأِشياء كثيرة، وأتمنى أن أحصل لأبى على حقه، فلم يأخذ حقه وحق موهبته الفنية».