تفسيـرات علميـة للعنف بدعـوى الحب والغـرام
الحرمان العاطفى «سيندروم»؟

رضا رفعت
الحرمان العاطفى هى متلازمة نفسية ناتجة عن غياب أو نقصان الحب وهى مأساة نفسية فى مرحلة الطفولة، تدمر شخصية الطفل وتعيق نموه فى حالة مرضية قد تستمر طوال الحياة، وتؤدى إلى مختلف الاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية.
وقالت دراسة بجامعة جنيف إن الظروف السيئة فى فترة الطفولة، تؤثر على صحة البالغ خصوصًا النساء سلبيًا حتى لو تحسنت المشاعر فى وقت لاحق من الحياة.
وأكدت دراسة بجامعة الزقازيق أجريت على السجينات أكدت أن نسبة كبيرة لا يقصدن من الفعل الإجرامى منافع مادية، بينما يبحثن عن مشاعر الحب والحنان.
وقالت الدراسة إن مشكلة الحرمان العاطفى الأسرى ترتبط بشكل مباشر بثقافة الوالدين والأشقاء والأزواج ومؤثر بقوة على ميل المرأة لممارسة سلوكيات عنيفة.
وقالت دراسة أخرى لباحثين فى جامعة العربى بن مهيدى بالجزائر، إن للحرمان العاطفى تأثيرًا غير مباشر ينعكس فى ظهور السمنة بسبب المشاكل العائلية والانفصال والطلاق، واللجوء إلى التهام كميات كبيرة من الطعام لتعويض الشعور بالأمن والحاجة إلى الحب.

ناقوس خطر
الدكتور محمد رضا الفقى، أستاذ الطب النفسى بالأكاديمية الطبية العسكرية قال: إن إهمال الأبوين لطفلهما وإغفالهما أهمية التعبير عن مشاعر الحب والحنان يؤدى بالطفل إلى الانعزال وفقدان الشغف بالتواصل مع من حوله، فيتحول إلى عدوانى متمرد فاقد للإحساس بالانتماء للأسرة.
يضيف: الحرمان العاطفى يولد شعورًا بالخوف يسيطر على تفكير الطفل ويتفاقم بمرور الزمن، وتصبح مشاعر الخوف سلوكًا عدوانيًا، ويؤدى إلى صعوبات فى التعلم بسبب غياب الحافز.
وأضاف الفقى: يترتب على المشاعر بالحرمان العاطفى بين الأزواج فجوة تزداد بإهمال الطرفين لمشاعر الاحتواء وإغفالهما لأهمية التواصل الحسى.
ومع تكرار تصرفات الزوجة التى تثير غضب الزوج قد يشعر بتراجع ثقته بنفسه وبرجولته، وبأنه خارج اهتماماتها وأولوياتها، مما يتسبب فى فتور العلاقة بينهما، وشعور الزوجة بإهمال زوجها لم يجعلها تفقد الرغبة فى التواصل وربما سماع صوته أو السؤال عن أحواله، لتصبح حياتهما روتينية.

ويلفت الفقى النظر إلى أن الغالب ألا يكون الرجل الشاعر بالحرمان العاطفى منفتحًا ومتحدثًا بصدق عن ماضيه، ويبدو وكأنه كتاب مغلق، ويستبدل التحدث العفوى الجاد بالهزلى الذى يعتليه السخرية حتى يحتفظ بمظهره الرجولى القوى.
أضرار مستمرة
الحرمان العاطفى بالنسبة للأطفال حسب الدكتورة إيمان عبدالله أستاذ علم النفس وخبيرة الإرشاد الأسرى، غالبًا ما يؤثر على تكوين الشخصية والنمو الجسدى.
وتضيف: لاحظنا أنه كثيرًا ما يؤثر الحرمان العاطفى على طول الطفل الذى يقل طوله 10 % مقارنة بأصدقائه، وقد يعانى مشاكل فى الإدراك وتطور القدرات الذهنية، وقد يؤدى إلى ظهور العديد من العقد والمشاكل النفسية تختلف حدتها، وفقًا لنسبة الحرمان للطفل فى صغره.
تقول: يعانى الطفل من الوحدة والمرارة والاكتئاب والحزن وفى مرحلة البلوغ لا يستطيع أن يعبر عن مشاعره وبعدها لا ينتظر الشعور بالحب والمودة من الآخرين، فبالنسبة له كل هذه المعانى لا شىء.

وكثيرًا ما يشعر بالضعف إذا احتاج لشخص ما، لذلك فكثير من المحرومين عاطفيًا يتحولون إلى شخصيات عدوانية تكره المجتمع، وتعتبر الناس جميعهم أعداء.
وأضافت «عبدالله»: اعتياد الحرمان العاطفى فى الطفولة يغير الشخصية، ويضفى عليها قدرًا من التبلّد، والآباء والأمهات الذين عانوا منه فى طفولتهم غالبًا ما يشعرون بضعف الصلة مع أطفالهم، ما قد يدفعهم -عفويًا وبلا وعي- للاعتقاد بأن احتياجات أطفالهم العاطفية للاهتمام والدعم والحب مبالغ فيها، أو مرهقة، أو غير مستحقة.
وقد يرون أطفالهم مدللين ومتطلبين، ويشعرون بالحاجة لتعويض ذلك بالمنّ، فيعتادون على تذكيرهم بطفولتهم البائسة، ويشعرونهم بالذنب لأنهم يحظون بطفولة أفضل.
تقول: الأب مثلًا يذكر أطفاله وزوجته يوميًا بأنه يعانى فى عمله لأجلهم، والأم تمنّ على أطفالها برعايتهم، والحديث المستمر عن التضحية والتعب والشقاء، وكأن الأطفال هم من قرروا إنجاب الآباء والأمهات لا العكس.
وأكملت: تلعب الطفولة دورًا أساسيًا فى تنشئة الإنسان نشأة سليمة، فالرعاية والحب والحنان عوامل تغرس فى نفس الطفل شعورًا بالطمأنينة والسلام النفسي، وتخلق منه رجلًا مسئولًا وعطوفًا ومحبًا فى المستقبل، وعلاج علامات الحرمان العاطفى لدى الأطفال والكبار يعتمد فى الأساس على التعبير عن مشاعر الحب والتقدير بشتى الطرق الممكنة. تضيف: التعبير عن الحب بالاحتضان والتقبيل يوطد العلاقة، ومشاركة من نحب فى بعض الأنشطة تلعب دورًا مهمًا فى اتزان العلاقة.
أما عن ممارسة الأنشطة اليومية والهوايات مع أطفالنا فهى تُساعد فى سد الاحتياجات النفسية والتخلص من الآثار السلبية، وقضاء وقت مع الأصدقاء المقربين والتعبير عن المشاعر لأصدقاء تثق فيهم يقلل من الشعور بالوحدة والفراغ.
الانتحار أو الانتقام
عن الآثار العنيفة للحرمان العاطفى قال الدكتور عاصم حجازى - أستاذ علم النفس التربوى المساعد بجامعة القاهرة: قد لا يجد الفرد فى محيطه من الأسرة أو الأصدقاء أو الزملاء من يقدم الدعم والمساندة والمشاركة الوجدانية فتتزايد لديه المشاعر بالفراغ، وشيئًا فشيئًا يتطور الأمر إلى حالة من الاكتئاب الشديد التى قد تؤدى بدورها إلى الانتحار أو الإقدام على إيذاء الآخرين والانتقام منهم وهو ما يفسر كثيرًا من الجرائم التى ارتكبت الفترة الماضية بدعوى الحب.
يكمل: يؤدى فى الأطفال إلى كثير من السلوكيات غير المقبولة كالعناد والخجل أو الجنوح والإتيان بالأفعال الغريبة والانخراط فى جماعات العنف أو تجمعات الأصدقاء الخارجين عن قواعد وقيم المجتمع والملابس وقصات الشعر اللافتة للنظر، بحثًا عن الاهتمام والتواصل خارج نطاق الأسرة.
وأكمل حجازى: تقديم الدعم العاطفى للأطفال فى الانتباه وتقدير مشاعره منحها عناية خاصة لكن دون مبالغة مع عدم التهوين من حزنه، وإتاحة الفرصة الكاملة له للتعبير عن مشاعره ورغباته بحرية، وعدم تسفيه رأيه أمام الآخرين.
كل هذه العوامل تسهم فى تكوين شخصية سوية تتمتع بقدر كبير من الثقة بالنفس وتقدير الذات ومنحه المهارات الاجتماعية والاندماج الفعّال مع المجتمع.