الجمعة 3 فبراير 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
علــى اســـم مصـــر!

علــى اســـم مصـــر!

على كثرة ما مرت به مصر من تغيرات اجتماعية وثقافية أظن أن هذه الحقبة التى نعيشها هى الأكثر تشوشًا وخلطًا للمفاهيم، على مر العصور.



 كانت مصر رغم اختلاف طبقاتها الاجتماعية وعقائد أهلها، وأصولهم الموزعة ما بين القاهرة والدلتا والصعيد، مجتمعًا متجانسًا، له ثوابت لا اختلاف عليها تقريبًا، ويتمتعون بمنظومة أخلاقية متقاربة فى قيمها وأولوياتها والمعروف بينهم باسم «الأصول». 

أما اليوم فهناك نوع من عدم التجانس والاختلاف والخلاف الذى تبدو معه تلك القيم أو الأصول قد باتت بين آخر أولويات المصريين مقابل التشتت ما بين الولاء لمجموعات مختلفة، بينها تلك التى سلّمت عقولها لقيم نشرها السلف والإخوان على مدى عقود، عمادها التمييز على أساس العقيدة، ثم ظهرت مجموعة من جيل ما بعد 2011 ينادى بالفوضوية ويؤمن بالأناركية وهدم الدولة باعتبارها وسيلة التغيير التى يتصورها لأحلامه عن الحرية والحريات، بالإضافة طبعًا للاستقطاب الذى حدث بين هذه المجموعات وبين الجمهور المؤيد للدولة المصرية فى حربها مع الإرهاب وبالدور الذى تقوم به منذ الإطاحة بفصيل الإخوان وكشف المؤامرة التى تعرضت لها الدولة المصرية خلال الأحداث التى سبقت أو مهدت لوصول الإخوان للحكم.

ثم ظهرت فى الفترة الأخيرة فئة ترفض العروبة والانتماء المصرى للعالم العربى وتنادى بالعودة لاسم مصر التاريخى القديم «كيميت»، وتزعم أن العروبة هى عملية امتثال لاحتلال العرب لمصر، وأن عبد الناصر هو الذى أسبغ سمة العروبة على مصر. وترفض وجود الجاليات العربية فى مصر.

وبغض النظر عن تفاصيل أسباب نشوء كل فئة من هذه الفئات، فالثابت هنا أن التغيرات الاجتماعية التى فرضتها أحداث 25 يناير وما تلاها مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، واتساع المصادر أمام الشباب، خلقت نوعًا من الفوضى الفكرية وصدعت القيم المصرية المتفق عليها.

المشكلة أن كافة هذه المتغيرات والاختلافات تتم على أرضية ما يشبه المماحكة والصراع على وسائل التواصل الاجتماعي، وبطريقة لا تخلو غالبًا من العنف، وتعانى كلها من انعدام اللياقة وانعدام التحلى بثقافة الحوار أو احترام الآخر، الأمر الذى أظنه فى تقديرى يهدد السلم الاجتماعى بشكل أو بآخر. 

كما أننا فى الوقت نفسه لم نسمع عن دراسة اجتماعية جديدة صدرت خلال العقد الأخير تقدم رصدًا لهذه الظواهر أو بحثًا لأسباب هذه التغيرات، لكى يتم العمل عليها من خلال الجهات الثقافية والتعليمية مثلًا، بالإضافة لعدم وجود تقديرات إحصائية لمدى فعالية هذه الأفكار فى الواقع، وتقدير مدى كونها مجرد فقاعات لا وجود لها إلا فى المحيط الافتراضى على شبكة الإنترنت، أم مدى تمثيلها الحقيقى فى الواقع. 

المدهش أنه، باستثناء فصيل الإخوان الذى لا يؤمن بالوطن، سنجد أن كافة الفئات الأخرى ترى ما تراه باعتباره اليقين الوطني، والصالح العام لاسم مصر. فكيف يمكن أن يدور حوار حقيقى بين هذه الفئات على أرضية احترام الآخر واحترام الاختلاف ومقارعة الحجة بالحجة؟

هذا هو السؤال المصيرى الذى يجب أن نجد له حلولًا وإجابة، فالاختلاف مشروع لكن كيف نتعلم أن نختلف ونحترم من نختلف معه، وأن يضع الجميع أولويات القيم المصرية والولاء للوطن بين أولوياته الأولى خصوصًا حين يكون الاختلاف على اسم مصر؟