الجمعة 3 فبراير 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الشرير اللطيف.. ابن البارون

فى مثل هذه الأيام، قبل 131 سنة ولد ابن البارون النمساوى الشرير اللطيف ابن البلد المصرى «استيفان روستى» فى إيطاليا.



قصة استيفان روستى كما حياته، طويلة عريضة، خليط بين الفن والألم والدهشة والمرح والمأساة.

بدأت القصة عندما تعرف والده على والدته فى روما، وعاشا فى فيينا.. حيث نشأ استيفان، إلى أن هبطت الأم مصر بابنها بعد خلاف مع أهل زوجها «البارون».

وبدأت التفاصيل فى مصر.

تزوج من الإيطالية مارينا وعاش بالقاهرة حتى وفاته
تزوج من الإيطالية مارينا وعاش بالقاهرة حتى وفاته

 

 

عاش استيفان فى شبرا، وتخرج فى مدرسة الخديوية، وتردد على أوروبا عدة مرات، ومارس الكثير من المهن.

وهناك قابل المخرج محمد كريم الذى دفعه للعودة إلى مصر، لينضم إلى فرقة عزيز عيد، ثم فرقة نجيب الريحانى، مع الريحانى شارك فى أوبريت العشرة الطيبة، ثم شارك مع عزيزة أمير فى إخراج فيلم «ليلى»، بعد أن اختلت مع المخرج التركى وداد عرفى.

تنوعت أعمال استيفان فى السينما، فكتب القصة والسيناريو والإخراج، بجانب التمثيل.

كتب أفلام «عنتر أفندى»، «أحلاهم»، «قطار الليل» بالمشاركة مع آخرين.

أهم أفلامه كمخرج «الورشة»، «جمال ودلال».

تميز استيفان بأدائه ولم يتمكن من تقليده أحد، وبرز فى أدوار الشر.

عام 1936 تزوج من الإيطالية مارينا، وعاش فى القاهرة حتى وفاته 1964 عن 73 عاما.

أول قدومه مع والدته بدأ حياته فى الإسكندرية، تلميذا بمدرسة رأس التين الثانوية حذره المدرس من الاستمرار فى التمثيل الذى كان قد ظهرت بوادره عليه، إلا أنه رفض بدعوى أنه لا يستطيع البعد وانتهى الأمر بفصله من المدرسة فتقدم لمصلحة البريد ليعمل «بوسطجى» واستلم عمله.

 

أشتهر بمواقف طريفة عديدة فى حياته
أشتهر بمواقف طريفة عديدة فى حياته

 

بدأ «بوسطجيًا»، لكن قبل ثمانية أيام على تعيينه جاء إلى مصلحة البريد تقرير من مدرسة رأس التين الثانوية بأن استيفان يعمل ممثلا، كانت النظرة للتمثيل سيئة أو من الأمور المعيبة.

فما كان من مصلحة البريد إلا أن طردته، وعندما وجد استيفان نفسه بلا عمل وما يحصل عليه من التمثيل لا يكفيه للإنفاق على والدته قرر السفر لإيطاليا بحثا عن عمل.

فى روما التقى مصادفة بعزيز عيد الذى أعجب به لطلاقته فى الفرنسية والإيطالية إلا أن استيفان قرر فجأة السفر للنمسا بحثا عن والده ثم إلى فرنسا وألمانيا، وهناك عمل راقصا فى الملاهى الليلية وبالمصادفة التقى بمحمد كريم الذى كان يدرس الإخراج السينمائى هناك، كما تعرف على سراج منير الذى هجر الطب ليتفرغ لدراسة الفن وقرر استيفان أن يلتحق بنفس المعهد ليدرس التمثيل.

مرت الأيام وتشابكت الظروف وعاد استيفان للقاهرة، وتعرفت عليه المنتجة عزيزة أمير التى انبهرت بثقافته السينمائية وأسندت إليه مهمة إخراج فيلم «ليلى».

فرصته الحقيقية مع عزيزة أمير كانت بإخراج فيلم «يد الله».

ومن طرائف روستى فى المدرسة موقف جمع بينه وبين سعد زغلول وزير المعارف وقتها، وحكى عنه استيفان وقال: منعوا عنى الغذاء وفق عقوبة «عيش حاف» وعملت حسابى أنى هجوع بقية الحصص، فأرسلت الفراش ليشترى علبة سردين، وأكلتها ووضعت العلبة الفاضية تحت التختة».

 

أشهر من أجادوا دور اليهودى
أشهر من أجادوا دور اليهودى

 

وتابع: يومها صادف قدوم سعد باشا زغلول وزير المعارف، فى زيارة مفاجئة، ومعه مفتش المعارف، ودخل الفصل، فضل يقرب يقرب، وأنا كنت آخر تختة، لغاية ما جه عندى وطلع علبة السردين، وسألنى عنها فرددت أنها تخصنى وقد أكلتها من جوعى».

فسأل المفتش استيفان عن الحصة التى أكل فيها السردين، فأجاب استيفان أنه أكل السردين فى حصة اللغة الإنجليزية لأنه لم يكن يحب مدرس الإنجليزى، ورغم أنه كان واكل السردين فى حصة الرسم!

نقل مدرس اللغة الإنجليزية بعد الواقعة إلى الصعيد، وظل استيفان نادما على ما فعله وقال فى لقاء تليفزيونى بعدها بسنوات: «لو كان سامعنى يسامحنى»! حياة استيفان مليئة بالأحداث، منها الطريف، ومنها الغريب!

 

ظل فخورا ومعتزا بمصريته طوال حياته
ظل فخورا ومعتزا بمصريته طوال حياته

 

فى بداية مشواره وقع فى حب راقصة نمساوية تعمل فى مصر، أحبها لدرجة الوله، لكنها قررت أن تعود للنمسا فجأة، لم يستطع العيش بدونها فقرر أن يجمع الأموال من كل من عرفهم للسفر وراءها، ولما وصل النمسا وجدها فى أحضان والده!

كانت تحب والده دون أن تعلم ودون أن يعلم هو!

ظل استيفان بعدها مضربا عن الزواج حتى قابل إيطالية تدعى «مارينا» وقع فى حبها، وتزوجها وأنجب منها توأما وهو فى السادسة والأربعين من عمره، لكن توفى التوأمان فى ظروف غريبة.. فالأول توفى بعد ولادته بأسابيع، وتوفى الثانى وعمره ثلاث سنوات، وتعرضت زوجته لحالات انهيار متكررة ولعدة سنوات وكان ينقلها من مصحة إلى أخرى دون أن يمل.

احتراف استيفان السينما كان بعد نصيحة من المخرج محمد كريم رغم نجاح استيفان أولا كمخرج.

عام 1935 قرر التفرغ للتمثيل، وحقق «الشرير الظريف» انتشاره الفنى فى الأربعينيات، حيث قدم تلك الفترة وحدها أكثر من 100 فيلم، وكانت المحطة المهمة تعاونه مع كمال سليم «رائد الواقعية» فى فيلم «المظاهر» 1945، قبل مشاركته فى سلسلة أفلام: ليلى مراد وأنور وجدى .

خلال رحلته كلها وصل عدد أفلامه بين إخراج وتمثيل حوالى 380 فيلما، قبل أن تجىء واقعة رحيله كمشهد فى أحد الأفلام.

انطلقت شائعة وفاته بينما كان يزور أحد أقاربه فى الإسكندرية، وأقامت نقابة الممثلين حفل تأبين لأنها صدقت الشائعة، وفى منتصف التأبين دخل استيفان مقر النقابة ليسود الذعر بين الحاضرين، لكن مارى منيب ونجوى سالم وسعاد حسين بدأن إطلاق الزغاريد فرحا بأنه على قيد الحياة!

ولكن بعد أسابيع قليلة توفى استيفان بالفعل، بعد آخر أفلامه «حكاية نص الليل» مع عماد حمدى وزيزى البدراوى.

استيفان روستى أشهر من أجاد دور اليهودى، وبدأت ملامح شخصية الشرير تبدو للمخرجين بعدما شارك فى فيلم «ليلة ممطرة»، إخراج توجو مزراحى، ولعب استيفان دور زعيم عصابة يبتز ليلى مراد.

 

اأنبهرت عزيزة أمير بثقافته السينمائية
اأنبهرت عزيزة أمير بثقافته السينمائية

 

مرت السنون، وظل استيفان ورغم كبر سنه يستمر فى عمله ويؤدى مختلف الأدوار حتى تجاوز السبعين، أغلب أدواره مرحة وبدا دائما بصحة جيدة، وكان هذا صحيحا لم يكن يشكو من أى أمراض، ويقال إنه اشتهر بوصفاته الشعبية وضمن طقوسه اليومية المشى لأنه كان يرى فيه حلا لجميع المشكلات.  عاش استيفان روستى بلا تكلف، فهو مثلا قال فى حوار قديم سابق: أنا مصرى ولست أجنبيا، ولدت فى قلب مصر وعشت طفولتى فى حى الرمل بالإسكندرية، وعندما ذهبت إلى إيطاليا أخذت بعض التين الشوكى وزرعتها فى حديقة تخص عائلة والدتى، ثم عملت فى فترة من شبابى كبائع للتين الشوكى هناك»!

يومه الأخير فى الحياة، كان على أحد المقاهى يلعب الطاولة بعد العرض الأول لفيلمه «آخر شقاوة» وأثناء جلوسه شعر بآلام مفاجئة فى صدره، وعلى الفور نقلوه للمستشفى اليونانى، ووجد الأطباء انسدادا فى شرايين القلب، وما هى إلا ساعة حتى فارق روستى الحياة، بعدما نقلوه لبيته فى شارع «شيكولانى» بحى شبرا.

ظل يمارس أدواره الفنية حتى جاوز الـ 70
ظل يمارس أدواره الفنية حتى جاوز الـ 70

 

 

لم يكن فى بيته سوى 7 جنيهات وشيك بـ150 جنيها، الدفعة الأخيرة من فيلمه «حكاية نص الليل»!

أما زوجته فقد أصيبت بالجنون بعد أسبوع من رحيله، وتحملت نقابة الممثلين نفقات سفرها لعائلتها بـ«نابولى»، فلم يعد هناك من يرعاها بعد رحيل زوجها.. وموت أبنائها.