الخميس 30 مارس 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أعجــــــوبـة

كالبغل، كمساعد مصارع الثيران، هكذا رأيته فى أول يوم أحد لنا. بحمالات سرواله المخيطة من القطيفة تتخللها خطوط غرزات كلفة ذهبية مُدككة، وخواتمه ذات الأحجار الملونة فى جميع أصابعه، وسلسلة شخاليل صغيرة. يقف منتصبًا فوق طاولة صغيرة فى مرفأ سانتا ماريا ديل دارين، بين عقاقير وقوارير أدوية وأحقاق أعشاب طبية, من المؤكد أنه يعدها هو نفسه ويبيعها بصوت مجلجل ونداء مشروخ مجروح فى قرى الكاريبى.



هل كان يحاول آنذاك أن يبيع أيًا من ذلك الهراء الهندي؟ لا؛ وإنما كان يطلب أن يأتوه بأفعى حقيقية كى يثبت بقلب جامد وعين قوية فاعلية ترياق من اختراعه، العلاج النافع الناجع الوحيد الأكيد. اسمعوا وعوا يا سادة يا كرام، دواء ضد لدغ  الحيات والعقارب وأم قويق، وكل أنواع الزواحف السامة. ويبدو أن أحدهم قد تأثر جدًا بحماسه المبالغ فيه وحصل، دون أن يفهم أحد من أين، على أفعى موبانا من أخبث الأنواع، من تلك التى يشل سُمَّها عضلات الجهاز التنفسى،وقدمها إليه فى برطمان من زجاج، فنزع هو غطاءه برغبة شديدة ظننا جميعنا معها أنه سيأكلها مثلا. وما إن شعر الحيوان الخبيث بأنه صار حُرَّا طليقًا حتى قفز خارج الإناء ووجه إليه لدغة فى رقبته تركته هناك بالذات راقدًا فاقدًا الأنفاس وعاجزًا عن مواصلة أناشيد الدعايا الزاعقة، ولم يكد يتسع له الوقت لأكثر من تناول الترياق عندما تهاوى مستوصف قوارير الترهات مبعثرًا على الحشد، وراح هو نفسه يتلوَّى على الأرض بجسده الضخم المتهالك كما لو أنه بالون فرغ منه الهواء، ولكن دون أن يتوقف عن الضحك بكامل أسنانه الذهبية،

كان الصخب هائلًا، حتى إن مدرعة من الشمال كانت ترسو فى المرفأ منذ حوالى عشرين عامًا، فى زيارة نوايا حسنة كالعادة، أخطرت الحجر الصحى رسميًا كى لا يتسلل إليها سم الأفعى، والناس الذين كانوا يباركون سعفهم فى أحد الشعانين خرجوا من الكنيسة بتكوينات جمالية ساذجة من السعف المبارك، لأن أحدًا لم يكن يرغب فى أن يضيع على نفسه استعراض الرجل المسموم الذى بدأ ينتفخ بهواء الموت، وصار أسمن مرتين مما كان عليه، يقذف الزبد الأسود وعصارته المرارية من فمه ويلهث من كل مسامات بدنه، لكنه يواصل الضحك بحيوية شديدة تجعل ضفيرة الشخاليل الصغيرة ترن على امتداد جسمه كله.

تسبب الانتفاخ والورم فى تقطع أربطة حمالاته المخملية وخياطة ملابسه الذهبية، وانتفخت أصابعه كأنها الممبار من ضغط خواتمه، وصار بلون جثة غزال فى ماء مملح، وهكذا صار بإمكان كل من رأى شخصًا لدغته أفعى أن يعرف أنه يتعفن قبل أن يموت، وأنه سيتفتت إلى حدّ يضطرون معه إلى رفعه بجاروف لوضعه فى كيس، لكنهم فكروا كذلك فى أنه سيواصل الضحك حتى بعد تحوله إلى نشارة وفتات وعفن. كان الأمر عسير التصديق حتى إن مشاة البحرية صعدوا إلى أسوار المدرعة ليلتقطوا له صورًا ملونة بأحدث أجهزة التصوير الحديثة بعيدة المدى، بيد أن النساء اللواتى خرجن من القداس أحبطن نواياهم، إذ غطَّين المحتضر بلحاف، ووضعن فوقه أغصان السعف المباركة.

كان الجميع قد اعتبروه ميتًا؛ عندما أزاح السعف بحركة مفاجئة من ذراعه، وكان لا يزال نصف ذاهل ومتعافيًا تمامًا من لحظة الاحتضار التى مرّت به، لكنه أعاد نصب المنضدة فى الحال دون مساعدة من مخلوق، وصعد فوقها ثانية مثل سرطان، وعاد يصرخ مرة أخرى مؤكدا أن ذلك الترياق هو بكل بساطة يد الخالق تمس قارورة، مثلما رأينا جميعًا بأعيننا، مع أنه لا يكلف سوى ملاليم، لأنه لم يخترعه للمتاجرة به، وإنما لنفع البشرية، ولنر من الذى سيقول إليّ بقارورة منه، أيها السيدات والسادة، ولستُ أرجو منكم إلا أن لا تتزاحموا عليّ، فلدى ما يكفى الجميع. ها، من يقول هات؟

   وقد تزاحموا بالفعل كما يرجو، وأحسنوا صنعًا بذلك، لأنه لم يكن هناك فى نهاية الأمر ما يكفى الجميع. بل إن أميرال المدرعة بذات نفسه اشترى قارورة منه، مقتنعًا بأنه مناسب أيضًا ضد الرصاص المسموم الذى يطلقه الفوضويون وأفراد الجماعات الإرهابية، ولم يكتف البحارة بأن يلتقطوا له، وهو فوق المنضدة، الصور الملونة التى لم يستطيعوا التقاطها له وهو ميت، بل جعلوه يوقّع لهم أوتوجرافات إلى أن لوى التشنج ذراعه فتخاذل. كان الوقت قد تجاوز المغيب، ولم يبق فى المرفأ إلا أكثرنا حيرة، عندما راح يبحث بعينيه عن شخص تبدو على وجهه ملامح البلاهة ليكون عونًا له فى حفظ القوارير. بالطبع قد ثبّت نظره عليّ أنا تحديدًا! كانت نظرته تلك كأنها نظرة القدر، ليس قدرى أنا فقط، وإنما قدره هو كذلك، فقد حدث ذلك منذ أكثر من قرن، وما زال كلانا يتذكر كما لو أنه جرى يوم الأحد الماضي. المسألة وما فيها أننا رحنا نعبئ صيدلية السيرك تلك فى صندوق ذى طيات بطانة أرجوانية تبدو أشبه بمدفن مخترع جليل، ولا بُد أنه رأى عند ذلك فى داخلى نورًا لم يُرَ فى من قبل، لأنه سألنى بتهجُّم وعدوانية شرسة: 

- «من أنت؟» 

فأجبت بأننى يتيم وحيد لأبٍ وأمٍ لم يمت أبوه بعد، فأطلق قهقهة أشد صخبًا من تشنجات السم وسألنى بعد ذلك:  - «ما الذى تفعله فى الحياة؟» 

فأجبته بأننى لا أفعل شيئًا سوى أننى أعيش لأن كل ما عدا ذلك لا يستحق أى عناء، وكان لا يزال يبكى من الضحك عندما سألنى عن العلم الذى أرغب فى معرفته أكثر من سواه فى هذا العالم، وكانت هذه هى المرة الوحيدة التى أجبته فيها بالحقيقة دون سخرية، بأننى أريد أن أكون عرَّافًا، فلم يعد عندئذ إلى الضحك، بل قال لى كمن يفكر بصوت عالٍ، بأن ما ينقصنى لبلوغ ذلك قليل، لأن لدى أصعب ما يجب تعلمه، وهو وجهى الذى ينم عن الغباء المطبق! وفى تلك الليلة بالذات حدَّث والدى، ومقابل قرشين ومجموعة أوراق تاروت للنبوءات الفاسدة، اشترانى وصرت عبده إلى الأبد.

   هكذا كان (بلاكامان)- الشرير، لأن الطيب هو أنا- قادرًا على إقناع فلكى بأن شهر مارس ليس إلا قطيع فيلة غير مرئى،ولكنه إذا ما تخلى الحظ عنه يتحول إلى حلوف قاس غليظ القلب. فى عز مجده كان يعمل محنطًا لجثث نواب الملك، ويقال إنه كان يضع على وجوههم أقنعة تضفى مظهر تسلط يواصلون بفضله الحكم لسنوات طويلة أفضل مما كانوا يحكمون وهم أحياء، ولا يجرؤ أحد على دفنهم ما لم يعد هو إلى إعادة هيئة الموت إليهم، لكن سمعته تضررت باختراع لعبة شطرنج بلا نهاية، أدت إلى إصابة كاهن بالجنون وإلى انتحار شخصيتين مشهورتين، وهكذا راح يتردى من مفسر أحلام إلى خبير أبراج فى حفلات أعياد الميلاد، ومن قالع أضراس بالتنويم المغناطيسى إلى مداوٍ فى الأسواق الشعبية، بحيث أن الجميع، فى الوقت الذى تعرفنا عليه، كانوا ينظرون إليه بتقزز ونفور وازدراء، بمن فى ذلك الحرافيش والهمج وقطاع الطريق. وكنا نمضى متنقلين على غير هدى بمنضدة الحيل، وكانت الحياة قلقًا أبديًا نحاول فيها بيع قطرات سرية تلقيها الزوجات المعمدات فى الحساء لبث مخافة الرب فى نفوس أزواجهن الهولنديين فلا يقربوا الزنى، وكل ما ترغبون أيها السيدات والسادة فى شرائه بكامل إرادتكم الحرة، لأن هذا ليس أمرًا وإنما هو نصيحة، ولأن السعادة فى نهاية المطاف ليست واجبًا كذلك. ومع ذلك، ورغم أنه يكاد يوصلنا إلى الموت ضحكًا بما يعن له من أفكار لوذعية، إلا أننا فى حقيقة الأمر كنا نحصل بمشقة على ما يقيم أودنا، وكان أمله الأخير معلقًا على ميولى كعرّاف. فكان يحشرنى فى صندوقه القبورى متنكرًا كساحر آسيوى، ومقيدًا بسلاسل ورسن وأصفاد لأحاول التنبؤ بما أستطيع، بينما هو يبقر بطن قواعد اللغة باحثًا عن أفضل طريقة لإقناع العالم بعلمه الجديد، وهنا لديكم، سيداتى وسادتى،هذا الطفل المعذب بحُباحِب حزقيال، وأنت يا من تقف هناك وتبدو على وجهك أمارات عدم التصديق، دعنا نرى إذا ما كنت تتجرأ على سؤاله متى ستموت، لكنى لم أتوصل قط إلى أن أحزر تاريخ اليوم الذى نحن فيه، وهكذا يأس منى كعرّاف، لأن نعاس الهضم يسبب اختلالًا فى غدة التنبؤ لديك، وبعد أن فكّ تشنج معدتى بضربة هراوة ليرمم حسن الطالع، قرر أن يأخذنى إلى أبى كى يسترد منه النقود لأننى عطلان وفاشل ولا أنفع فى شيء. 

ومع ذلك، فقد خطرت له فى ذلك الوقت فكرة إيجاد تطبيق عملى لكهرباء المعاناة، وشرع فى صنع آلة خياطة تعمل متصلة بالجزء الموجوع من الجسم بواسطة كؤوس حجامة. ولأننى كنت أقضى الليل فى الأنين من الضرب الذى يكيله لى لإبعاد النحس المُلازم وسوء الطالع، اضطر إلى استبقائى معه ليختبر عليّ اختراعه الجديد، وهكذا تأخرت عودتنا، واستعاد خلال ذلك مزاجه الرائق، إلى أن عملت الآلة على أحسن وجه، ليس فى الخياطة خيرًا من راهبة مستجدة وحسب، وإنما كانت تطرز فوق ذلك كأشكال الطير وأزهار من النوادر حسب موضع الألم وشدته. وكنا مستغرقين فى هذا الأمر، ومقتنعين بانتصارنا على الشؤم المُركَّب، عندما بلغنا نبأ أن قائد المدرعة أراد أن يكرر فى فيلادلفيا تجربة الترياق، فتحول إلى أميرال فى لمح البصر بحضور هيئة أركانه.

صام عن الضحك لوقت طويل كالدهر بدا. وكنا نهرب عبر الدروب المنحوتة فى الجبال، وكلما وجدنا نفسينا أكثر ضياعًا كانت تصلنا الأخبار بوضوح أشد عن أن مشاة البحرية قد غزوا البلاد بحجة استئصال داء الحمى الصفراء والكوليرا والدنج، وأنهم يقطعون رأس أى بائع ترهات جوال، يجدونه فى طريقهم، ولم يقتصروا على السكان الأصليين وحدهم على سبيل الاحتياط، وإنما قتلوا كذلك الصينيين على سبيل اللهو، والزنوج بحكم العادة، والهندوس لأنهم سحرة أفاع أوغاد، ثم عاثوا خرابًا بعد ذلك بمملكة الحيوان والنبات، وبكل ما استطاعوا الوصول إليه من البوابات النجمية، لأن اختصاصييهم فى شئوننا علموهم أن أهالى منطقة الكاريبى يتمتعون بالقدرة على تبديل طبيعتهم لتضليل الغرباء. 

لم أكن أفهم من أين جاءهم ذلك الغضب الهادر ولا سبب خوفنا الكبير، حتى وجدنا نفسينا فى مأمن وسط رياح خواخيرا الأبدية، وهناك فقط امتلكَ الشجاعة ليعترف لى بأن ترياقه لم يكن سوى عشبة راوند مع زيت مواتير العربات، ولكنه دفع قرشين لمتشرد كى يأتيه بأفعى الموبانا تلك التى بلا سمّ. أقمنا بين أطلال مقر بعثة تبشيرية من العهد الاستعمارى البائد، يراودنا الأمل بمرور المهربين، لأنهم رجال يمكن الوثوق بهم، والوحيدون القادرون على المجازفة بالتقدم تحت الشمس الزئبقية الرمادية فى قفار ملح البارود تلك. كنا نقتات فى أول الأمر على السمادل المدخنة بزهور الأنقاض، وكانت لا تزال لدينا روح للفكاهة ونحن نحاول أكل كوارعها المسلوقة، لكننا لم نعد نتورع فى النهاية عن أكل عناكب ماء الأحواض وطحالبها، وعندئذ فقط أدركنا مدى ضياعنا وافتقادنا العالم.

ولأننى لم أكن أعرف فى تلك الأثناء أية وسيلة للوقاية من الموت، فقد استلقيت بكل بساطة فى انتظاره حيث يكون الألم أقل، بينما كان صاحبى يهذى بذكرى امرأة شديدة الرقة إلى حدّ يمكن لها معه أن تنفذ من خلال الجدران بمجرد التنهد، لكن تلك الذكرى المختلقة كانت مجرد حيلة أبدعتها مخيلته لخداع الموت بحسرات الغرام. 

ومع ذلك، وفى اللحظة التى كان علينا أن نلفظ فيها أنفاسنا الأخيرة، اقترب منى وهو أكثر حيوية من أى وقت آخر، وظل طيلة الليل ساهرًا على احتضارى، وكان يفكر بزخم شديد إلى حدّ لم أتوصل معه حتى الآن إلى معرفة إذا ما كان الصفير الذى كنت أسمعه بين الأطلال هو صوت الريح أم أنها أفكاره. وقبل انبلاج الفجر قال لى بالصوت نفسه والتصميم نفسه اللذين كانا له فى زمن آخر إنه عرف الحقيقة الآن، وهى أننى أنا السبب فى انقلاب حظه وجلب العكوسات، ولهذا عليك أن تثبت سراويلك جيدًا لأنك مثلما قلبت حظى عليك أن تعيده سويًا.

وهناك بدأ ضياع القليل من الود الذى كنت أشعر به نحوه. انتزع عنى آخر ما تبقى عليّ من أسمال بالية، ولفنى بأسلاك شائكة، ودعك جراحى بأحجار ملح البارود، وضعنى فى حوض مع بولى وبرازى، علقنى من كاحلى ليجففنى تحت الشمس، وظل يصرخ أن ذلك التعذيب كله غير كاف لتهدئة مطارديه. وألقى بى أخيرًا لأتعفن فى تعاستى داخل زنزانة الغفران حيث كان مبشرو العهد الاستعمارى يقوّمون اعوجاج الهراطقة. وبغدر المتكلم من بطنه الذى ما زال لديه فائض منه، راح يحاكى أصوات الحيوانات الصالحة للأكل، وصوت الشمندر الناضج، وخرير الينابيع، كى يعذبنى بوهم أننى أموت بأحلام الجنة عوزًا فى الفردوس المفقود. 

وعندما جاءه المهربون أخيرًا بالمؤن، صار ينزل إلى الزنزانة ليقدم لى أى شيء آكله حتى لا أموت جوعًا، لكنه يجعلنى أدفع ثمن ذلك الإحسان بانتزاع أظفارى بكماشة وإزالة بريق أسنانى بحجر صنفرة، وكان عزائى الوحيد هو الرغبة فى أن تمنحنى الحياة الوقت والحظ لأعوض عن عار الجبين ومخازيه بعذابات أخرى أشد سوءًا. وقد ذُهلت أن نفسى تحملت رائحة نتانتى،وكان لا يزال يلقى إليّ فضلات وجباته، ويرمى فى الأركان بقطع من السحالى والأبراص المتفسخة من أجل أن يتسمم هواء الزنزانة. لا أدرى كم من الوقت كان قد انقضى عندما جاء بجثة أرنب ليرينى أنه يفضل أن يلقى به ليتعفن بدل أن يعطينى إياه لآكله، حتى هنا نفد صبرى ولم يبق لدى سوى الشعور بالضغينة، فأمسكت بجسد الأرنب من أذنيه وضربته بالجدار متوهمًا أنه هو نفسه، وليس الحيوان، من سيتمزق، وحدث عندئذ، كما فى حلم، أن الأرنب لم ينبعث حيًا وهو يطلق صرخة فزع وحسب، وإنما رجع كذلك إلى يديّ ماشيًا فى الهواء.

هكذا بدأت معجزات حياتى العظيمة. ومنذ ذلك الحين أمضى فى العالم مخلِّصًا المصابين بالملاريا من الحمى مقابل قرشين أو ثلاثة، ومانحًا البصر للعميان مقابل أربعة، ونازحًا الماء من المصابين بالاستسقاء مقابل ثمانية، ومعيدًا أطراف المبتورين مقابل عشرين إذا كانوا كذلك منذ الولادة، ومقابل اثنين وعشرين إذا كان البتر بسبب حروب أو زلازل أو إنزال مشاة البحرية أو أى نوع آخر من النكبات العامة، ومعالجًا المرضى العاديين بالجملة وفق ترتيب خاص، فالمجانين حسب موضوعهم، والأطفال بنصف التعرفة، والبله مقابل كلمة شكر، ولنر من الذى يجرؤ على القول إنى لستُ محسنًا إلى البشر، أيها السيدات والسادة. 

والآن، أيها السيد قائد الأسطول العشرين، أصدر الأمر لشبانك بأن يزيلوا المتاريس كى تتمكن الإنسانية المهدرة المعذبة الجائعة من المرور، المجذومون إلى اليسار، والمصروعون إلى اليمين، والكسحاء حيث لا يعرقلون السير، وهناك فى المؤخرة من هم ليسوا فى حالة مستعجلة، وكل ما أرجوه منكم هو ألا تتزاحموا، لأننى لن أكون مسئولًا عندئذ إذا ما اختلطت الأمراض وشفيتم من داء غير الذى تعانون منه، ولتتواصل الموسيقى إلى أن يلتهب النحاس، ويتواصل إطلاق الألعاب النارية إلى أن تحترق الملائكة، وليتواصل تداول الخمر إلى أن تموت الفكرة، ولتأت الخادمات القبيحات والبلياتشو والمصورون، وهذا كله على نفقتى، أيها السيدات والسادة، فهنا تنتهى السمعة السيئة للبلاكامانات أجمعين وينفلت المرشحون البرلمانيون، تحسبًا لحدوث خطأ فى تقديراتى وتحول بعضهم إلى حالة أسوأ مما كانوا عليه. 

الشيء الوحيد الذى لم أكن أفعله هو بعث الموتى أحياءً، لأنهم بمجرد فتح عيونهم يضربون بغضب شديد من أقلق حالهم، ومن لا ينتحرون منهم يموتون مجددًا جراء خيبة الأمل. فى البدء كان يلحق بى لفيف من العلماء للتقصى حول منهجى العلمى وشرعية عملى، وعندما اقتنعوا بها هددونى بجحيم سيمون الساحر المجوسى، وأوصونى بحياة الغفران والتكفير كى أصير قديسًا، لكنى رددت عليهم دون استهانة بسلطتهم بأن بدايتى كانت من هناك تحديدًا. والحقيقة أنى لن أكسب شيئًا بتحولى إلى قديس بعد موتى، لأنى فنان، والشيء الوحيد الذى أريده هو البقاء حيًا لأواصل التنقل بمظهر المكارى فى هذه السيارة المكشوفة ذات الستة سلندرات التى اشتريتها من قنصل مشاة البحرية مع هذا السائق من ترينيداد الذى كان مغنى باريتون فى أوبرا القراصنة فى نيو أوليانز، وقمصانى الحريرية الأصلية، وعطورى الشرقية، وأسنانى المصنوعة من الياقوت، وقبعتى المصنوعة من القش، وجزمتى ذات اللونين، أستيقظ دون منبه، وأرقص مع ملكات الجمال، وأخلّفهن مذهولات بفصاحتى المستمدة من المعاجم، ودون أن تهتز عصفورتى إذا ما حدث ذات أربعاء رماد أن ذوت قدراتى،لأن بلاهة وجهى كافية لأن أواصل حياة الوزير هذه، وتفيض على حاجتى بحشد المتاجر التى أمتلكها حتى ما وراء الغسق، حيث السياح أنفسهم الذين كانوا يتقاضون منا ثمن حياة الأميرال، تزل بهم أقدامهم الآن وهم يسعون للحصول على صور توقيعى المختصر، والتقاويم التى تحمل أشعارى الغرامية، والميداليات التى عليها صورتى الجانبية، وبوصات من ملابسى، وهذا كله دون ذكر مجد النوم الثقيل ببقائى طوال النهار والليل منحوتًا من مرمر فروسى ومغطى بذرق طيور السنونو مثل آباء الوطن المؤسسين.

 من المؤسف أنه لا يمكن لـ (بلاكامان) الداهية أن يكرر هذه القصة كى تروا أنه لا شيء من الاختلاق فيها. وفى المرة الأخيرة التى رآه فيها أحدهم فى هذا العالم كان قد فقد حتى بريق تألقه القديم، وكانت روحه منهارة وعظامه مضطربة من قسوة الصحراء، ولكن ما زالت لديه جديلتان جيدتان من الشخاليل الصغيرة الكافية ليعاود الظهور فى يوم الأحد ذاك فى ميناء سانتا ماريا دل دارين مع صندوقه الحانوتى الدائم، والاختلاف الوحيد هو أنه لم يكن يحاول فى هذه المرة أن يبيع أى ترياق، وإنما كان يطلب بصوت شرخه الأسى والانفعال أن يقوم مشاة البحرية بإعدامه رميًا بالرصاص فى استعراض علنى كى يثبت بلحمه الحى القدرة على الانبعاث التى يتمتع بها هذا المخلوق الخارق، أيها السيدات والسادة، ومع أنه لديكم فائض من الحق فى ألا تصدقونى بعد أن عانيتم لزمن طويل من حيلى الدنيئة الخبيثة ككاذب أفَّاق ومزور، فإننى أقسم لكم بعظام التُربة أن هذه التجربة اليوم ليس فيها ما هو من العالم الآخر، وإنما هى الحقيقة البائسة وحسب، وإذا كانت الشكوك ما زالت تراودكم فانتبهوا جيدًا إلى أننى لا أضحك الآن مثلما كنت أفعل فى السابق، بل إننى أكتم رغبتى فى البكاء. وكم كان مقنعًا وهو يفك أزرار قميصه وعيناه مغرورقتان بالدموع، ويوجه إلى قلبه صفعات نارية ليشير إلى أفضل مكان للموت، ومع ذلك لم يجرؤ مشاة البحرية على رميه بالرصاص خوفًا من أن تعرف جموع يوم الأحد فقدانهم لسمعتهم. وربما أن شخصًا لم ينس الألاعيب البلاكمانية فى أزمنة أخرى تمكن من الحصول –الله أعلم من أين- على كمية من جذور نبات البارباسكو السام، كافية لجعل كل ما فى البحر الكاريبى من أسماك الكوربينا تطفو على سطح الماء، وقدمها إليه فى علبة من الصفيح، ففتح هو غطاء العلبة برغبة شديدة، كما لو أنه سيأكلها حقًا، وقد أكلها بالفعل، أيها السيدات والسادة، كل ما أرجوه منكم ألا تتأثروا ولا تصلوا من أجل راحة نفسى،لأن هذا الموت ليس سوى زيارة. وقد كان فى تلك المرة نزيهًا بحيث لم يلجأ إلى الصخب الأوبرالى، وإنما نزل عن المنضدة مثل عنكبوت، وبحث فى الأرض من خلال التردد الأول عن المكان الأكثر جدارة بالاستلقاء فيه، ومن هناك نظر إليّ كمن ينظر إلى أمه وأطلق زفرته الأخيرة بين ذراعيها وهو لا يزال يكبح دموعه كرجل وتشنج ملتويًا ظهرًا وبطنًا بطاعون الأبدية. وكانت تلك هى المرة الوحيدة، طبعًا، التى أخفق فيها العلم معي. وضعته فى ذلك الصندوق المنذور مسبقًا لموته، فاتسع لجسمه كاملًا، وأقمت له قداس موت كلفنى خمسين قطعة ذهبية، لأن الكاهن كان يرتدى الذهب، وكان هناك أيضًا ثلاثة أساقفة جالسين، وأمرت أن يبنى له ضريح إمبراطور فوق ربوة معرضة لأفضل أجواء البحر، مع كنيسة خاصة به، ولوحة حديدية كُتب عليها بحروف قوطية كبيرة (هنا يرقد المرحوم بلاكامان) الذى أُسيئت تسميته بالمحتال، خادع مشاة البحرية وضحية العلم، وعندما وجدت أن هذه التشريفات كافية لإنصاف فضائله، بدأت الانتقام من فظاعاته، عندئذ بعثته حيًا فى قبره المصفح، وتركته يتقلب هناك فى الرعب. كان ذلك قبل وقت طويل من أن يبتلع مدّ البحر مدينة سانتا ماريا دل دارين، لكن الضريح لا يزال سليمًا على الربوة، فى ظل العنقاء التى تصعد لتنام وسط رياح الأطلنطى، وكلما مررتُ فى تلك الأنحاء أجيئه بسيارة ممتلئة بالقرنفل ويؤلمنى قلبى أسفًا على فضائله، لكننى أضع بعد ذلك أذنى على لوحة القبر كى أسمعه يئن بين أنقاض الصندوق المتفتت، وإذا ما كان قد مات مجددًا أعيد بعثه، ذلك أن طرافة العقاب هى فى مواصلة الحياة فى القبر مادمتُ حيًا، وهذا يعنى إلى أبد الآبدينَ!