الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

منحته الوالدة جواز سفر للقصيدة

يا وعـدى على الأيـام

 اتكلمى، اشكى لمين، الرزق ع الله، الكون كله بيدور، دور ع الناس، شجرة اللمون، عروسة النيل، علمونى عينيكى، حدوتة مصرية، يا وعدى على الأيام، حاضر يا زهر، ربك لما يريد، وأنا ع الربابة بغنى،على قد م حبينا، ربك هو العالم ربك رب قلوب.



 

من منا لم يهتز داخله وتدمع عيناه عندما يسمع الكينج محد منير وهو يغنى «وحاسبى يا غربة عليه.. بكينى واضحكى ليه»؟ من منا تمر عليه ذكر انتصارات أكتوبر المجيد ولم يشعر بالحماس عندما تغنى المجموعة «بسم الله الله أكبر.. بسم الله أذن وكبر وقول يا رب النصرة تكبر»، وتعقبها وردة الجزائرية من ألحان بليغ حمدى وهى تغنى «وأنا على الربابة بغنى».

من منا يحتفل بعيد الأم دون صوت شادية وهى «ضمينى دوبينى غرقينى بالحنان.. خدينى طهرينى واغسلينى من الأحزان.. يا نغم م القلب طالع مع طلعة النهار.. ادعيلنا بالسلامة ويهون المشوار.. مهما بنكبر يا أمى لسه فى عينيكى صغار»؟!

 كل هذا وأكثر من كلمات الشاعر الكبير عبدالرحيم منصور، الذى تحل علينا الذكرى 38 لوفاته هذه الأيام.

 

 

 

ولد منصور يونيو 1941 بمحافظة قنا، وعانى فقد الأب فى طفولته المبكرة فصارت علاقته بالأم التى تحفظ كل تراث الجنوب الشعبى شديدة الخصوصية. 

 فهى الوطن قبل أن تكون الأم وهى من تعلم منها جزءًا من ذلك الموروث. 

 ويحمل الفتى الصغير هذا الإرث الهائل وتخطفه مدينته القاسية بلا عودة، وكأن والدته أعطته جواز سفره وهى ترتجل الأشعار أمامه. 

 قال عنها «أمى هى الجذور الشعرية التى أمسكت بها، فعندما كنت صغيرا كنت أجلس بجوارها أمام الفرن تجهز رغيف الخبز على نيران خشب السنط.. وكانت تغنى أمام النار فأشعر بغنائها مثل النقوش والرسومات الملونة المحفورة على جدران معابد الفراعنة».

لم تكن علاقة الشاعر عبدالرحيم منصور بإخواته علاقة أخوة فحسب إنما كانت تشمل على العديد من المعانى.. كل المعانى الإنسانية التى ندرت تلك الأيام.

أما عن علاقته بتوأم روحه الشاعر «حمدى منصور» فتلك كانت علاقة شديدة الخصوصية، عبر عنها الأخير طيلة حياته بنزيف روحه لا بحبر القلم. 

 كان يجمعهما الصدق والإخلاص وجنية الشعر التى احتضنتهما دون تفرقة.

عند سؤال «حمدى منصور» عن علاقته بـ «عبدالرحيم» دائما كان لا يجيب إلا بعد صمت وشرود وعينين دامعتين ليقول كلمتين لا ثالث لهما «عبدالرحيم أنا». 

 أوقف الشاعر حمدى منصور عقارب الزمن على لحظة رحيل الشاعر «عبدالرحيم منصور» توأم روحه ومنذ لحظتها وهو يعاقب الحياة وكل من فيها حتى نفسه على رحيل من كان يجلب الشمس إلى الحياة عندما يطل عليها من شباك قلبه البرىء كما جنين لم يولد، وظل هكذا حتى آخر يوم. 

 بدأت الحكاية باجتماع تحرير فى مجلة صباح الخير التى كأن يرأسها الكاتب الصحفى الكبير فتحى غانم فى ذلك الوقت، حيث كان يحضر الاجتماع الصحفى الشاب لويس جريس، الذى اقترح على رئيس التحرير رحلة للبحث عن المواهب الشابة وتقديمها بمجلة صباح الخير. 

 ولما وافق فتحى غانم ورحب بالفكرة، انطلق جريس لوجه قبلى، كما انطلق الكاتب الكبير عبدالله الطوخى لوجه بحري. 

 انتهت رحلة لويس جريس ولم يجد سوى شاب أسمر يرتدى جلبابًا صعيديًا فضفاضًا يصطحب الكاتب الصحفى إلى منزل الشاعر أمل دنقل فلم يجده، وإلى منزل القاص والروائى يحيى الطاهر عبدالله فلم يجده أيضا، وكذلك منزل الشاعر عبدالرحمن الأبنودى ولم يجده هو الثالث، حيث سبقوه ثلاثتهم إلى القاهرة قبل مجيئه بأيام قليلة.

 فاستقل جريس القطار متجهًا للقاهرة مقررًا دعوتهم إلى مكتبه متخيلًا جريس أن الرحلة انتهت ولم يقابل أى مبدع وجهًا لوجه. 

لكن وبينما يتحرك القطار أعطى له عبدالرحيم منصور بضع ورقات كان قد كتبها بخط الإيد، أخرجها من جلبابه الصعيدى الفضفاض، وقال لجريس: «دى كلماتى وأتمنى أنهم يعجبوك».

 

مع أحمد منيب
مع أحمد منيب

 

قرأ لويس الكلمات وأسرع على باب القطار وكان يتمنى أن يقفز منه ويعود لمنصور ليسأله كيف كان يخبئ هذا الإبداع طوال الرحلة ؟!

وكانت أول مقالات لويس جريس فى مجلة صباح الخير بعد عودته «المعذبون بالفن» عن شاعر كبير اصطحبه طوال رحلته فى البحث عن الموهوبين ولم يقل عنهم موهبة. 

 دعا لويس عبدالرحيم للقاهرة، وقال له إن مجلة «صباح الخير» تنتظره وتفتح له أحضانها. 

 وفعلًا سافر منصور إلى القاهرة ليبدأ من هنا من مجلة «صباح الخير». 

 لم يكن منصور شاعرًا تقليدًا، ولم يكتب بشروط معينة أو جو معين، كان يكتب الشعر فى أى وقت وأى مكان.. يكتب وهو فى الشوارع شارد.. وهو جالس على أحد مقاهى وسط القاهرة. ولم تقيده أفكاره بل كان ذا فكر لا محدود.

جلسة فنية 

 أمانة يا بحر تستلم الأمانة/ أحبابنا يا بحر فى عيونك أمانة/ أمانة يا موج بوس خشب المراكب/ أمانة يا موج طبطب على اللى راكب 

 كتب عبدالرحيم منصور أغنية أمانة يا بحر سنة 1975، وألقاها على الموسيقار هانى شنودة فى جلسة فنية، اندهش شنودة وسأل منصور من أين أتى بهذه الصور وهو لم يعش فى بيئة ساحلية ولم ير وداع المراكب ولم يقف يومًا على مركب لاستقبال حبيب أو وداعه ؟! فرد منصور «إنها جنية الشعر». 

 عام 1967 نشر منصور ديوانه الشعرى الأول بعنوان «الرقص ع الحصى» 

 وصدره بإهداء لأمه قال فيه «إلى أمى.. بنت الشيخ إسماعيل الخلاوى». 

 فى السبعينيات رشحه صلاح عبدالصبور ليلقى أشعاره أمام الرئيس السادات فى أحد أعياد الفن فقدم أشعاره وصفق الجميع، وبعد انتهاء الحفل لم يجد من يأخذه معه فى سيارته ليوصله إلى منزله وبينما كان الجميع يركبون سيارتهم، كان الوحيد الذى استقل قدميه وعاد حزينا قائلًا «موهبتنا مش بتأكلنا ولا بترحمنا من المشى».

لم يلق عبدالرحيم منصور شعره مرة دون أن يتأثر، كان دائمًا يشعرك وكأنه لأول مرة يلقى القصيدة.. دائما يشعرك وكأنها أوحد قصائده وأعظم ما كتب.. وهكذا فى كل قصيدة.. حتى ترجوه بألا يكف عن الإلقاء.

إلى يومنا يحتفظ أصدقائه بقصاصات من قصائده دونوها خلفه وهو يقرأ. من كثرة تأثره وتأثرهم بالكلمات.. كان يلقى كلماته بحب يزيد كل مرة عن التى قبلها فيجعلك تطلب تكرارها. 

حاز «منصور» روحًا شعرية رحبة ومفردات شديدة العذوبة والطزاجة، جمعت عبق الجنوب وتفاصيل المدينة، واقتحم عالم كتابة الأغنية فصار فى وقت قصير واحدًا من أهم وأكثر الكتاب تميُّزًا وصدقًا. 

حدوتة مصرية 

 كتب عبدالرحيم أغنيته الشهيرة «حدوتة مصرية» قبل فيلم يوسف شاهين بالعنوان نفسه «بعام كامل» لم يكن لدى منصور أى فكرة عن الفيلم حيث كتب الكلمات قبل اعتقالات سبتمبر 1981 بشهرين. 

 لا يهمنى اسمك لا يهمنى عنوانك/  لونك بلادك/  يهمنى الإنسان ولو ملوش عنوان.

عندما سمع يوسف شاهين الكلمات واتصل بمنصور على الفور، وبعدها بساعة تقريبا، كان منصور يحتسى القهوة فى مكتب شاهين بشارع شامبليون. 

عرض عليه كتابة سيناريو فيلم بعنوان الأغنية لكن منصور رفض، فأخذ شاهين الأغنية وأخرج منها فيلمه «حدوتة مصرية».. وأوصى بأن تُكتب على قبره. 

 شكل منصور مع الراحل «بليغ حمدى» ثنائيًا فنيًا ليكتمل الثالوث بصوت وردة الجزائرية، أو فايزة أحمد أو شادية، ومع ذلك فإن التجربة الأكثر ثراء والأكثر ثقلًا فى حياة عبدالرحيم منصور كانت بمشاركة الموسيقار أحمد منيب. 

 كتب الراحل توفيق الحكيم بعد أكتوبر 1973 مقالًا بعنوان «عبرنا الهزيمة» قرأ عبدالرحيم منصور المقال وكتب «عبرنا الهزيمة.. يا مصر يا عظيمة» التى شدت بها صوت مصر الحر شادية.. اتصل بعدها توفيق الحكيم بعبد الرحيم وطلب مقابلته، ولما ذهب منصور قال الحكيم إنك جعلت الملايين  يتغنون بعنوان المقال وأضاف: أنت شاعر تستحق الخلود كما خلدت المقال. 

 تحولت أغنيات «منصور –بليغ» خلال العبور العظيم لأناشيد يرددها الجميع احتفالا بالنصر وكانت أغنية «أم الصابرين» التى غنتها «شادية» نقلة مهمة فى مسيرته.

«من دهبك لبسنى العقد حبيبي

من نيلك سقانى الشهيد حبيبى»

وهذا تمامًا ما كان يحلم به منصور.. أن تتغنى الشعوب العربية بكلماته وتصبح أيقونات الحرب والشوق والحرب والنصر والتفاؤل والسلام.

كانت ملامحه كلها تنطق حبًا، لم يكن بحاجة للحديث عنه ولم يعرف الحزن طريق عبدالرحيم، ولم يعرف عبدالرحيم له طريقًا، الحياة للحياة وتلك أشهر جمل عبدالرحيم وأنت تتحدث معه.. كان دائما ما يقول وسط الكلام بكل عفوية الحياة للحياة.

 

مع والدته
مع والدته

 

ميلاد فؤاد حداد 

كان معروفا عن شاعر العامية العظيم فؤاد حداد عزوفه عن سوق الأغانى التجارية.. لم يكن يسمح لأحد التغنى بأشعاره، وهو ما لم يمنحه، فى ظل تجاهل إعلامى، شهرة صلاح جاهين مثلا، فقبع فؤاد حداد متواريا عن الأضواء ولم تخرج أشعاره عن دائرة المثقفين حوله!

هنا لنا أن نذكر موقفًا أورده الشاعر مجدى نجيب فى أحد كتبه حيث قال :«أقنعنى عبدالرحيم منصور بأنه لا بد لشاعرنا الكبير فؤاد حداد من دخول مجال الأغنية ويومها اخترنا له أقرب موقع للغناء الذى يراعى ذوق المستمع ويرقى به من خلال صوت المطرب محمد منير.. وبألحان أحمد منيب».

يكمل: قلت لعبدالرحيم ونحن نهبط سلالم منزل فؤاد حداد: يا صديقى ما الذى فعلناه.. إن فؤاد شاعر عملاق.. وكلنا خرجنا من عباءته، فكيف دفعناه للموافقة ونحن نعرف وسط الغناء الحالى ؟!

 قال: «وماذا استفاد هو بخروجنا من عباءته وأنه أستاذنا ها نحن نقرأ أشعاره فى لهفة واستمتاع، بينما هو قابع فى بيته بعيدا عن الناس.. لا يعرفه غير المثقفين. والحكومة تصادر أشعاره.. بينما الأغنية لا يمكن أن تصادر.. ومن خلالها يمكننا قول ولو جملة مفيدة للمستمعين بدلا من الأغانى التى تشيع.. الإحباط وتجعلهم يكرهون حياتهم. وقد كان.. ولدت أغنية فؤاد حداد الليلة يا سمرة وهى من الأغانى التى حققت شهرة واسعة فى مجال الأغنية».

 وهكذا اقتطف منير ومنيب ومعهما عبدالرحيم بعض الأبيات من قصيدة «الليلة يا سمرا» من ديوان «رقص ومغنى» لفؤاد حداد رغم ما كان معروفًا عن فؤاد حداد عدم سماحه لأحد باقتطاف أبيات دون أخرى من قصائده!

 ولدت «الليلة يا سمرا».. ولا يزال يذكر من حضر فترة الثمانينيات الشهرة الواسعة التى حققتها تلك الأغنية فى مصر وخارجها وأصبحت ألحان الأغنية التى وضعها أحمد منيب ووزعها يحيى خليل وفرقته تصدح فى كل مكان تقريبًا.

مارد الجبل 

 وفى العام 1977، تعاون منصور مع «سنية قراعة» و«نور الدمرداش» فى المسلسل التليفزيونى «مارد الجبل» أحد كلاسيكيات ماسبيرو، كتب منصور الحوار والأشعار والبطولة لنور الشريف، محمود المليجى، وقدم العديد من الأغنيات فى السينما بدأها 1968 بفيلم «عدوية» لمحمد رشدى حيث كتب له أغنية «ما على العاشق ملام»   وفى 1976 قدم عددًا من أنجح الأغنيات فى فيلم «مولد يا دنيا» مع بليغ حمدى وإخراج حسين كمال عن قصة يوسف السباعي. 

 ثم جاء عام 1985 حيث قدم مع عاطف الطيب سيناريو وحوار وأشعار «الزمار» وشاركه فى كتابة الفيلم رفيق الصبان.

 كتب منصور لمعظم الأصوات من أول عبدالحليم حافظ ونجاة وفايزة أحمد مرورا بقنديل ومحمد حمام ومحمد نوح إلى عفاف راضى وشادية. 

 وكان له الفضل فى التجارب الأولى لعلى الحجار فى أغنية «على قد ما حبينا» وعمرو دياب الذى قدم له «يا طريق يا طريق» و«قلوع» كما قدم لكل من سميرة سعيد وأنغام ومدحت صالح وهانى شاكر أغنياتهم الأولى. 

تجربة عبدالرحيم منصور مع محمد منير هى الأبرز فى مسيرة كل منهما.. ويرجع الفضل لمنصور فى تقديم «منير» ومساندته فى البدايات حيث كان يجوب أماكن الصعلكة وجلسات المثقفين.. ويرى فيه الجديد القادم لتجديد دماء الأغنية وخروجها من مأزق التكرار لتكون أقرب للناس وحياتهم اليومية.

وقدم منصور منير لأحمد منيب، ليشكل الثلاثى أهم تجربة منذ الثمانينيات للآن، قدم الثلاثى عشرات الأغنيات التى حملها صوت منير لتكون مشروعا فنيا مغايرا للسائد فى المفردات واللحن والأداء. 

 كام عام ومواسم عدوا/ وشجر اللمون دبلان على أرضه/ فينك.. بينى وبينك/ أيام وينقضوا 

 قدم منصور مع منير «اتكلمى.. الحقيقة والميلاد، الكون كله بيدور، أمانة يا بحر، بريء، بنتولد،  حاضر يا زهر، حدوتة مصرية، يا ليلة عودى تانى، شمس المغيب، ضل الطريق، فى عينيكى، قول للغريب، وجمع الثلاثى «منصور – منيب – منير» ذات الإحساس بالغربة.. وربما الوحدة.

ورحل منصور فى هدوء وفجأة بعد سهرة فى منزل بليغ حمدى.. عاد إلى بيته طالبًا من زوجته أن تدعه يستريح، وما هى إلا دقائق حتى راحت زوجته تصرخ فى التليفون لبليغ والأبنودى: عبدالرحيم مات. 

رثاه الكثيرون من بينهم فؤاد حداد الذى كتب يقول : 

 عبدالرحيم ما راحش من بالى/ الليل عتر فى الشمس قايمة لى/ على حيلها لا بتقعد ولا بتمشى/ والدمع ما بيسقطش من وشى.

خلال جمعى كلمات عبدالرحيم منصور كنت أشم رائحته تملأ الأرجاء، دائما أشعر أنه يربّت على كتفى بحنان دافق ويضئ خطواتى بالأمل.

 بائع القناديل وعاشق البحر ومحب الحياة، لم ولن يموت، إنما سيظل دائما وأبدا يملأ الدنيا غناء وفرحة، وتظل الإنسانية «ضمير غائب حاضر» تقديره «عبدالرحيم  منصور».