الخميس 18 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أخطرها رسائل البريد الأسود

الأوراق التى قتلت عبدالناصر!

الضباط الأحرار بعد نجاح ثورة 23 يوليو
الضباط الأحرار بعد نجاح ثورة 23 يوليو

رغم مرور 70 عامًا على قيام حركة الضباط الأحرار فى ليلة 23 يوليو 1952، فإن تلك الحركة احتفظت بأسرار وكواليس لا تزال خافية، والتقليب فى أوراق هذا الحدث الفارق لا يزال حافلاً بالكنوز. ولعل أحد أسرار هذه الحركة هو قدرتها على التواصل مع عامة الشعب، ونجاحها فى بناء ظهير شعبى داعم بقوة، فتحولت من حركة عسكرية إلى ثورة حقيقية، بما قدمته من تغيير للواقع، وقدرة على تقديم وجه جديد للبلاد، رغم كل اللحظات القاسية والتحديات الصعبة التى واجهتها.



 

إذا كان كثيرون قد كتبوا وأرخوا لتاريخ ثورة يوليو 1952 على مدى العقود السبعة الماضية، إلا أن تلك الثورة لا تزال بحاجة إلى المزيد من الجهد العلمى والبحثى للتنقيب فى تراثها الثرى، والخروج بدروس جادة للإجابة عن أسئلة كبيرة مثل: لماذا عاشت هذه الثورة فى وجدان المصريين كل هذه السنوات؟ وماذا تبقى منها بعد 70 عامًا؟

ولماذا لا يزال المصريون يحتفظون بالكثير من المحبة والتقدير لزعيمها الأبرز الرئيس جمال عبدالناصر، الذى عاش معه المصريون الكثير من لحظات الانتصار والانكسار، لكنهم ورغم كل محاولات الهجوم على القائد الحقيقى للثورة، لا يزالون يكنون له تقديرًا خاصًا، فتُرفع صوره فى ميادين التظاهر فى يناير 2011، ويجمع المصريون بين صورته وصورة (الفريق أول) -وقتها- عبدالفتاح السيسى فى ميادين ثورة 30 يونيو 2013. بريد «الزعيم»

 

صورة تبين رد عبد الناصر على رسالة الطفة اليهودية الأمريكية وخطابها
صورة تبين رد عبد الناصر على رسالة الطفة اليهودية الأمريكية وخطابها

 

بعض جوانب الإجابة ربما يقدمها لنا التنقيب فى أوراق تاريخ ثورة يوليو وزعيمها، والتنقيب هنا يتناول ظاهرة فريدة امتاز بها عبدالناصر، فقد امتاز الزعيم الراحل بقدرة على التواصل مع جماهير شعبه من مختلف الطبقات، وكانت الرسائل البريدية التى تنهال على رئاسة الجمهورية وعلى محل سكن عبدالناصر شخصيًا فى منشية البكرى أكبر من مجرد شكاوى أو مطالب يبعث بها المصريون لرجل آمنوا به، وراهنوا على صدقه فى انحيازهم له، بل كانت تلك الرسائل قناة مهمة لعبدالناصر نفسه للوقوف على الحقائق ونبض الشارع، بعيدًا عن تقارير المؤسسات والأجهزة.

 

بل الأغرب أن تلك الرسائل التى كانت تتدفق بالآلاف شهريًا على الرئيس، كانت تُقرأ بدقة، وبعضها كان سببًا فى تغيير سياسات واقتراح تشريعات، أو حتى اختيار وزراء من أصحاب تلك الرسائل، بل الأغرب أنها كانت سببًا فى اتخاذ قرارات قاسية من جانب الرئيس، من بينها إصدار قرارات باعتقال شخصيات من عائلته!

لم يكن عبدالناصر مهتمًا فقط بتلك الرسائل التى تحمل له عبارات الدعم والتأييد، أو حتى المطالب والشكاوى، بل كان مهتمًا، وبصورة تدعو إلى الدهشة، برسائل ما أطلق عليه «البريد الأسود»، والتى كانت تحمل رسائل غالبًا ما يكتبها مجهولون تتضمن انتقادات لسياساته، أو حتى هجومًا لاذعًا على شخصه، واتهامات لبعض أركان السلطة وحتى أفراد عائلته!

 

جنازة الرئيس الراحل عبد الناصر
جنازة الرئيس الراحل عبد الناصر

 

وتمدنا دراسة فريدة من نوعها بعنوان «شكاوى الجماهير والبريد الأسود إلى جمال عبدالناصر» للدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية التربية جامعة عين شمس، ومنشورة فى كتاب «فى محبة التاريخ: دراسات فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر» الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2016، بالعديد من الحقائق اللافتة حول اهتمام الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بالرسائل التى تصل إليه من مختلف طوائف الشعب، خاصة من الفلاحين والعمال والطبقة المتوسطة، وكيف كان يستغرق وقتًا طويلاً فى متابعتها والتحقق مما تتضمنه، بل متابعة ما يتخذه من تأشيرات بشأنها، بل كان يستدعى أصحاب تلك الرسائل أحيانًا لمقابلته، أو يثير بعض ما تتضمنه فى اجتماعات مجلس قيادة الثورة أو داخل مجلس الوزراء وأروقة الاتحاد الاشتراكى.

ولعل هذا الاهتمام الكبير من جانب عبدالناصر برسائل المواطنين، والذى كان يعرفه المحيطون به جيدًا، كان أحد الأسباب التى دفعت خلفه: الرئيس السادات إلى اتخاذ موقف عدائى من تلك الرسائل، فيذكر سامى شرف فى مذكراته، أنه فور تولى السادات السلطة عرض عليه سامى شرف- كالمعتاد مع عبدالناصر- بعض التقارير التى تتضمن رصدًا لما يرد فى رسائل المواطنين وتقارير العديد من أجهزة الدولة، فقال السادات بحدة: «أبعدوا عنى هذه الأوراق.. هذه الأوراق هى التى قتلت جمال عبدالناصر»!

جهاز خاص لفحص الرسائل

ورغم أن دراسة د. جمال شقرة تغطى فقط الأربعة أشهر الأولى من عام 1964، من خلال تحليل الرسائل الواردة إلى بريد رئاسة الجمهورية ومنزل الرئيس فى منشية البكرى، فإنها تعطينا مؤشرات مهمة على حجم ما كان يوليه عبدالناصر لتلك الرسائل، وحجم ما كان يصل إليه، فتشير الدراسة إلى تلقى عبدالناصر لأكثر من 69 ألف رسالة خلال تلك الأشهر الأربعة، وأن معدل تدفق الرسائل على الرئيس كان يتراوح بين 13 إلى 23 ألف رسالة شهريًا، وأن هذا المعدل لم يكن مقصورًا على تلك الفترة التى رصدتها الدراسة، لكنه كان المعدل المعتاد طوال سنوات حكم «ناصر».

وربما يكون كل هذا العدد من الرسائل واهتمام عبدالناصر الشديد بها، وراء قراره بتأسيس جهاز خاص بإشراف فريق مكتبه بالرئاسة لفحص ومتابعة محتوى تلك الرسائل، وبحسب ما أورده محمود الجيار سكرتيرعبدالناصر، وأحد المقربين منه طوال سنوات حكمه، فى مذكراته الصادرة عام 1976 عن مكتبة مدبولى، فقد تأسس بأوامر شخصية من الرئيس فريق كامل لقراءة كل سطر فى هذا البريد قراءة متأنية، وتصنيف خطابات الناس وتحليلها وتوجيهها إلى الجهات المختصة ومتابعتها بمنهجية منظمة.

 

صور من التقارير التي ترفع لعبد الناصر عن رسائل البريد الأسود كما وردت في مذكرات محمود الجيار
صور من التقارير التي ترفع لعبد الناصر عن رسائل البريد الأسود كما وردت في مذكرات محمود الجيار

 

وأوضح أن تعليمات عبدالناصر كانت تقضى بأن يُعرض عليه يوميًا ملخص لأى خطاب مهم وعاجل أو يحوى أفكارًا لامعة أو خبرًا خطيرًا، وأن يُرفع إليه تقرير أسبوعى صريح عن اتجاهات الرأى العام الداخلى، إضافة إلى تقديم تقرير أسبوعى آخر فى منتهى السرية، يسمى «تقرير الرأى العام المعادى»، يسجل ما بات يطلق عليه «البريد الأسود» والذى يتضمن الخطابات المجهولة التوقيع التى كانت تتضمن انتقادات حادة أو هجومًا لاذعًا على الدولة أو حتى على الرئيس شخصيًا.

ورغم كل انشغالات الرئيس، فإنه كان يفرد مساحة لا بأس بها لمتابعة محتوى تلك الخطابات، بل إنه كان يبدى اهتمامًا شخصيًا بما تتضمنه من وقائع واتهامات، ويضع خطوطًا تحت الكثير من عباراتها الحادة، وأحيانًا كان يطلب إيضاحات من بعض الأجهزة أو الوزارات بشأن ما يرد فيها من اتهامات أو انتقادات، خاصة إذا ما كانت تتعلق بالحياة اليومية للمواطنين، مثل تدنى جودة رغيف العيش، أو عدم توافر السلع التموينية، أو التلاعب من جانب بعض المسئولين، أو حتى اتهام بعض المقربين من عبدالناصر باستغلال نفوذهم لتحقيق مصالح شخصية أو الإثراء غير المشروع.

 

استقبال الحشود لناصر فى الإسكندرية بعد يوم واحد من إعلانه الانسحاب البريطاني ومحاولة اغتياله 27 أكتوبر 1954
استقبال الحشود لناصر فى الإسكندرية بعد يوم واحد من إعلانه الانسحاب البريطاني ومحاولة اغتياله 27 أكتوبر 1954

 

المرسل المجهول!

ومن أطرف الوقائع التى يرويها الجيار فى هذا الصدد، أن إحدى الرسائل الواردة ضمن «البريد الأسود» كانت سببًا فى تعيين كاتبها وزيرًا، فقد وصلت إلى الرئاسة رسالة بدا أن كاتبها، الذى لم يشأ كتابة اسمه،على علم ودراية كبيرة بالموضوع الذى يكتب فيه، وكانت الرسالة تتضمن انتقادات حادة لسياسات الدكتور عبدالمنعم القيسونى وزير الخزانة والتخطيط، وأحد الوزراء الذين كانوا يحظون بثقة الرئيس عبدالناصر، وكانت وجهة النظر الواردة فى الرسالة مدعمة بأسانيد ومعلومات قوية وعلمية، الأمر الذى أثار اهتمام الرئيس واحترامه.

واختتم الكاتب المجهول رسالته بأن لديه تفصيلات أوفى، وأنه مستعد لأن يوافى بها الرئيس إذا لم يكن فى هذا ضياع لوقته، وأنه على كل حال لا يطلب مقابلته، وإنما فقط يطلب إشعارًا بأنه مهتم بمتابعة كل جوانب الموضوع، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يرجو أن تنشر رئاسة الجمهورية إعلانًا فى الأهرام نصه «إلى ولدنا أحمد، اكتب لوالدك وسيهتم بطلباتك.. جميل».

وما كان من عبدالناصر إلا أن طلب من مدير مكتبه أن ينشر الصيغة التالية على نفقته الخاصة فى «الأهرام»:

«إلى ولدنا أحمد.. لماذا لا تحاول أن ترى والدك شخصياً بدلاً من أن تكتب إليه؟ هو سيهتم بطلباتك.. جميل».

وفى مساء اليوم نفسه الذى نشر فيه هذا الإعلان الغامض، وصلت إلى رئاسة الجمهورية برقية باسم عبدالناصر يقول فيها مرسلها: «ولدكم أحمد يا سيادة الرئيس ينتظر تحديد موعد لمقابلتكم»، ولكن البرقية حملت هذه المرة اسم صاحبها، وكان أستاذًا متخصصًا فى مجاله، ومعروفًا فى الأوساط العلمية، وحاصل على درجة الدكتوراه، وقابله الرئيس فعلاً، وناقشه فى اعتراضاته، وطلب منه أن يواجه الدكتور القيسونى بذلك، ثم طلب منه أن يكتب له عدة تقارير مفصلة حول وجهة نظره، وبعدها اختاره الرئيس وزيرًا.

واللافت أن هذه الطريقة التى تبدو غريبة فى اختيار عبدالناصر لوزرائه، لا تثير الدهشة إذا ما عرفنا أن الرئيس وفى السنة الثالثة للثورة قد اختار أحد الوزراء الشباب فى حكومته بطريقة مثيرة للاستغراب، فقد كان الرئيس يزور مجلس الإنتاج القومى، وكان هناك مهندس شاب على درجة وظيفية صغيرة يتولى الشرح أمام الرئيس حول بعض جوانب عمل مجلس الإنتاج، وأبدى عبدالناصر تعليقًا يتضمن وجهة نظره فى أمر ما، لكن المهندس الصغير خالفه فى الرأى أمام الحضور من كبار قيادات الدولة، وعرض وجهة نظره بهدوء وموضوعية أقنعت عبدالناصر بصحة ما ذهب إليه المهندس الشاب، وفى الأسبوع التالى، اختار عبدالناصر ذلك المهندس الشاب ليشغل منصب وزير الصناعة، ليكون ذلك الشاب أحد أشهر وزراء الصناعة فى تاريخ البلاد، وهو المهندس عزيز صدقى!

اعتقال شقيق الرئيس!

ومن بين رسائل «البريد الأسود» التى استرعت اهتمام الرئيس عبدالناصر، رسالة وردت من مواطن وقعها باسم «ز. ع. م» تهجَّم فيها على جمال عبدالناصر وأسرته وعائلته والمشير عبدالحكيم عامر، وسخر فيها من شعار «تكافؤ الفرص» الذى أطلقه عبدالناصر، واتهم ذلك المواطن الليثى عبدالناصر شقيق الرئيس بأنه يعيش كهارون الرشيد، كما اتهم أقارب المشير باستغلال النفوذ، وضرب مثلاً بأحد الأشخاص الذى يلعب القمار ويخسر 300 أو 500 جنيه فى الليلة، وقد توعد كاتب الرسالة جمال عبدالناصر بـ«ثورة شعبية ستطيح به، وسيكون أول من يذبحه الشعب».

وقد عُرضت الرسالة على عبدالناصر الذى قرأها باهتمام ووضع خطوطا كثيفة تحت بعض سطورها، ولم يكتف بذلك، بل قرر – حسبما يروى سامى شرف فى مذكراته- زيارة شقيقه «الليثى» فى الإسكندرية ليقف بنفسه على ثرائه، كما جاء فى الرسالة، ويضيف شرف أن الرئيس أبلغه بأنه لا يمانع فى ثراء أحد من أسرته، بشرط ألا يستغل اسمه، وأن يتواءم نمو دخله مع النمو الاقتصادى لمصر كلها، وبالفعل أصدر عبدالناصر قرارًا باعتقال شقيقه عندما اكتشف أنه يعيش فى مستوى أعلى نسبيًا مما يسمح به مرتبه.

وبالمناسبة، لم تكن تلك الواقعة هى الوحيدة فى هذا الصدد، فقد اعتقل عبدالناصر خاله أيضًا، عندما عرف أنه تلقى قطعتى قماش من أحد الأثرياء العرب كهدية.

وفى رسالة أخرى تضمنت انتقادات لتجاوزات صلاح سالم فى السودان عندما أوفد هناك لتحقيق المصالحة بين الشماليين والجنوبيين، أخذ عبدالناصر الأمر على محمل الجد، وأمر بتقصى حقيقة الوقائع الواردة فى تلك الرسائل وخاصة ما يتعلق بسلوكياته وحياته الخاصة، وبعدما تأكد من صحة تلك الوقائع قرر إبعاد عضو مجلس قيادة الثورة صلاح سالم فى فترة مبكرة.

 

الرئيس الراحل خلال إحدى خطبه
الرئيس الراحل خلال إحدى خطبه

 

ولم تقتصر رسائل «البريد الأسود» على الانتقادات السياسية لعبدالناصر، بل تضمنت كذلك نقدًا اجتماعيًا لاذعًا، وكانت أيضًا تحظى باهتمام الرئيس، ومن ذلك رسالة المواطن «م. س. ش» التى تناولت سلوكيات الطبقة الجديدة، حيث وضع عبدالناصرعدة خطوط تحت عبارة أن «الشعب المصرى يعيش فى ظل حكم الفرد»، وأن حكمه «أسود أيامه» فوضع تحتها خطوطاً ثقيلة جداً.

ويشير الوزير أمين هويدى، الذى تولى رئاسة المخابرات العامة ووزارة الحربية فى عهد جمال عبدالناصر، فى كتابه «مع عبدالناصر» الصادر عن دار الوحدة فى بيروت عام 1984، إلى أن الكثير من محتوى رسائل المواطنين، كان عبدالناصر يطرحها على أعلى المستويات، سواء فى مجلس الوزراء أو اجتماعات الاتحاد الاشتراكى، فكثيرًا ما كان يخرج عن الأجندة المحددة لتلك الاجتماعات ليتحدث عن سوء حالة رغيف العيش، أو معاناة فئة من العمال أو البسطاء، ويطلب إجراءات عاجلة لتحسين أوضاعهم، وكانت له ذاكرة حديدية تحفر فيها الموضوعات،أو يدون فى مفكرته الخاصة بعض القضايا، ليعود للاستفسار عنها بعد فترة، كما كان يطلب فى كثير من الأحيان تقارير عن حالات معينة ترد فى تلك الرسائل، سواء من المخابرات العامة أو الحربية أو من المباحث العامة، ليبحثوا فى شكوى واحدة ويوافيه كل منهم بتقريره لتجتمع أمامه الحقيقة من عدة جهات، بل قد يشكل لجنة تضم عدة جهات أو وزارات لمتابعة بعض الشكاوى.

كما حرص عبدالناصر على تلقى تقارير خاصة بالنكت التى يطلقها المصريون، وحسبما ذكر سامى شرف، فإن تلك النكت كانت تُجمع فى تقرير شهرى، فإن زاد عددها يتم إعداد تقرير أسبوعى، ثم تُصنف تحت فئات نكت دينية وأخرى سياسية أو جنسية، أو التى تتناول الأقليات أو الشخصيات العامة، أو العلاقات الخارجية، وتلك التى تنصب على شخص الرئيس أو أسرته، ثم يجرى تحليل تلك النكت ودراستها، وما تشير إليه من مؤشرات تعبر عن توجهات الرأى العام.. وكان عبدالناصر يرى أن النكتة مصدر للمعرفة وليست مجرد سخرية، فهى بحسب تعبير عبدالناصر: «تحمل رأيًا وأى رأى يجب الالتفات إليه ولا مانع من الاسترشاد به».

رسالة لطفلة يهودية!

ولا يخلو موضوع رسائل المواطنين إلى عبدالناصر من مواقف طريفة فى كثير من الأحيان، ففى بعض الحالات كان عبدالناصر يذهب شخصيًا للقاء أصحاب بعض الرسائل وبدون حراسة، وهو ما كان يثير ذهول هؤلاء المواطنين البسطاء.

ومن أطرف الرسائل التى تلقاها بريد عبدالناصر تلك الرسالة التى وردت فى الأيام الأخيرة من شهر يونيو عام 1956، حين كان جمال عبدالناصر لا يزال رئيسًا لمجلس الوزراء، صاحبة الرسالة طفلة يهودية أمريكية تدعى «ديبواره رابنارتز» وقد ضمنت الطفلة رسالتها دولارين وتطلب منه ألا يحارب إسرائيل!

وجاء نص الرسالة، حسبما أوردتها مجلة «المصور» فى عددها الصادر فى الأول من يوليو عام 1956:

«عزيزى السيد عبدالناصر.. رأيت فى التليفزيون، وسمعت، أن الأطفال العرب فقراء، ولذلك أبعث إليك مع هذا بدولارين اقتصدتهما، وكان فى نيتى أن أشترى بهما هدية لأختى فى عيد الفصح لليهود، وأرجو أن تشترى بهما بعض الثياب لأطفال العرب الفقراء، وأرجوك ألا تحارب إسرائيل، لأن الأطفال هناك قد يصيبهم ضرر من هذه الحرب، وأعدك بأن أرسل لك نقودًا أخرى».

ولم يكن رد عبدالناصر أقل لطفًا من الرسالة، وبرغم المشاغل الجسام التى كانت تحيط به فى تلك الأيام عقب العدوان الثلاثى، فقد قرر عبدالناصر أن يرد على الطفلة اليهودية بنفسه وبتوقيعه شخصيًا، فكتب: «عزيزتى ديبوراه رابنارتز.. شكرًا لك على تبرعك بدولارين لشراء ملابس للأطفال العرب اللاجئين الذين شردتهم إسرائيل بعدما رأيت وسمعت عنهم من بؤس.. وأرجو أن تعلمى أن مصر لا تضمر نوايا عدوانية، وأنها تعمل دائمًا للمشاركة فى رفاهية الإنسانية، وحفظ السلام العالمى.. ولك أطيب تمنياتى».

هذه الوقائع وغيرها كثير تثبت، كما يذهب أنيس صايغ فى كتابه «فى مفهوم الزعامة السياسية»، أن الزعامة الناصرية هى «أول زعامة فى العالم العربى تبنت خدمة الشعب، والتزمت بحقوقه على نطاق واسع، لتجعل من خدمته مبرر وجودها واستمرارها، وأنها أول زعامة عربية استمدت من تأييد الجماهير الشعبية قوة، جعلتها تقف أمام أضخم الأحداث وأعتى التكتلات الداخلية والخارجية، وأصعب المشكلات والأزمات السياسية والاقتصادية فى الخمسينيات والستينيات».

ويبدو أن تلك الأوراق التى كان يتلقاها عبدالناصر من شعبه بالآلاف ويحرص على قراءتها ومتابعتها لم تكن هى التى قتلته، حسبما رأى الرئيس السادات، ولكنها ربما هى التى أحيت ذكره طيلة كل هذه العقود.