السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
خناقة الملابس

خناقة الملابس

إذا تحررت المرأة، تحرر الوطن. وإذا ظلت المرأة أسيرة سيد يخبرها بمَ تفكر وماذا ترتدى وأى تخصص تدرس، وربما يقرر لها ألا تدرس ويرى أن خيرها وصلاحها (ورزقه الأكبر) فى زواجها طفلة أو مراهقة، وقرار التحكم فى رغبتها الجنسية (رغم عدم وجود أى أساس علمى أصلاً لذلك) عبر تشويه أعضاء البنات الجنسية فيما يسمى ختانًا وفيما يسميه البعض «طهارة» (وفى المسمى دلالة على الفكر) فإن العاقبة ستظل وخيمة على المجتمع كله. وليس خفيًا على أحد تحكم أهواء شديدة التطرف فى كراهيتها للمرأة المصرية فى طبقات الغلاف الجوى الذى يحيط بمصرنا العزيزة.



مصرنا العزيزة التى كانت مؤمنة موعودة بالتحضر مرشحة للترقى حتى سبعينيات القرن الماضى تقلصت فرصها إلى حد كبير. لماذا؟ «لأنهم» أجهزوا على المرأة. وكلما انفتح حديث المرأة المصرية، وعلت مطالب تحريرها ومبادرتها بتحرير نفسها من قبضة الظلام والرجعية، ولولوا وندبوا ولطموا ورقعوا بأعلى الصوت «أتريدون أن تمشى النساء عارية فى الشوارع»؟ صار فكرهم مفضوحًا، وأولوياتهم مصدر خزى لهم، ومحتوى أدماغهم أشبه بأفلام «البورن». المرأة عندهم جنس ولا شىء غير الجنس. وتحت الجنس يندرج الكثير من المسميات: شهوة، وغرائز، وقُفّة، وإرضاع الكبير، ونكاح الميتة، وتحجيب المذبوحة، ومرحبًا بتعدد الزوجات، ووداعًا للمرأة الإنسان وأهلًا وسهلًا وبارك الله فى المرأة التى تسر عين زوجها إذا نظر إليها وتركض نحو الفراش إذا رغب وتبتعد عنه إذا كان معكننًا لأن زوجته الثانية عصبته وتربى له العيال.. إلخ.

ولن نهدر الوقت أكثر من ذلك فى توزيع الاتهامات. فمن كان المسئول عن تحويل المجتمع المصرى من هذه التركيبة الأنيقة التى تعرف الصح من الخطأ المعروفة بالنخوة والجدعنة والرقى بين شتى الطبقات والفئات، إلى هذا الكيان الماسخ الذى غاية مناه وأمله أن يكون جميعنا صورة طبق الأصل من بعضنا البعض، مع الحفاظ على «خصوصية» المرأة المصرية التى سبقتها الكثيرات من نساء المنطقة بمن فيهن من نقلن عنهن ملابسهن وأزياءهن الثقافية واعتبرناها الزى الرسمى للدين. وصار الزى الرسمى للدين الحكم فى صلاح المرأة من فسقها، ومكانتها فى الجنة أوالنار (حسبما يقرر رجال الدين وليس الدين)، والحد الفاصل بين المرأة درجة أولى والنساء من الدرجات الأخرى الأدنى.

هل كانت مصر خارجة عن الملة حتى سبعينيات القرن الماضى؟ هل أصبح المصريون الفريق المرشح لدخول الجنة فى عام 2022 لأنهم باتوا الأكثر تدينًا؟ هل يعقل أن يتدين شعب بأكمله بهذا الشكل لكن يتربع على عروش عدة بينها الأكثر تحرشًا بالنساء، وحوادث سير، وجرائم تندى لها الجبين، ونظافة شوارع تتحدث عن نفسها، وفساد متناهى الصغر من قبل صغار الموظفين ممن يتركون العمل من أجل الصلاة وكذلك الفطار والشاى والقهوة والسحلب؟

الحلقة التى تبدو الأضعف، لكنها فى حقيقة الأمر هى الأقوى، هى النساء والفتيات. تحرر العقول يبدأ بالمخ وليس بالملابس. والخائفون المرتعدون من تحرر الأدمغة يعتقدون أن الخناقة خناقة ملابس.