الخميس 18 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

خارطة طريق مصرية لأزمات المنطقة

الرئيس السيسى يلقى كلمته فى قمة جدة
الرئيس السيسى يلقى كلمته فى قمة جدة

تحرص الدولة المصرية على تطوير المشاركة بين الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية على نحو يلبى تطلعات ومصالح الأجيال الحالية والقادمة من شعوب المنطقة، ويعزز من الجهود المشتركة لمواجهة التحديات الإقليمية والعالمية، والتشاور والتنسيق بشأن مساعى الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمى والدولي، فضلًا عن تدعيم وتطوير أواصر العلاقات التاريخية المتميزة مع جميع الدول المشاركة بالقمة.



 

وشارك الرئيس عبد الفتاح السيسى فى «قمة جدة» بالمملكة العربية السعودية، التى جمعت قادة مصر والعراق والأردن ودول مجلس التعاون الخليجى والولايات المتحدة الأمريكية، حيث عقد عددًا من اللقاءات الثنائية مع القادة المشاركين فى القمة من أجل التباحث حول سبل تعزيز العلاقات الثنائية معهم، ومناقشة آخر المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية.

وألقى الرئيس كلمة خلال الجلسة الافتتاحية لقمة جدة للأمن والتنمية، قال فيها إن القمة تأتى فى لحظة استثنائية من تاريخ العالم والمنطقة العربية لتحمل دلالة سياسية واضحة بتجديد عزمنا على تطوير المشاركة بين الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية سواء على الصعيد الثنائى أو فى الإطار الإقليمى الأوسع، وبما يمكننا معًا من الانطلاق نحو آفاق أرحب من التعاون على نحو يلبى تطلعات ومصالح شعوبنا، استنادًا إلى علاقات وروابط قوية وممتدة قائمة على إعلاء مبادئ راسخة، لا ينبغى أن نحيد عنها، لتحقيق المنفعة المتبادلة، وصون أمن واستقرار المنطقة بأكملها.

وأكمل الرئيس: لقد تتابعت الأزمات العالمية والإقليمية المتفاقمة وازدادت حدتها، كجائحة كورونا، وتغُّير المناخ، وأمن الغذاء، وتفشى النزاعات المسلحة دوليًا وإقليميًا، والتى ألقت بظلالها على البشرية بأكملها، ومن بينها منطقتنا العربية التى تعانى من تحديات سياسية وتنموية وأمنية جسيمة بما فيها مخاطر انتشار الإرهاب، على نحو يطال استقرار شعوبنا، ويهدد حقوق الأجيال القادمة، وباتت أمتنا تتساءل بشكل مشروع عما لدينا من أدوات وما نقوم به من إجراءات من أجل التصدى لهذه التحديات، وعن مصير الأزمات الممتدة التى تعيشها منطقتنا العربية منذ أكثر من عقد، وآفاق تسوياتها.

وتابع: يتعين فى هذا السياق أن تكون لدولنا ومنطقتنا إسهاماتها الملموسة فى صياغة حلول دائمة غیر مرحلية لتلك التحديات المعاصرة على أسس علمية وواقعية، وهو ما نعمل فى مصر على تحقيقه انطلاقًا من إيماننا بأن للجميع هوية واحدة وهى الانتماء للإنسانية، فلم يعد مقبولًا أن يكون من بين أبناء أمتنا العربية، صاحبة التاريخ المجيد والإسهام الحضارى الثرى  والإمكانات والموارد البشرية الهائلة، من هو لاجئ أو نازح أو متضرر من ويلات الحروب والكوارث، أو فاقد للأمل فى غد أفضل.. لقد حان الوقت لكى تتضافر جهودنا المشتركة لتضع نهاية لجميع الصراعات المزمنة والحروب الأهلية طويلة الأمد التى أرهقت شعوب المنطقة، واستنفدت مواردها وثرواتها فى غير محلها، وأتاحت المجال لبعض القوى للتدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية، والاعتداء العسكرى غير المشروع على أراضيها، والعبث بمقدراتها ومصير أجيالها، من خلال استدعاء نزاعات عصور ما قبل الدولة الحديثة من عداءات طائفية وإثنية وعرقية وقبلية، لا غالب فيها ولا مغلوب، وبما أدى لانهيار أسس الدولة الوطنية الحديثة وسمح ببروز ظاهرة الإرهاب ونشر فكره الظلامى والمتطرف.

وقال الرئيس: إن لمصر تجارب تاريخية عديدة فى المنطقة، وكانت دومًا خلالها رائدة وسباقة فى الانفتاح على مختلف الشعوب والثقافات وانتهاج مسار السلام، فكان هو خيارها الاستراتيجى الذى صنعته، وفرضته، وحفظته، وحملت لواء نشر ثقافته، إيمانًا منها بقوة المنطق لا منطق القوة، وبأن العالم يتسع للجميع، وهو سلام الأقوياء القائم على الحق، والعدل، والتوازن، واحترام حقوق الآخر، وقبوله.

مقاربة شاملة

وطرح الرئيس مقاربة شاملة تتضمن خمسة محاور للتحرك فى القضايا ذات الأولوية خلال المرحلة القادمة لخدمة أهدافنا المنشودة صوب منطقة أكثر استقرارًا وازدهارًا، موضحًا أن الانطلاق نحو المستقبل يتوقف على كيفية التعامل مع أزمات الماضى الممتدة، ومن ثم فإن جهودنا المشتركة لحل أزمات المنطقة، سواء تلك التى حلت خلال العقد المنصرم، أو تلك المستمرة ما قبل ذلك، لا يمكن أن يكتب لها النجاح إلا من خلال التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة ونهائية لقضية العرب الأولى، وهى القضية الفلسطينية، على أساس حل الدولتين المستند إلى مرجعيات الشرعية الدولية ذات الصلة، وبما يكفل إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تضمن للشعب الفلسطينى حقوقه المشروعة، وتعيش فى أمن وسلام جنبًا إلى جنب مع دولة إسرائيل، على نحو يحقق أمن الشعبين ويوفر واقعًا جديدًا لشعوب المنطقة يمكن قبوله والتعايش معه، ويقطع الطريق أمام السياسات الإقصائية، ويعضد من قيم العيش المشترك والسلام وما تفتحه من آفاق وتجسده من آمال. ومن هنا، فلا بُد من تكثيف جهودنا المشتركة، ليس فقط لإحياء مسار عملية السلام، بل لنصل به هذه المرة إلى حل نهائى لا رجعة فيه، ليكون بذلك قوة الدفع التى تستند عليها مساعى السلام فى المنطقة.

وأكدت النقطة الثانية فى مقاربة السيسى أن بناء المجتمعات من الداخل على أسس الديمقراطية والمواطنة والمساواة واحترام حقوق الإنسان ونبذ الأيديولوجيات الطائفية والمتطرفة وإعلاء مفهوم المصلحة الوطنية، هو الضامن لاستدامة الاستقرار بمفهومه الشامل، والحفاظ على مقدرات الشعوب، والحيلولة دون السطو عليها أو سوء توظيفها. ويتطلب ذلك تعزيز دور الدولة الوطنية ذات الهوية الجامعة ودعم ركائز مؤسساتها الدستورية، وتطوير ما لديها من قدرات وكوادر وإمكانات ذاتية، لتضطلع بمهامها فى إرساء دعائم الحكم الرشيد، وتحقيق الأمن، وإنفاذ القانون، ومواجهة القوى الخارجة عنه، وتوفير المناخ الداعم للحقوق والحريات الأساسية، وتمكين المرأة والشباب، وتدعيم دور المجتمع المدنى كشريك فى عملية التنمية وكذلك دور المؤسسات والقيادات الدينية لنشر ثقافة الاعتدال والتسامح بما يضمن التمتع بالحق فى حرية الدين والمعتقد، فضلًا عن تكريس مسيرة الإصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى ودفع عجلة الاستثمار وتوفير فرص العمل وصولًا إلى التنمية المستدامة، تلبيةً لتطلعات شعوبنا نحو مستقبل أفضل يشاركون فى بنائه ويتمتعون بثمار إنجازاته دون تمييز.

 

علاقات راسخة بين مصر والمملكة العربية السعودية
علاقات راسخة بين مصر والمملكة العربية السعودية

 

وأضاف الرئيس إن المحور الثالث يتعلق بالأمن القومى العربي، والذى أؤكد على أنه كل لا يتجزأ، وأن ما يتوافر لدى الدول العربية من قدرات ذاتية بالتعاون مع شركائها، كفيل بتوفير الإطار المناسب للتصدى لأى مخاطر تحيق بعالمنا العربى. وأشدد فى هذا الصدد على أن مبادئ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، والإخاء، والمساواة، هى التى تحكم العلاقات العربية البينية، وهى ذاتها التى ينص عليها روح ميثاق الأمم المتحدة ومقاصده، ويتعين كذلك أن تكون هى ذاتها الحاكمة لعلاقات الدول العربية مع دول جوارها الإقليمي، وعلى الصعيد الدولى. هذا، ولا يفوتنا فى إطار تناول مفهوم الأمن الإقليمى المتكامل، معاودة التأكيد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية تفضى لنتائج ملموسة باتجاه إنشاء المنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط، مع تعزيز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى هذا الصدد، والحفاظ على منظومة عدم الانتشار، وبما يمثل حجر الأساس لمنظومة متكاملة للأمن الاقليمى فى المنطقة..

وتابع: يظل الإرهاب تحديًا رئيسًا عانت منه الدول العربية على مدار عدة عقود، ولذا فإننا نجدد التزامنا بمكافحة الإرهاب والفكر المتطرف بكافة أشكاله وصوره بهدف القضاء على جميع تنظيماته والميليشيات المسلحة المنتشرة فى عدة بقاع من عالمنا العربي، والتى تحظى برعاية بعض القوى الخارجية لخدمة أجندتها الهدامة، وترفع السلاح لتحقيق مكاسب سياسية ومادية، وتعيق تطبيق التسويات والمصالحات الوطنية، وتحول دون إنفاذ إرادة الشعوب فى بعض الأقطار، بل وتطورت قدراتها لتنفذ عمليات عابرة للحدود، مشددًا فى هذا السياق على أنه لا مكان لمفهوم الميليشيات والمرتزقة وعصابات السلاح فى المنطقة، وأن على داعميها ممن وفروا لهم المأوى والمال والسلاح والتدريب وسمحوا بنقل العناصر الإرهابية من موقع إلى آخر، أن يراجعوا حساباتهم وتقديراتهم الخاطئة، وأن يدركوا بشكل لا لبس فيه أنه لا تهاون فى حماية أمننا القومى وما يرتبط به من خطوط حمراء، وأننا سنحمى أمننا ومصالحنا وحقوقنا بكل الوسائل.

وأضاف إن المحور الخامس يرتبط بضرورة تعزيز التعاون والتضامن الدوليين لرفع قدرات دول المنطقة فى التصدى للأزمات العالمية الكبرى والناشئة، كقضايا نقص إمدادات الغذاء، والاضطرابات فى أسواق الطاقة، والأمن المائي، وتغير المناخ، بهدف احتواء تبعات هذه الأزمات والتعافى من آثارها، وزيادة الاستثمارات فى تطوير البنية التحتية فى مختلف المجالات، وبما يسهم فى توطين الصناعات المختلفة، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، ووفرة السلع.

وفى هذا السياق قال الرئيس،  إن مصر تدعم كل جهد من شأنه تطوير التعاون وتنويع الشراكات لمواجهة أزمتى الغذاء والطاقة الراهنتين، مع التأكيد على أن التعامل مع أزمة الغذاء يتطلب مراعاة أبعادها المتعددة على المديين القصير والبعيد لوضع آليات فعالة للاستجابة السريعة لاحتياجات الدول المتضررة من خلال حزم عاجلة للدعم، فضلًا عن تطوير آليات الإنتاج الزراعى المستدام وتخزين الحبوب وخفض الفاقد، وذلك بالتعاون مع الشركاء ومؤسسات التمويل الدولية، وهو الأمر نفسه الذى ينسحب على التعامل مع أزمة الطاقة التى تتطلب من جانبنا تعاونًا فعالًا لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، ولعل ما حققه منتدى غاز شرق المتوسط من نجاحات فى السنوات الماضية يمثل ترجمة عملية لإرادتنا السياسية فى التعاون مع شركائنا، وتجسيدًا لأحد أبرز الإسهامات فى كيفية إدارة الثروات والتوظيف الأمثل للموارد الحالية والمستقبلية صونًا لمصادر الطاقة.

الأمن المائى

أما فيما يتعلق بالأمن المائى، فقال الرئيس: فمن الأهمية تجديد الالتزام بقواعد القانون الدولى الخاصة بالأنهار الدولية بما يتيح لجميع الشعوب الاستفادة من هذه الموارد الطبيعية بشكل عادل، وضرورة صون متطلبات الأمن المائى لدول المنطقة والحيلولة دون السماح لدول منابع الأنهار، التى تمثل شرايين الحياة للشعوب كلها، بالافتئات على حقوق دول المصب.

 

مصر قدمت رؤيتها الشاملة لقضايا المنطقة فى قمة جدة
مصر قدمت رؤيتها الشاملة لقضايا المنطقة فى قمة جدة

 

وأكمل: اتصالًا بتغيُّر المناخ، يتعين علينا استمرار العمل الجماعى المشترك فى الأطر الدولية متعددة الأطراف ذات الصلة بهذه القضية المهمة، وفى مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ واتفاق باريس، وذلك لضمان تحقيق الأهداف التى اتفقنا عليها وفقًا للقواعد والمبادئ التى ارتضيناها، ولا يفوتنى فى هذا الإطار التأكيد على أن منطقتينا العربية والإفريقية تعدان إحدى أكثر مناطق العالم تضررًا من الآثار السلبية لتغير المناخ، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على الأمن الغذائي، وأمن الطاقة والمياه، والسلم المجتمعى والاستقرار السياسي، ومن ثم يتعين علينا التوافق حول رؤية شاملة لدعم الدول العربية والإفريقية، وتمكينها من الوفاء بالتزاماتها الدولية ذات الصلة، ورفع قدرتها على التكيف مع الآثار السلبية لتغيُّر المناخ، بحيث تساهم تلك الرؤية فى معالجة أزمة السيولة المالية وتكثيف تمويل المناخ الموجه إلى هذه الدول، فضلًا عن دعم وتعزيز الاستثمارات فى الطاقة المتجددة.

ودعا الرئيس السيسى المشاركين إلى الحضور إلى شرم الشيخ فى القمة العالمية للمناخ فى نوفمبر 2022 لمواصلة التأكيد على الالتزام الراسخ تجاه جهود مواجهة تغير المناخ، ولكى نحول هذا التحدى إلى فرصة حقيقية للتنمية والانتقال إلى أنماط اقتصادية خضراء أكثر استدامة لصالح شعوب الأرض جميعًا.

وتابع الرئيس قائلا: لقد أردت أن أشارككم المحاور الخمسة التى تقوم عليها رؤية مصر لمواجهة التحديات الراهنة من أجل وضع منطقتنا على طريق الاستقرار الشامل والمستدام، ولكى نبدأ معًا فصلًا جديدًا من الشراكة الاستراتيجية بين دولنا وشعوبنا، والتى تقوم على أسس الثقة والدعم المتبادلين، وإعلاء المصالح المشتركة، وتقاسم الأعباء والمسئوليات، والتضامن، مع الأخذ فى الاعتبار ظروف وخصوصية كل مجتمع وتجاربه وأعرافه وعاداته وتقاليده وما يواجهه من تحديات، وبما يتواكب مع مفهوم تكامل الحضارات فى زمننا المعاصر.

واختتم الرئيس كلمته قائلًا: لا يسعنى سوى أن أتقدم بالشكر للمملكة العربية السعودية الشقيقة على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، وأود أن أبعث رسالة لشعوبنا الشقيقة والصديقة وشركائنا بالولايات المتحدة الأمريكية، فأقول لهم، ستجدون دائمًا فى مصر التى عرفتموها وشهدت الحضارة الإنسانية أولى لبناتها على ضفاف نيلها الخالد، سندًا وشريكًا لكم، ويدًا تمد العون من أجل حفظ وتعظيم مصالحنا المشتركة، ولنسير معًا بخطى ثابتة على طريق المستقبل فى البناء والتنمية والتقدم، نضيئه بأملنا وعزمنا الذى لا يلين، واعتمادنا على أنفسنا ورؤيتنا المشتركة لكيفية معالجة الأزمات على نحو يحترم إرادة الشعوب وخياراتها وحقها فى تقرير مصيرها، واثقين فى نهجنا، وفيما تتيحه شراكتنا من قدرات وما لدينا من خبرات تمكننا من اجتياز الصعاب مهما بلغت، ولنرسم غدًا أفضل لنا جميعًا وللأجيال القادمة.