الأحد 25 سبتمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
«الجمهور» مش عايز كده!

«الجمهور» مش عايز كده!

كان ياما كان، فى قديم الزمان وسالف العصر والأوان.. بيت صغير، الحب والحنان ملؤه،  فيه أب وأم  يرعان أولادهما، يضحكان، يتشاركان مع الأبناء فى بهجة حول شاشة التليفزيون، يختارون وينتقون ما يشاهدونه، يعلقون ويوضحون. وعندما ينتهى الوقت المباح، يذهب الأطفال لمخادعهم.. توتة توتة خلصت الحدوتة. 



مرّ الزمان وسرق منا فرحتنا، وتوقفت مشاركة الوالدين فى انتقاء البرامج المناسبة ومراقبة المحتوى التليفزيونى وما يتعرض له الأبناء من قيم واتجاهات، وتحديد أوقات لمشاهدة التليفزيون، وأهملوا تشجيع الأبناء على القراءة. 

اختفت من شاشتنا برامج وأفلام الأطفال فى وقت المساء، والبرامج العلمية والبرامج التى تنمى  الخيال  والتفكير  الصحيح وتغرس فى الطفل القيّم والمعارف، وزادت أفلام الجريمة والبلطجة. 

فاجعة جريمة قتل الطالبة فى جامعة المنصورة «نيرة أشرف» على يد زميل لها بسبب رفضها الزواج منه، وتزايد حالات الانتحار وجرائم القتل والعنف الأسرى، فجّرت اهتمام الباحثين وعلماء الاجتماع، وأجمعت على تسبّب الأعمال التليفزيونية فى نشر الأفكار المرتبطة بالعنف والسلوكيات الإجرامية. 

فى استفتاء أجرته مؤسسة جالوب Gallup الأمريكية للأبحاث، ألقى 70 % من عينة الاستفتاء باللائمة على وسائل الإعلام المرئى لنشرها وتشجيعها على الجريمة. وفى دراسة أخرى عن أخلاقيات الفضائيات وأثرها على المجتمعات، توصلت إلى أن 89 % من الإعلانات الموجهة للشباب تحتوى على قيم سلبية كالشراهة والتبذير والانحلال، وأثبتت كل الدراسات وجود علاقة طردية بين ما يشاهده الشباب وبين الانحراف، وأن 64.2 % منهم يشاهدون محتوى مثيرًا من الأفلام. وتؤكد منظمة اليونسكو خطورة مسلسلات العنف على شريحة الشباب، واعتبرت أنها تؤدى إلى اضطرابات أخلاقية تكمن وراء الجرائم المختلفة، ويقع الأطفال ضحايا للإحساس بالعنف الوارد إليهم عن طريق الشاشة الصغيرة، ثم بلادة الإحساس بالعنف فى الحياة الواقعية، وخاصة أن أكثر برامج الأطفال عنفًا هى أفلام «الكارتون» التى يُصور العنف فيها فى شكل فكاهى.

العلاقة خطيرة بين العنف التليفزيونى والسلوك العدوانى فى الأطفال، ولابد من لفت نظر الأهل إلى مثل هذه القضية، كى يسهموا فى انتقاء البرامج المناسبة لأطفالهم ومشاركتهم مشاهدتها. وعلينا أن نُخضع أفلام الرسوم المتحركة وغيرها من البرامج قبل عرضها على الشاشة لرقابة تربوية. لقد أصبح التليفزيون منافسًا للأسرة فى نقل أنماط ثقافية تؤثر على عملية التنشئة الاجتماعية داخل المجتمع، وأصبح منازعًا للمدرسة فى دورها، مع ارتفاع معدلات مشاهدة التليفزيون والمنصات ووسائل الإعلام المختلفة إلى خمس ساعات يوميًا وثمانى ساعات يومى الخميس والجمعة، بالإضافة إلى أن غالبية الوسائل المرئية تعتمد على تسويق ظاهرة العنف والعدوان، فتصف للناس تفاصيله الدموية المرعبة كسلعة تجارية مطلوبة مرموقة تقدم لهم تحت مبررات التسلية أو الترويج أو الإعلان أو الأخبار أو لأن الجمهور عايز كده.