السبت 13 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
يا عاقل ما يهزك «ترند»

يا عاقل ما يهزك «ترند»

يلعنون «الترند» ويسبونه، و «الترند» من بنات أفكارهم ونتاج أعمالهم. يتصفحون منصات التواصل الاجتماعي، يمضون دقائق ثمينة من تقويم الأثير العنكبوتى فى مشاهدة فيديوهات ومتابعة مقاطع. يمضون قدماً إلى «تويتر»، يتوقفون عند قائمة الهشتاجات الأكثر رواجاً. يبحثون عنها بكل عزم وحماسة. يتفقدونها، ويقتفون أثرها. يمعنون فى إعادة تغريدها وتدويرها، وهلم جرا. وفى اليوم التالي، يجدون أن تفاهة هنا أو سخافة هناك قد أصبحت «ترنداً». تحولت مزحة سخيفة إلى قضية الصباح والمساء. وأصبح «فيديو هزيل» مادة الهرى والهرى الآخر.



أما البعض عندنا، فلا يجد أمامه سوى نقل ما يدور فى عالم العنكبوت. وينضم الإعلام العالمى ليعطى بقية العالم لمحة عما يجول فى أنحاء البلاد وما يشغل بال العباد. نستيقظ اليوم التالي، ونفاجأ بأن هذا هو عالمنا. فنانة انفصلت عن زوجها الملياردير ثم ذهبت إلى الجيم، عروس لا يعرفها أحد ترقص فى حفل زفافها وتكفكف دموع عريسها المتأثر حباً وفرحة،أب يقرر أن يعلق ابنته من شرفة البيت تأديباً أو ترويعاً لها، فنان مثير للجدل يطل على جمهوره بين الحين والآخر بسيارة ببضعة  ملايين أو أسد فى حديقة بيته، مقطع لشخصية عامة تتحدث فى جلسة خاصة، درس قرر أن يلقيه أحدهم على خلق الله ولا هو عالم دين ولا الكلام له معنى أو جدوى أو حتى مناسبة، وصلة سب وقذف يوجهها أحدهم لمعتقد الآخرين، تحليل سياسى لأوضاع الكوكب أقرب ما يكون إلى أفلام مقاولات السبعينيات لا قصة ولا لون ولا محتوى، والقوس يبقى مفتوحاً فى عالم اختلط فيه حابل الحياة الشخصية بنابل «الترند».

هذا المحتوى العجيب الغريب المريب، المفتقد للتصنيف، المندرج تحت بند المسخ والقبح، أصبح هو «الترند». أصبح كل منا - بعلم أو بدونه، بقصد أو بدونه، بهدف أو بدونه - فاعلاً ومفعولاً به فى مجتمعات يحركها أثير العنكبوت. وبعد كل ذلك، نأتى فى آخر النهار ونلعن «الترند» والصراع على صناعته وحمى البقاء على قمته والتحول إلى تروس فى منظومته، رغم إننا جميعاً مشاركون فيه. الأمر يحتاج منا قليلاً من التفكر والتدبر. الفكر التشدد والتدين المتطرف يمكن أن ينتشرا عبر «الترند». والانهيار الأخلاقى والتسيب القيمى يمكن أن يتسللا إلينا عبر «الترند». والأفكار المبتكرة والمقترحات القيمة والمعانى الإيجابية يمكن أن تدخل حياتنا عبر «الترند».   «الترند» أيضاً قادر على رفع أشخاص سابع سماء، وقادر على هبدهم ورزعهم على جدور رقابهم. الغريب فى الأمر، أنه رغم شيوع الإنترنت ومنصات ال«سوشيال ميديا» فى ربوع العالم، إلا أن أثر «الترند» فى توجيه المجتمعات أو أثر المجتمعات فى توجيه الإنترنت ليس سواءً. الثقافة والوعى والتكوين والأولويات والاختيارات تصنع فروقاً شاسعة بين الأمم فيما يختص بـ«الترند». هناك من سلبه «الترند» القدرة على التمييز، وهناك من احتفظ بهامش من القدرة على التصنيف، وهناك من يحلق فى نعيم من العقل والمنطق والتفكر والتدبر، فلا يهزه «ترند» ولا يحزنون.