الأحد 3 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الاستشفاء بالفن

موسيقـى ورقصـة ولوحـة!

أثناء تدريبات الفنون التعبيرية
أثناء تدريبات الفنون التعبيرية

الفن علاج للروح والنفس حتى إنه أصبح إحدى الطرق الحديثة فى الطب، ليصبح هناك العشرات من الأخصائيين الذين يمارسون هذا النوع من العلاج بأنواع مختلفة من الفنون وبطرق مبتكرة. 



يُعرف العلاج بالفن على أنه تطويع لبعض الأنشطة الفنية لمساعدة الناس فى تخطى أزماتهم أو صدماتهم النفسية المختلفة أو تنمية شخصيتهم، كما يتيح العلاج بالفن فرصة للكشف عن المشكلات الشخصية التى يصعب على الفرد التعبير عنها بشكل مباشر. 

وعلى مر العصور عبّر الإنسان عن نفسه من خلال الفنون بكل أشكالها، فقد رسم على الجدران وحفر فى الصخور وسجل كل مشاعره وذكرياته ويومياته، لذا نجد المصريين القدماء اهتموا بالموسيقى باعتبارها واحدة من الفنون التى لها دور مهم فى الصحة النفسية. 

 

متدربون من مختلف الأعمار
متدربون من مختلف الأعمار

 

ويضم العلاج  بالفن عددا كبيرا من التخصصات المختلفة منها الفن وعلم النفس، الطب النفسى،علم الاجتماع والتربية الفنية وغيرها ويتم العلاج بأنواع فنون متعددة مثل الفنون التشكيلية، السيكو دراما، الحركة، الرقص، الحكى وغيرها. 

«عائشة رضوان» - أخصائية علاج بالفن والفنون التعبيرية بدأت ممارسة هذه المهنة كمعالجة بالفن منذ عام 2014 من خلال استديو تعليمى خاص بها ومنذ عام 2017 عملت فى العديد من المستشفيات لمساعدة المرضى وكذلك عدد من المؤسسات لمساعدة اللاجئين من الصدمات النفسية، أوضحت أن العلاج بالفن هو إحدى الطرق العلمية التى تقوم على استخدام تقنيات إبداعية مثل الرسم والتلوين واستخدام الرموز والأشكال الفنية لمساعدة الاشخاص على التعبير عن أنفسهم فنيًا، وتزويدهم بفهمٍ أعمق لأنفسهم وشخصياتهم. وتشير «عائشة» إلى أن العلاج النفسى بالفن يساعد الشخص بتوجيه من اختصاصى العلاج بالفن على فك الرموز التى تعنيها الصور المجازية التى يُعثر عليها غالبًا فى هذه الأعمال الفنية، ما قد يفضى بدوره إلى فهم أفضل لمشاعرهم وسلوكهم، ومن ثم الانتقال إلى حل مشكلات أعمق.

 

 

 

مساحة آمنة

 وتتابع عائشة :«هناك مجموعة من التوجيهات مهمة لخلق مساحة آمنة خالية من الحكم تسمح للشخص بالاستفادة والتعافى من خلال تجنب الحكم على النفس أو على الآخرين فى العلاج الجمعى وكذلك الحرية الكاملة فى التعبير عن النفس والمشاعر والمشاكل، أما من واجبى كمعالجة الالتزام بالسرية فيما يخص الجلسات».

وتؤكد أن الشخص لا يحتاج أى خبرة فى الفن لكى يبدأ جلسات العلاج بالفنون التعبيرية أو العلاج بالفن، لأنه  نوع من أنواع العلاجات النفسية واستخدام الفنون هو وسيلة للتعبير عن المشاعر بطريقة تسهل التواصل من العقل اللا واعى.

 تستخدم عائشة فى جلسات العلاج، بالفنون التعبيرية بجانب الكلام والمشاركة، ومجموعة من الفنون مدمجة فى برامج مختلفة للعلاج النفسى التفاعلى تناسب الاحتياجات المختلفة وتتناسب مع شكل العلاج اذا كان فردىيا أو جماعيا ،منها الرسم والنحت، والعلاج بالحركة، التأمل، والعلاج بالكتابة  والحكى والسيكودراما، والعلاج بالموسيقى.

 

 

 

وتكشف عن أكثر الحالات التى تعرضت لها وهى علاج صدمات الطفولة بالفنون التعبيرية، حيث قامت رسالتها فى الماجستير على العمل مع 16 سيدة عانت من صدمات فى طفولتهن وأثرت عليهن فى مرحلة الرشد، موضحة أن هذه الطريقة أظهرت مدى قوة تأثير العلاج بالفن عليهن وتغيير مفهومهن عن أنفسهن وعن شكل العلاقات.

ويروى چون ميلاد مؤسس فرقة «ولسه» وخبير التغيير المجتمعى بالفن أن الفن يستطيع تغيير حياة الإنسان لأفضل صورة، منوها إلى أنه آمن بذلك منذ كان طالبًا فى كلية الفنون التطبيقية وكانت بدايات ممارسته  للفن والتغيير المجتمعى على الفئات المهمشة فى المجتمع. 

ويحكى «جون» عن عمله مع الفلاحين البسطاء وسائقى «التكاتك» والمعنفين وعمال النظافة، وبعض اللاجئين فهو يعمل على فكرة التغيير الشخصى والمجتمعى من خلال الاستشفاء بالفن من كل الأزمات والمشكلات سواء كان ذلك يتلخص فى  العنف، المخاوف أو الانعزال والانطواء أو الإقصاء المجتمعى بسبب اللون والجنس والدين» لافتا إلى أنه شارك مع عدد من الجهات الحكومية فى معالجة  جذور بعض المشكلات المجتمعية، منوها إلى أنه على مدار السنوات الماضية طور من مهاراته العلمية فى هذا المجال. 

ويذكر چون إنه تقابل مع عدد من المعالجين بالفن فى أمريكا والذين دعموا تجربته لاختلافها وتأثيرها على شتى النواحى فى حياة الفرد، وقد كرمه الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما كإحدى الشخصيات المؤثرة فى العالم. يقول چون إنه يحاول أن يجعل الفرد يتعامل مع الآلام  والحزن كمحطة حياتية، فليس هناك استشفاء تام أبدًا ولكن هناك تغييرا عميقا لا يجب أن نتجاهله.

 

 

 

 

جلسات الاستشفاء 

ينظم «جون» جلسات الاستشفاء بالفن عن طريق عقد ورش ولقاءات ومسارح مجتمعية يتم فتح الحوار من خلالها لاستكشاف المشكلات أو من خلال ورش متخصصة للدعم النفسى لللاجئين أو المعنفات أو أطفال الشوارع.

ويبين أن إقناع الفئات البسيطة بقيمة الفنون فى علاج أوجاعهم، ليس باليسير أبدًا لكنه يحاول التقرب منهم أولًا كأن يذهب لمواقف السائقين ويجلس معهم حتى يطمئنوا له وتصبح هناك مساحة ثقة إنسانية يستطيع من خلالها العمل، ويتابع: دائمًا تبهرنى النتائج فى كل مرة وتعلمنى دروسا جديدة وكأننى أنا من يحتاج للاستشفاء، فللإنسان قدرة خارقة فى التغيير وايمانه بالنور والأمل يدهشنى. 

 

 

 

ويحكى «جون» عن زوجة سائق كان يحضر الورش، هاتفته خصيصًا كى تشكره وتقول له «جوزى بقى يجبلنا حاجات حلوة وهو جاى واتغير خالص أنا عملتلك كوفية هدية هبعتها معاه». 

يحلم چون أن يكون هناك مساحات حقيقية لممارسة الفن والتعبير بدون أى تصنيف أو تكاليف، لأن ذلك نوعا من أنواع   النضج والبوح. 

وتشرح لنا الدكتورة رضوى صلاح مخلوف، وهى باحثة دكتوراه فى السيكودراما  وسينوغرافيا المسرح، وبدأت العمل كمعالج بالفن  منذ عام 2021، إن هدف العلاج بالفن هو العمل على اللا شعور، فالانسان يتعرض للكثير من المواقف والمشكلات والأزمات النفسية وكل ذلك يؤدى لحدوث كبت انفعالى فى اللا شعور وهو الجانب المظلم للعقل الباطن لدى الإنسان، ويساعد العلاج بالفن على التنفيس عن هذه الانفعالات المكبوتة من خلال الفن بشكل حر. وتابعت: «يساعد الفن على اكتشاف الفرد لذاته والوعى بها، ومن هنا نستطيع القول أن الغرض من العلاج بالفن هو استخدامه كوسيلة شخصية للأعراض النفسية كذلك يمكن استخدامه للوصول لحالة من التوافق والسلام الداخلي».

وتنوه إلى أن جلسات العلاج بالفن بيئة علاجية مريحة للفرد للتعبير عن مشاعره والتقليل من وصمة العلاج النفسى عند البعض، وفى الجلسات لا تقاس الأعمال الفنية المقدمة بجودتها ولكن بمدى تعبيرها عن المشاعر، وكذلك يساعد العلاج بالفن الأم التى تعجز عن التواصل مع طفلها من خلال الرسم وقد يكون العلاج بالموسيقى فعالا للمسن المصاب بالسكتة الدماغية، وكذلك مريض الاكتئاب يجد فى العلاج بالفن وسيلة فعالة للتعافى.

وتوضح د.رضوى صلاح فكرة أن العلاج بالفن بديل العلاج الدوائى،مؤكدة أنه علاج تكميلى وإذا وجد الطبيب ضرورة للعلاج الدوائى فليس هناك بديل لذلك، خاصة أن بعض الاضطرابات النفسية يكون السبب فيها وجود خلل فى كيمياء المخ مما يستدعى استخدام العقاقير الدوائية.

وتحكى عن تجربتها فى العلاج بالفن موضحة أنها تعاملت مع العديد من حالات اضطرابات القلق والاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين وبعض حالات اضطرابات كرب ما بعد الصدمة ومن خلال تخصصها فقد ساهم العلاج بالفن فى خفض بعض اضطرابات السلوك والتى تظهر في شكل سلوكيات عدوانية وتخريبية لدى بعض الأطفال والمراهقين الذين تم علاجهم بالإضافة إلى استخدامها للعلاج بالفن التشكيلى ومسرح العرائس بشكل خاص فى تنمية بعض المهارات العقلية لأطفال من ذوى صعوبات التعلم.