الجمعة 1 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الأنــدلســـى قصة روبرتو بولانيو

انهمكت فى نقاش حاد مع صديق لى حول الطبيعة المراوغة للفن، بعدها روى أمالفيتانو حكاية سمعها فى برشلونة عن جندى مستجد فى الفرقة الزرقاء الإسبانية، التى شاركت فى الحرب العالمية الثانية إلى جانب وحدات الجيش الشمالى الألمانى، على الجبهة الروسية، بالقرب من مدينة نوفوجرود على وجه التحديد.



أما هذا المجند المستجد فهو رجل هزيل، شديد النحافة، ذو عينان زرقاوان، انتهى به الحال، بشكل أو بآخر، فى روسيا (فهو لم يكن ديونيسيو ريدريجو مثلًا، ولا حتى توماس سلفادور؛ وكان يؤدى التحية الرومانية حين يتوجب عليه ذلك، لكن الحقيقة أنه لم يكن فى أعماقه مرتزقًا أو فاشيًا أو كتائبيًا. وهناك -لسببٍ ما- بدأ أحدهم يناديه (التمللى) على سبيل الاختصار: تعالَ هنا يا تمللى؛ أو: تمللى، افعل كذا أو كذا، وهكذا حتى استقرت الكلمة فى وجدانه، فى المنطقة المعتمة من مؤخرة وعيه.

وفى هذا الحيز الفسيح والمتصحر، مع كر الأيام والفزع اليومى، تحولت الكلمة بطريقة ما إلى (تجلِّى)، أى كرامات صوفى. كيف حدث هذا، لا أدرى. دعنا نقول فقط إن ثمة صلة ما كانت تنعس منذ طفولته، بُعِثتْ مجددًا إلى الحياة، أو ذكرى لطيفة كانت تتحين الفرصة للعودة من جديد.

وهكذا، بدأ الأندلسى يرى نفسه مُنشدًا وصاحب كرامات، ومكلفًا بالقيام بمهامه، رغم أنه لم تكن لديه أية فكرة واعية عن معنى الكلمة الحقيقى، ولم يكن يعرف ما إذا كان المقصود بها قائد جوقة كاتدرائية أم شيخ مسلم على رأس جبل، لكن الغريب فى الأمر أنه تحت تأثير نظرته لنفسه باعتباره مرتلًا، حوَّل نفسَه بصورة ما إلى مُرتل بالفعل، وفى غمار شتاء 1941 الرهيب، تولى مسئولية الجوقة التى كانت تشدو بترانيم عيد الميلاد، فيما كان الروس يمطرون الكتيبة 250 بهجماتهم. وهو يتذكر تلك الفترة باعتبارها أيامًا حافلة بالصراخ. صراخ مكتوم، وصخب لا ينقطع، مع بهجة سرية مشوشة بعض الشىء. فقد كانوا يرتلون، لكن الأمر بدا كأن الأصوات تتأخر، أو حتى تستبق، حركات شفاه وحلوق، وأعين المرنمين، الذين كثيرًا ما كانوا ينزلقون، فى رحلاتهم القصيرة، لكن العجيبة أيضًا، فيما يشبه حالة تصدُّع شامل.

أما الأندلسى فلم ينكس عن مهامه الأخرى بشجاعة وإذعان، لكن مع الوقت تملكه شعورٌ بالحنق والمرارة، وسرعان ما أدى ضريبة الدم المستحقة عليه. فذات بعد ظهيرة، وبطريق الصدفة البحتة إلى حد ما، أُصابته شظية وأمضى أُسبوعين فى المستشفى العسكرى فى ريجا، تحت رعاية سيدات ألمانيات، ملائكة باسمات الثغر، ومتينات البنيان، ممن يتولين أعمال التمريض فى الرايخ الثالث، ولم يستطعن تصديقَ لون عينيه، إضافة إلى ممرضات مُتطوِّعات من إسبانيا، دميمات كالأبالسة، لعلهن شقيقات خوزيه أنطونيو، أو زوجات إخوته، أو بنات عمومته من بعيد.

وحين سُرِّحَ الأندلسىُ، حدث سوء تفاهم كانت له عواقب وخيمة عليه. فبدلًا من إعطائه تذكرة إلى الوجهة المفروضة، حوَّلوا مسارَه إلى ثكنات إحدى كتائب الجيش متعدد الجنسيات، تَبعد عن كتيبته بمسافة 200 ميل. وهناك -بسبب الالتباسٌ- وجد نفسه وسط الألمان، والنمساويين، واللاتفيين، والليتوانيين، والدانماركيين، والنرويجيين والسويديين، وجميعهم أطول وأقوى منه بكثير، حاول بألمانيته الركيكة، أن يشرح لهم ما وقع من التباس، لكن ضباط الجيش متعدد الجنسيات لم يفقهوا لكلامه معنى فتجاهلوه، وبينما كانوا يحاولون استجلاء هذا اللبس، أعطوه مكنسة وجعلوه يكنس كبائن العنبر، ثم أعطوه دلوًا وخرقة لينظف أرضية المبنى الخشبى الضخم، مستطيل الشكل، حيث كانوا يحتجزون، ويستجوبون، ويعذبون سجناءً من كل صنف ولون.

غير أن الأندلسى لم يستسلم لقدره كأى رعديد حائر، لكنه راح يؤدى مهامه بضمير يقظ، ويرقب مرور الزمن فى ثكناته الجديدة، حيث الطعام أفضل كثيرًا من السابق، وما من أخطار على الإطلاق، ذلك لأن كتيبة الجيش متعدد الجنسيات كانت تتمركز فى نقطة وراء الخطوط بمسافة آمنة، للتصدى لمن كانوا يسمونهم الخارجين عن القانون. ثم حدث -فى المنطقة المظلمة من ذهنه- أن أصبحت كلمة (تمللى) واضحة من جديد. فجعل يقول: أنا تمللى، جندى مستجد، وينبغى أن أتقبل مصيرى.

هكذا، وبالتدريج اختفت كلمة (تجلّى). لكن فى بعض فترات ما بعد الظهيرة، تحت السماء الأزلية فوق دنيا الله والتى كانت تفعم روحه بالحنين إلى سيفيلى، كان صدى الكلمة يتردد، ضائعًا فى مكان ما فى الما وراء. وذات مرة، سمع جنودًا ألمان يغنون، فتذكر الكلمة؛ وفى مرة أخرى، تناهى إلى سمعه صوتُ صبى يغنى وراء أجمة، فتذكرها من جديد، بصورة أوضح هذه المرة، لكنه حين ذهب إلى الجهة الأخرى من الدغل، كان الصبى قد تلاشى واختفى للأبد فى اللا مكان.

ثم حدث ما كان مُقدَّرًا أن يحدث. تعرضت الثكنات للهجوم، وتم الاستيلاء عليها على يد كتيبة مدرعات روسية، لكن البعض يزعمون أنهم كانوا مجموعة من رجال المقاومة الشعبية. لم يستمر القتال سوى فترة وجيزة، حيث كان الألمان فى وضع غير مؤاتٍ منذ البداية. وبعد ساعة، عثر الروس على الأندلسى مختبئًا فى أحد المبانى مستطيلة الشكل المخصصة للتعذيب، ومرتديًا زى جندى مساعد فى قوات الجيش متعدد الجنسيات، ومحاطًا بقرائن دامغة على الأهوال والفظائع التى ارتُكِبتْ فى هذا المكان قبل وقت ليس بالبعيد. ضُبِط متلبسًا، كما يُقال. ثم قيدوه بسيورٍ إلى قوائم ومسندى أحد الكراسى التى كان رجال الجيش متعدد الجنسيات يستخدمونها فى استجواب السجناء والأسرى. وعلى كل سؤال كان الروس يلقونه عليه، كان يجيب بالإسبانية أنه لا يفهم شيئًا وأنه مجرد خادم بسيط فى هذا المكان. وقد حاول أيضًا أن يقول هذا الكلام بالألمانية، لكنه كان بالكاد يعرف أربع كلمات منها، ومن يستجوبونه لا يعرفون منها شيئًا على الإطلاق.

وبعد جلسة سريعة من مهزلة الصفعات والركلات، ذهبوا لإحضار شخص يتحدث الألمانية، وكان يستجوب السجناء فى زنازين أحد المبانى المستطيلة الأخرى. لكن قبل عودتهم، سمع الأندلسى صوت طلقات نارية، وأدرك أنهم كانوا يقتلون بعض رجال الجيش متعدد الجنسيات، الأمر الذى قضى على كل أمل لديه فى الخروج سالمًا من هذا المكان. لكنه، حين توقف إطلاق النار، عاد يتشبث بالحياة بكل ذرة من وجوده. وحين سأله الروسى الذى يعرف الألمانية عما كان يفعله هناك بالضبط، وعن وظيفته ورتبته، حاول الأندلسى أن يشرح له بالإسبانية، لكن بلا جدوى مرة أخرى. ثم فتح الروس فمه بواسطة كماشة، كان الألمان يستخدمونها فى التعامل مع أجزاء أخرى من الجسم فى الواقع، وبدأوا يسحبون لسانه ويعتصرون منه الكلام. دمعت عيناه من فرط الألم، فقال، أو بالأحرى صاح، كونو، أى فَرْج،  لكن بفعل الكماشة التى فى فمه، تشوهت الشتيمة، وتحولت عبر صوته الأشبه بالعواء، من كونو إلى كونست.

فحدق إليه الروسى الذى يترجم من الألمانية فى حيرة. كان الأندلسى يصيح: كونست، كونست، وهو يصرخ من الألم. تعنى هذه الكلمة بالألمانية فن، وهذا ما سمعه الجندى الذى يعرف اللغتين، فقال: لا بد أن ابن العاهرة هذا فنان بلا ريب أو شىء من هذا القبيل. وعندها انتزع الرجال الذين كانوا يعذبون الأندلسى الكماشة من فمه، ومعها قطعة صغيرة من لسانه، وانتظروا، وقد صعقهم هذا الاكتشاف للحظة من الزمن. كلمة فن. الفن الذى يهدئ ثائرة الشياطين المخابيل. وهكذا، مثل وحوش هدأت مخالبها، التقط الروس أنفاسهم، وانتظروا إشارة من نوع ما، فيما الدماء تنزف كالنافورة من فم الجندى المستجد مختلطة بلعابه، فبلعها وغص بها. لقد أنقذت كلمة كونو، بعد تحولها إلى كونست، حياته. وحين خرج من مبنى التعذيب مستطيل الشكل، كان الوقت غسقًا، لكن الضوء وخزه فى عينيه وكأنه شمس منتصف الظهيرة، ثم إنهم نقلوه من المكان، مع السجناء المتبقين، وكان عددهم محدودًا. وقبل مضى وقت طويل، استطاع أن يروى حكايته على روسى يعرف الإسبانية، وانتهى به الحال فى أحد معسكرات الاعتقال فى سيبيريا، بينما نُفِّذتْ أحكام الإعدام فى الأشخاص الذين شاءت الصدفة أن يشاركوه مظلمته. وقد مكث فى سيبيريا حتى الخمسينيات.

وفى عام منتصف الخمسينيات، استقر فى برشلونة، وأحيانًا كان يفتح فمه ويروى بمرح حكاياته عن الحرب.

وأحيانًا أخرى، كان يفتح فمه، لكى يرى كل من يطلب منه ذلك، مكان قطعة اللحم المفقودة من لسانه، لكن بالكاد كان يستطيع أحد أن يراها. وهو ما فسره الأندلسى بأنه مع مرور السنين بدأ اللحم ينمو من جديد. لم يكن أمالفيتانو يعرفه شخصيًا، لكن حين سمع قصته، كان الأندلسى لا يزال يعيش فى شقة حارس عقار فى برشلونة.