الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
أفلام العيد لن تمثلنا فى الأوسكار

استراحة مشاهد

أفلام العيد لن تمثلنا فى الأوسكار

تتوجه معظم المدارس النقدية لتقييم محتوى العمل الفنى بعيدًا عما يجرى خارجه، غير أن متغيرات عدة جعلت ما يجرى حول العمل نفسه ربما يكون بنفس أهمية ما قدمه الفنان على شريط السينما أو شاشة التليفزيون. بتعبير آخر لنقد النقد أهمية لا تقل عن نقد المنتج الفنى، لأن مساعدة منصات التواصل الاجتماعى فى نشر آراء بعينها باتت تؤثر بشكل كبير على قرار فئة كبيرة من الجمهور، تظل بحاجة لمن يساعدها على اتخاذ قرار المشاهدة.



 

بوستر فيلم «واحد تانى»
بوستر فيلم «واحد تانى»

 

لو عدنا للخلف 10 سنوات فقط، كان موزعو الأفلام السينمائية خصوصًا الخبراء بموسم العيد يتداولون دائمًا تعبيرword of mouth أو التسويق الشفهى، وهو نشاط يحدث بين المتفرج الخارج من دار العرض والمتفرج الواقف أمام شباك التذاكر. لو أن الأول قال للثانى إن الفيلم يستحق التذكرة، علمًا بأن دور العرض عادة ما تستقبل نفس الطبقات الاجتماعية حسب موقعها وسعر تذكرة الدخول، فهذا يعنى أن قرار الدخول عند المتفرج الثانى لن يتأثر ولو أجمع كل نقاد مصر على أن الفيلم لا يستحق المشاهدة، والعكس صحيح، إشادة النقاد لا تسهم عادة فى زيادة إيرادات أى فيلم.

كان هذا قبل عقد من الزمان واستمر لعقود قبله، فما الذى تغيّر؟ الإجابة مذكورة فى الفقرة الأولى، منصات التواصل الاجتماعى غيرت كل شىء حتى على مستوى النقاد المحترفين. كان المعتاد سواء كان الفيلم جيدًا أو أقل من المتوسط أن ينشر الناقد مقاله بعد أسبوع على الأقل من عرض الفيلم ودون حرق للأحداث، طبيعة النشر الصحفى كانت تساعد على ذلك. وأيضًا اتفاق غير مكتوب خصوصًا حول الأفلام السيئة بعدم حرقها سريعًا حتى تصمد أسبوعًا على الأقل، لجعل خسائر المنتج والموزع فى حدود المعقول. فارق كبير بالطبع أن تهاجم فيلمًا بعنف بعد الأسبوع الأول، وأن تفعل ذلك فور انتهاء الحفلة الأولى.

الأمر لم يعد مقصورًا على النقاد؛ الجمهور كله، صفحات الهواة، صفحات المحتوى مدفوع الثمن، كل هؤلاء باتوا يحكمون على الأفلام سريعًا، أحكامًا لا تستند لأى معايير نقدية، فقط انطباعات ومواقف شخصية. النجوم أيضًا وقعوا فى الفخ عندما استأجروا تلك الصفحات من أجل مدحهم، فظهر آخرون مستعدون للذم من أجل الحصول على مكاسب، وهكذا فوضى ممتدة لا سبيل إلى السيطرة عليها إلا من غير عودة المتفرج إلى القاعدة القديمة، أن يقرر أى فيلم سيشاهد بناء على آراء من يشاركونه الذوق نفسه، لا على عدد المنشورات المؤيدة أو المهاجمة للفيلم، لأن هذا استسلام لأهواء الآخرين. أيضًا على من يدّعون الاحتراف أن ينقدوا الأفلام لا أبطالها، ليس منطقيًا أن يتحول كل فيلم إلى فرصة لإعادة محاكمة بطله بسبب أزمات سابقة لا علاقة لها مباشرة بالعمل الفنى.

المثال الواضح على ما سبق، أن تجد متفرجين عاديين وعاملين فى الوسط الصحفى والفنى يربطون بين فيلم «واحد تانى» لأحمد حلمى وأزمة فيلم «أصحاب ولا أعز»، لا توجد أى علاقة منطقية بين الحدثين. وإذا كان الجمهور بمعناه الواسع لا مانع لديه من الدخول على صفحة حلمى ومهاجمته مجددًا بسبب فيلم نتفليكس، فكيف لقادة رأى أن يكرروا الأمر نفسه، ثم يذهبون إلى «العنكبوت» الذى تعد منى زكى أفضل عناصره، ويهاجمون حلمى تارة وأحمد السقا بسبب إعلانه فى رمضان تارة أخرى. ما علاقة كل ذلك بالشريط نفسه، لن يجيبك أحد، هو تسونامى من تداخل القضايا وتشابك الآراء يتدفق بلا توقف.

 

بوستر فيلم «العنكبوت»
بوستر فيلم «العنكبوت»

 

أتذكر بشجن مثل هذه المواسم قبل العقد الأخير، وكيف كانت العناوين ستركز على منافسة أحمد حلمى لمنى زكى فى شباك التذاكر، وثنائية منى والسقا فى مواجهة ثنائية روبى وحلمى، وغير ذلك من قضايا كانت تشجع الناس على الفرجة، وتفتح شباك التذاكر لأسبوعين وثلاثة دعمًا لصناعة تحتضر الآن، ليس فقط بسبب فيروس كورونا، وإنما فيروس التنمر والإيذاء اللفظى والأحكام الجامدة المنتشر عبر منصات السوشيال ميديا.

بعد كل ذلك هل لدينا مساحة لنتكلم فى الفن؟ ليكن، الفيلمان لن يمثلا مصر فى مسابقة الأوسكار، الهياج الرقمى وسرعة تسجيل الآراء واستعداد أحدهم مثلاً لأن يكتب رأيه السلبى فى الفيلم على عشرين منشورًا لأصدقاء حوله من أجل تصدير «أنه موجود وشاهده فعلا»، كل هذا جعل الناس تنسى أننا أمام «أفلام عيد» مهمتها أن تسلينا فى الإجازة، وإن فعلت ذلك وحسب فقد حققت المرجو منها، وصنّاعها بالمناسبة لا ينتظرون أكثر من ذلك.

«واحد تانى» لهيثم دبور ومحمد شاكر خضير، «العنكبوت» لمحمد ناير وأحمد جلال، فيلما عيد يستحقان المشاهدة؛ الأول لا يناسب الأطفال ومكتوب ذلك على البوستر، والثانى لا يناسب كارهى الأكشن. كلاهما يعانى من مشكلات فى بناء الشخصيات ومعقولية الأحداث، الثانى قدمه السقا وهو فى لياقته البدنية التى افتقدها لاحقًا، ومنحته منى زكى الكثير من روحها المرحة، أما فيلم حلمى فهو بالتأكيد أفضل من فيلم «خيال مآتة»، لكنه ليس أفضل من «كلاسيكيات حلمى الشهيرة». غير أنه فى النهاية فيلم عيد لن يمثل مصر فى برلين أو فينسيا، هو موجه لمن يريد أن يكون شخصًا آخر، فاذهب وشاهده هو أو «العنكبوت»، دون أن تخشى «زومبى» منصات التواصل الاجتماعى.